السبيل لفك شفرة الاحتباس السياسي في السودان .. بقلم: بروفيسور/ مكي مدني الشبلي/المدير التنفيذي لمركز مأمون بحيري

تمثل العلاقة الدائرية بين احتباس الحرارة وثقب الأوزون حقيقة علمية لا جدال حولها. ذلك أن الاحتباس الحراري يساهم في وجود ثقوب لطبقة الأوزون، وفي ذات الوقت، فإن تسرب الأشعة فوق البنفسجية الناتج عن وجود ثقب بطبقة الأوزون يؤدي إلى احتقان أكبر واحتباس للحرارة داخل غلاف الكرة الأرضية. ويؤدي ذلك إلى جملة من الكوارث البيئية التي تشمل موجات التصحر والفيضانات وانقراض العديد من الكائنات الحية وتردي الإنتاج الزراعي المهدد للأمن الغذائي العالمي. وفي مواجهة هذا الخطر برز العديد من الحلول لظاهرة الاحتباس الحراري تشمل التحول لمصادر الطاقة المتجددة، وزيادة نسبة الغطاء النباتي، ومنع عمليات التوسع العمراني في المساحات المزروعة.
وفي السودان أدى انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى احتباس سياسي خانق صاحبه ثقب واسع في فضاء الحريات الذي كونته ثورة ديسمبر 2018 المجيدة. وقد فاقم من ذلك الاحتباس زيادة حرارة مناهضة لجان المقاومة للانقلاب، وما صاحبها من رد عنيف من جانب العسكريين أجهض مناخ الحريات الذي مهره الثوار بدمائهم الذكية، وأدى لسقوط المزيد من الشهداء. وتشير الدلائل إلى استعصاء هذا الاحتباس السياسي على المعالجات المقتصرة على السياسيين والوسطاء على المستوى المحلي، والمبادرات المتعددة على المستويين الإقليمي والدولي. ولعل من أهم مسببات استمرار ذلك الاحتباس السياسي إصرار العسكريين والسياسيين على احتكار الحكمة والتحكم في مصير السودان خلال الفترة الانتقالية وما يليها من التحول الديمقراطي المنشود. فقد أثبتت تجربة انسداد الأفق السياسي في السودان منذ يوم 25 أكتوبر 2021 فشل الفئتين في معالجة ما تسببا فيه من جر البلاد نحو مصير لا تحمد مآلاته. وفاقم من ذلك الاحتباس السياسي تمادي السياسيين والعسكريين في تهميش دور لجان المقاومة ومراكز التميز الوطنية في المشاركة الفاعلة في رسم حاضر ومستقبل البلاد.
وصدق الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديجول، الذي يعتبره الفرنسيون الأب الروحي للجمهورية الفرنسية الخامسة، حين قال في ستينات القرن العشرين: إن السياسة مـوضوع أخطـر بكثير من أن نتركه للسياسيين. وتشمل فئة السياسيين في حالة السودان العسكريين أيضاً حيث مارسوا السياسة خمسة أضعاف ما مارسه السياسيون بحكمهم السودان لفترة تناهز الخمسة وخمسين سنة تمثل 83% من سنوات استقلال السودان الذي تشهد هذه الأيام الاحتفال بذكراه السادسة والستين.
ونظراً لأن المخاطر المحدقة بالبلاد لا تحتمل إضاعة الوقت في عقد المؤتمرات بين مسببي الاحتباس السياسي التي اقترحها البعض وما يصاحب تلك المؤتمرات من اجترار للجدل العقيم، فإن تحاشي السقوط من شفير الهاوية المحدق بالبلاد يستدعي تعجيل دخول الطرفين الفاعلين في الساحة السياسية بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 وهما العسكريون ولجان المقاومة في حوار ثنائي مباشر ميسر بواسطة مراكز التميز الوطنية. فقد أكدت التجربة الماضية أن المواجهات الدامية بين العسكريين ولجان المقاومة يمكن تحاشيها بالحوار المسؤول للوصول لقواسم مشتركة مستدامة بين الطرفين. وذلك يحتاج لميسر (Facilitator) يساعد على الانخراط في حوار وطني مسؤول يلبي رغبات ثوار ديسمبر بعيداً عن أهواء السياسيين والعسكريين. وفي حالات الاستعصاء بين الطرفين الفاعلين يقوم الميسر بلعب دور الوسيط (Moderator) للمساعدة على تجاوز الجدل غير المنتج والتشجيع على التفكير الإبداعي من خلال تأطير القضايا من خلال ثلاثة مناهج بدلاً من منهجين لمعالجة الاختلاف. وبهذا المفهوم فإن دور الميسر والوسيط في مساعدة لجان المقاومة والعسكريين للوصول لقواسم مشتركة حول القضايا الخلافية بالكفاءة والفاعلية المطلوبة خلال فترة وجيزة.
ويمكن لمركز مأمون بحيري بوصفه مركزاً وطنياً مستقلاً للتميز العمل كميسر لهذا الحوار الثنائي من منطلق مهني مجرد من الاعتبارات السياسية والجهوية، حيث أثبتت التجارب في الدول النامية نجاح مراكز التميز في حل العديد من الخلافات المستعصية في كل من نيجريا، وأفغانستان، ونيبال، وتونس. كما أثبتت التجربة المحلية أيضاً نجاح مركز مأمون بحيري في إدارة حوار ميسر حول الأجندة الاقتصادية خلال عامي 2020 و2021 ضم ممثلين للجان المقاومة وشركاء الفترة الانتقالية، بما فيهم بعض أطراف العملية السلمية. ويرمي الحوار الميسر بواسطة مركز مأمون بحيري لمساعدة العسكريين ولجان المقاومة على تحديد المشكلات وحلها بالتعامل الإيجابي مع الخلافات المستعصية. كما يهدف الحوار الميسر إلى حث الجانبين للعمل معاً بشكل أكثر كفاءة من خلال خلق التآزر وتوليد أفكار جديدة والتوصل إلى التوافق والتماسك المنشود وفق مقاربة تشاركية يساهم فيها الطرفان في إنجاح الفترة الانتقالية بتحقيق حكم مدني مكتمل يهيئ البيئة المناسبة للتحول الديمقراطي المنتظر دون إراقة المزيد من الدماء الغالية. وحتى تحظى نتائج هذا الحوار الوطني المنشود بالضمانات اللازمة يمكن مشاركة السياسيين وممثلي المجتمع الدولي بصفة مراقبين. ولعل ما يؤهل مركز مأمون بحيري للترحيب بالقيام بهذه المهمة الوطنية التاريخية تمتعه ببنية تحتية متكاملة، وعلاقات عمل وطيدة مع الجهات الوطنية والإقليمية والدولية المتفاعلة مع الشأن العام في السودان.

1 يناير 2022

melshibly@hotmail.com
////////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً