السقوط في الارتزاق

 


 

عمر العمر
16 June, 2023

 

كل محاولة لرسم خطوط فكرية على مغامرات المرتزقة هي جهد يخفض من قدر مصدرها ولا يرفع من شأن محورها. الإرتزاق في أبسط تعريفاته بندقية مستأجرة ولاءُ حاملها لنفسه أولاً ثم لمستأجره.الإرتزاق ثاني أقدم مهنة في التاريخ .ربما هي أحط قدرًا من سابقتها. ففي تلافيف الأولى قد يجد المنقّب في الانحطاط شيئا من فطرة الله وبعضاً من احتمالات أسوأ بسور العاطفة القذرة. لكن الإرتزاق مهنةٌ شاغلوها (بلا ضمائر أو مشاعر مهنتهم القتل مقابل المال)حسب توصيف وليم اولتمان. هم مطبوعون بالتوحش فتزيدهم طبيعة عملهم قسوةً و غلظة. كما يتوغلون إبان عملياتهم في النهب من أجل الإعاشة بلا مقابل و في السلب من أجل المغنم دون كلفة. كذلك تحولهم مغامرات النهب بدورها إلى سفاحين بلا رحمة و مغتصبين دون شفقة إذ يطاردون طرائدهم في حرية من سطوة العقاب.
*****

مصدر المرتزقة محيط سافل في مدارج المجتمعات .فهمو نتاج قطاعات مهمشة ،أبناء عائلات وضيعة معدمة، مشردون بؤساء فاشلون في الصعود من السفح ، انتهازيون مجبولون على الشراسة و العنف . لذلك على قدر انجرافهم في الإرتزاق ينأون عن أخلاقيات الفرسان. غالبا ليس لدى قادتهم وازعٌ اخلاقي أو ملمح من وعي حتى يوصوا مقاتليهم بأبسط أشكال الانضباط دع عنك قيود القيم والمثل .مثل هؤلاء القادة المحترفين لم يسمعوا أنفسهم بوصايا أبي بكر لجنده الفاتحين (لا تغلوا، لا تخونوا ،لا تغدروا،لا تقطعوا نخلة ولا شجرة مثمرة).
*****

كل حديث عن صلة بين المرتزقة وبين المشاعر الوطنية ضرب فاحش من الهراء الفاضح. فما لهم من وشائج ارتباط بالأرض فهم فوضويون رُحّل بلا وطن أودولة. من ثم تسقط تلقائيا كل الدعاوى في شأن إضفاء التمسح عليهم بالديمقراطي والحرية والعدالة . وجود ممارسات للمرتزقة على أي بقعة من الأرض تعني خروقات صارخة لحقوق الانسان ، أمان الشعوب و سيادة الأوطان. اتفاقيات جنيف وملحقاتها جرّدت المرتزقة من فضيلة المقاتل وصفة الأسير!
*****

العلاقة بين العمل والفضيلة يشكّل أحد محاور انشغال علماء الاقتصاد والفلسفة .فالوظيفة لا تقود بالضرورة إلى السلوكيات الجميلة .لكن ثمة شبه إجماع غالب على ان (العمل الشريف يعود بالنفع على حواسك وفكرك )وفق خلاصات تيموني تايلور. كما أشار بعضهم إلى أهمية اتساق وسائل كسب العيش مع الأخلاقيات الفاضلة كا الصداقة و الحب ، الكرم والشجاعة .بالطبع مثل هذه الفضائل لا تنبت في بيئة مناخها التوحش والتقتيل والنهب.فحتى مستأجرو هولاء القتلة مجردون من أوهى الإحساس بقيمة الانسان وروحه دعك من مشاعره .فهم لا يتوقفون عند جثث قتلاهم أو يحزنون عليهم أو يساومون لاسترداد أسراهم .فالأُسارى منهم مثل أمواتهم وقود آلة حروبهم .
*****

المؤرخون يتكئون على الحقبة الفرعونية منطلقاً لمشروع الارتزاق. كما يلحظون بروزه ظاهرة تحت ظلال تفكك إمبراطوريات ،فقدان دول هيمنتها على أراضيها أو شعوبها ومع تآكل أنظمة استبدادية .بعد انقشاع غبار الحرب العالمية الثانية انحسرت مغامراتهم ناشرة الفوضى على الطريقة النابوليونية اذ تحولت نشاطاتهم إلى نهب ممنهج للبلاد واغتصاب منظم للشعوب. كذلك أمسى القتل مهنة مقبولة ، معترف بها ولو من طرف خفي . هكذا أمسى العالم يشهد وكلاء للارتزاق و مقاولين ثم شركات لها زبائن وسماسرة. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي (العظيم) وطي نظام الفصل العنصري البغيض في جنوب أفريقيا وجد آلاف الجنود والضباط البيض أنفسهم على أبواب أسواق العمل بلا سندات تأهيل أو مهارات إلا حرفة القتل فاستثمرتهم الشركات والمقاولون. فدخل العالم مرحلة خصخصة العنف والتقتيل.
*****

