(1)
لا يَظهر الرئيسُ الأمريكي لأجهزة الإعلام، إلّا وحوله نائبه السيد “فانس” وأحيانا بظهور أقل وزير خارجيته “مارك روبيــو”، ولربّما لكثرة أسفار وزير الخارجية. إذ الأسلوب الذي اجترحه الرئيس الأمريكي في إدارة السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، جالساً في صالونه، وأمام أجهزة الإعلام المشاهدة والمقروء والمسموعة، صار عنده نوعاً من ممارسة الشفافية وصدقية السياسات . حين يدلي بتصريحاته ، أو حينَ يوقِّع قراراته التنفيذية، أمام جمهرة الإعلاميين المؤلّفة قلوبهم، ويحابونه ولا يواجهونه بأسئلة مُحرجة، فإنَّ الظن عنده ، أن تلك بدعة تزيد من شعبيته . أمّا من يحرجونه بأسئلة تثير انفعاله، فلا مكان لهم في صالونه.
لم تقتصر تلك البدعة على مخاطبة الإعلام، بل صارت ممارسـة على مستوى لقاءاتِ الرّجل مع كبار زوّاره من رؤساء وزعماء بلدان كبرى أو صغرى ، ولا يهم إن كانت نقاشاته معهم تتناول أموراً عامة أو شؤونا حساسـة. من لقاءاته المحرجة ما شاهدناه على الشاشات مع العاهل الأردني ، واللقاء الكارثي والأفدح أثراً واستفزازاً، وقع حين احتد وثار في وجه الرئيس الأوكراني تحت بصر أجهزة الإعلام، بما يشبه الملاسنة التي لا تليق برجال دولة..
(2)
ثم نرى الرئيس الأمريكي يدير أحوال مكتبه بشكل درامي مثير، ونرى من حوله مساعديه، واقفين لإكمال الصورة الدرامية ، خاصّة من طرف نائب الرئيس الذي صار دوره أشبه بالسكرتير الشخصي، وإنْ لم يتجاوز في أحيانٍ أخرى دور المرافق الأمني، في نظر الحضور الإعلامي . والأعجب من ذلك، أن تُعد الملفات المراسمية والتي تحتوي على قرارات الرئيس التنفيذية للتوقيع عليها من قبل الرئيس بصورة مباشرة ، ثم يقوم بعرضها بنفسه على الإعلاميين ممّن حضروا ذلك العرض الدرامي.
يقوم الرئيس الأمريكي بهذا العرض الانفرادي بما يشبه مسرح الرَّجل الواحد ، ولكن بوجود رجال حول الرئيس، أقرب للكومبارس ليس إلَّا.
(3)
أما القمَّة المُصغَّرة الكارثية التي عقدتْ في البيت الأبيض الأمريكي في التاسع من يوليو 2025، والتي استضاف فيها الرئيس الأمريكي خمساً من رؤساءِ الدُّول الأفريقية، هي موريتانيا وليبيريا والجابون والسنغال وغينيا بيساو، فقد كانتْ مسرحية حفلت بسخريات أثارتْ الضحكَ مثلما أثارت الرِّثاء لرؤساء أفارقة يعاملهم الرئيس الأمريكي بأسلوب مراسمي غير لائق. لربَّما كان الهدف من هذه القمّة هو طرح شراكة للولايات المتحدة الأمريكية مع بعض الدّول الأفريقية. غير أن الهدفَ الخفيّ والمستتر هو الضغط الأمريكي على تلك الدول للتخفيف من والابتعاد عن، توثيق أيِّ علاقات مع الصين مارد الشرق الأقصى، الذي أعلن الرئيس الأمريكي شنِّ حربٍ تجاريةٍ شعواءٍ عليها. ولعلنا نرى في مبادرة الشراكة المزعومة نوايا خفية أيضا تعكس رغبات في مطامع للحصول على بعض ما عند تلك الدول الخمس من ثروات فوق الأرض وفي باطنها.
(4)
غيرَ أنَّ اخراج هذه القمَّة المصغرة قد تعثَّر في جملةٍ من الإجراءات الشكلية ، وأخرى تتصل بجهل الرئيس المُضيف عن بعض بديهيات، كان من المتوقّع أن توفَّر له من قبل وزارة خارجيته، والتي لا شكَّ أنّها قد فعلتْ ، ولكن للأسلوب الذي ابتدعه الرئيس الأمريكي في لقاءاته مع ضيوفه من الرّؤساء، ومَن هُم في مستواهم، وأمام أجهزة الإعلام مباشرة، فقد انتهى الى ما يشبه الفضيحة . يجهل الرئيسُ المُضيف أسماء من دعاهم وتفاصيل بلدانهم واللغات التي يتكلمونها.