هكذا سقط آلاف من المتبطلين من الشمال والجنوب في فخاخ عصابات العنف المنظم .على خارطة العالم عدد من البؤر الملتهبة على استعداد لاستيعاب رجال متأهبين لتأجير أكتافهم لحمل بنادق مدفوعة الأجر .هناك كذلك خطوط تماس لنزاعات قابلة للإشتعال .هولاء القتلة الأُجراء لايسألوا عن أسباب الإلتهاب أو دوافع الإشتعال .فهم متأهبون ليلقموا آليات الحرب المتعطشة للدماء .هم اصبحوا شركاء في حروب بلا قضية. بل لهم فيها أُجورٌ و منافع متباينة. المعنيون باستقصاء الظاهرة يشيرون إلى وجود أكثر من3000 شركة تنشط في هذه التجارة القذرة.هم يقدرون حجم الإستثمارات فيها بأكثر من200 مليار دولار..
*****

نخبنا السياسية لن تنجو من المساءلة الوطنية اذ التزمت صمتاً لا ينأى بهم عن التواطوء ازاء شرعنة هذا النشاط المأجور مقابل ضعضعة الجيش الوطني .ما دامت زرافات المقاتلين المنتشرين في المدينة يستهدفون مقومات حياة الشعب اليومية فلا يجرؤ أيٌ من يكون على الكلام بلسان وطني في توصيف عملياتهم .الأختلاف مع كبار جنرالات الجيش حقٌ مشروع للجميع لكن الإعتداء على بنات وأبناء الشعب وممتلكاتهم مروق تدينه الأخلاق والوطنية قبل القانون .لدينا مأزق مركب إذ فتحت التراجيدية أعيوننا على جيش واهن وشرطة مهترئة وجهاز قضاء خرب فاسد غير قابل للرهان عليه.
*****

لعلنا نذكّر لاعني (حكم الافندية) في إطلاق أن السودان مجسداً في كبير الأفندية إسماعيل الأزهري ترأس لجنة حكماء أفريقيا .لعلهم يذكروا نجاح تلك اللجنة ليس فقط في تصفية القارة السمراء من عمليات المرتزقة البيض بل في شحنهم في رحلات جوية عبر الخرطوم إلى بلدانهم . تلك اللجنة ضمت زعامات لقامات هيلاسلاسي، سيكوتوري ،نايريري و)جومو كنياتا الذي نعرفه)حسب وصف شاعرنا تاج السر الحسن. تلك اللجنة شنت حربا مضادة لكنها دبلوماسية في عواصم انتاج أؤلئك السفلة القتلة. العقيد الفرنسي بوب دينار الشهير ب(كلب الحرب) يعد ابرز من قاد سلسلة عمليات ارتزاق في دول أفريقية عدة.
*****

الخرطوم كانت مسرحا فريدًا لمحاكمة أحد أساطين الإرتزاق في أفريقيا. هو المرتزق الأبيض الوحيد المحاكم داخل القارة .ذلك هو الألماني رولف شتناير المتورط في عمليات داخل الجنوب ضمن نشاطات في دول أفريقية مغايرة. اعتقال شتاينر جرى في اوغندا وساهم محجوب عثمان سفيرنا وقتذاك في إقناع ملتون أبواتي بتسليم شتاينر للخرطوم .الرئيس الأوغندي لم يستسلم لإغراءات سخية عرضتها عليه بون. محجوب عثمان حكى في روايته عن تسليم شتاينر ان اللواء الباقر وهو من جاء على الطائرة عرض عليه مبلغًا ضخما من الأموال مكافأة لمن ظن النظام السوداني مساهمين في عملية التسليم !قضت محكمة عسكرية بإعدام شتاينر ثم جرى تخفيف الحكم ألى 20سنةسجناًوتم إطلاق سراحه بعد ثلاثة أعوام بتبرير طبي.
*****

نحن غير بعيدين عن مغامرات المرتزقة في البوسنة ،العراق، أفغانستان وعدد من أقطار أفريقيا وأميركا اللاتينية. لذلك في وسعنا بموضوعية محاكمة نشاطات (الجنجويد ) وفق ما عرّفنا عليها في البدء الإنقاذيون أو (الدعم السريع) كما عمد جنرالات النظام المخلوع ونخبته إلى توصيفه امع شرعنتها.ثم (المتمردون )بعد الخروج من تحت عباءتهم. وفق كل تلك المراحل تظل هي ربيبة نظام فاشي عاجز عن بسط هيمنته على أرضه. أزمة الانقاذيين انهم أسرفوا في الإغداق على ربيبتهم من منطلق مكافأة الأجير لكن الرجل الصاعد من السهل إلى قمة السلطة بلغ مكانة لم يعد قانعاً ببيع طموحاته و دماء رجاله (لمن لا يستحق)

aloomar@gmail.com

 

آراء