لعلَّهُ مِن المُهمّ ان نشير إلى أنّ ثمة اتفاقيات وتقاليد وأعراف تحكم ضوابط الزيارات الرسمية وغير الرسمية، العامة والخاصّة، وتلك التي يتداعى إليها رؤساء البلدان للمشاركة في الاجتماعات المتعدِّدة الأطراف، مثل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، واجتماعات ما يتفرّعَ عنها من وكالات ومجالس وهيئات سياسية أو اقتصادية أو قانونية وسواها. لا يتصوّر أحدٌ أنْ تغيب هذه البديهيات عن وزارة الدبلوماسية الأمريكية، وإلا فإنهُ يحقّ للمتابعين انْ يتساءلوا: ما طبيعة هذه المسرحيات التي يديرها الرئيس الأمريكي ترامب في مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض..؟
(5)
لعلَّها ليست المرّة الأولى التي يجترح فيها الرئيس ترامب ما ليس معهوداً في الممارسات التقليدية، إذ شهدت زيارته للعاصمة السعودية خلال فترة رئاسته الأولى عام 2017، طلبا منه تقديم دعوة لرؤساء وملوك وأمراء دول الخليج لقمّة معه في الرياض ، واستجابوا للدعوة احتراما للعاهل السعودي. ثم طلب الرجل تقديم دعوات لبعض رؤساء بلدان عربية وإسلامية. تحملتْ المملكة وهي دولة تحترم التقاليد والأعراف الدبلوماسية المرعية، اجتراحات الرئيس الأمريكي، ومرّت تلك البدع بلا ضجيج.
والأكثر إثارة للدهشة هو أنه قد كان ممكناً للرئيس الأمريكي أن يحضر إحدى الاجتماعات الرَّاتبة لأيٍّ من المنظمات الإقليمية التي تضمَّ دولاً عربية أو أفريقية أو إسلامية. لكن الرجل الذي يريد لأمريكا أن تستعيد مجدها ، يرغب ليس في تقديم دعوات لرصفائه، بل هو يستدعيهم إلى العاصمة الأمريكية، بل وإلى مكتبه، ثم يطلبهم وقوفاً حوله وهو جالس جلسة الملوك ومن حوله أقزام. وللمتابع أنْ يسأل إنْ كان في تنفيذ شعار الرئيس الأمريكي المعلن لاستعادة المجد لبلاده ، ينطوي على نوعٍ من ممارسة استعلاءٍ شكليٍّ لعددٍ من الرؤساء الأفارقة. وكأنّهُ يذكِّرهم بماضي الكولونيالية البغيضة التي خضعوا لها وأذلت ْ شعوب بلدانهم لعقود عددا. عند ذلك الرئيس، بدا استعادة مجد بلاده رهين بإذلال رؤساء في القارة الأفريقية لا يستحقون أقلَّ احترامٍ كرؤساءِ في بلدانهم.
(6)
إنَّ الذي يمارسه الرئيس ترامب من تصرّفات عشوائية غير مسبوقة ولم تعرف عن أيِّ رئيسٍ أمريكي منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، يمثل محاولة لابتداع معايير ونظم جديدة للتعاون الدولي، ترسِّخ التفاوت والتمييز السياسي والاقتصادي بين دولة وأخرى، بل يلمح من طرف خفي لسيطرة الأقوياء على الضعفاء، وبما ينهي في نهاية الأمر مبدأ المساواة والعدالة والحق في الحياة. إنَّ الشِّرعة العالمية لحقوق الإنسان التي التزم بها المجتمع الدولي منذ تمَ التوقيع عليها في عام 1948، أضحت أوراقا تعبث بها الريح، بمثل ممارسات بعض أقوياء العالم الذين تنقصهم الكثير من الحكمة، من نوع الرئيس الأمريكي الحالي.
من المؤسف أن يسقط بعضُ رؤساءِ دولٍ أفريقية في فخِ الإذلال على ذلك النحو الذي نصبه لهم الرئيس الأمريكي الشعبوي ، فيما هم أعضاء محترمون في منظمات إقليمية. إنَّ تجاهل الرئيس الأمريكي لمنظمات إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي وسواها يمثل امتداداً للاستخفاف الذي طفق يعامل به الأمم المتحدة وما تفرّع عنها من منظمات وهيئات حكومية، وحتى غير الحكومية. وبلغَ السُّخفُ من بعض الإعلاميين الحاضرين لمسرحية القمّةِ الأمريكية – الأفريقية في المكتب البيضاوي، أن ألمحوا في أسئلتهم للرؤساء الأفارقة المشاركين، إن كانوا يرشّحون الرئيس الأمريكي ترامب لجائزة نوبل للسلام، فما قدر واحد منهم أن يقول لا.
إنّ للدبلوماسية الجماعية والمتعدّدة الأطراف معاييرَ وضوابط وتقاليد مرعيّة ، وإنّ رئيساً مثل ترامب يعمد ليسَ فقط لتهميشها ، بل أيضاً لتهميش جهاز دبلوماسيته الذي صار يتفرّج على مسرحيات الرئيس الأمريكي الهزلية، ولا ناصح له.
القاهرة – 11/7/2025
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم