السمك يدســه وين؟! … بقلم: د . احمد خير / واشنطن
27 August, 2009
Ahmed Kheir [aikheir@yahoo.com]
هالنى ما شاهدت على شاشة التلفاز من دمار لحق بالمنازل والشوارع فى الخرطوم "عاصمة" السودان ! أو كما كان يحلو لنا قديما أن نلقبها بالعاصمة المثلثة ! أيام كانت شوارعها جميلة ، حتى الترابية منها ! كان بها رونق لاتعهده فى كثير من عواصم دول العالم . كان شذى الورود فيها كما يقول الإخوة فى لبنان " يجنن " !!!
دعونا نأخذكم إلى " خرتومنا " القديم ، ونعود بكم إلى " خرطومكم " الجديد !
تصوروا معى بداية من كبرى أم درمان . حيث كانت أشجار " اللبخ " تمتد على جانبى شارع النيل على إمتداد البصر . أول ما تبدأ به كانت " حديقة المقرن " بزينتها الطبيعية وما أضافه الإنسان من إضافات جعلت تلك الحديقة قبلة للناس من شتى المشارب . وعلى الطرف المقابل كانت ترقد " غابة الخرتوم " برونقا وظلالها الممتدة على مياه النيل فيجتمع لديها الماء والخضرة والوجه الحسن !
لنتقدم قليلا ناحية " حديقة الحيوان " فتشاهد الطيور على أشكالها فاردة أجنحتها فرحة بالمكان وكأنها تتنافس فيما بينها لتعرض للمشاهد محاسنها ! كان الطاؤوس دائما هو سيد الموقف حيث يحظى بأعداد كبيرة من المشاهدين . وكانت الطيورتفرد أجنحتها ولسان حالها يقول " ماعندى لايقل عن ماعند الطاؤوس ، لكن الطاؤوس صيتو ذايع ساكت " ، هذا بالإضافة إلى الحيوانات الضخمة كالأفيال والخرتيت " الجرنتيه " والأسود والنمور والقردة بفصائلها المتعددة . كل ذلك الجمال والرونق كان يقف من ورائه العديد من الحراس المهرة فى زيهم المميز .
وكان " الجراند هوتيل " بمدخله وردهاته ، والهدوء الذى يلف المكان ليدفع الإنسان دفعاً ليسترق السمع إلى هفيف أوراق الأشجار المتفاعلة مع النسيمات لتشكل سيمفونية إلهية لم تخطر على قلب بشر ! وكما هو معهود أن قمة السعادة تدفع بالإنسان إلى أن يتلفت ، وأحياناً يتحسس أطرافه ليعلم ما إذا كان هو فى حلم أم علم ! وبإلتفاته بسيطة تقع العين على مياه " النيل الأزرق " المنسابة على عجل وكأنها تسرع الخطى لتلتقى بالحبيب " النيل الأبيض " عند المقرن ! ولكن خضرة جزيرة توتى فى الطرف الآخر لاتمنح فرصة للبصر أن يرتد ، فيزداد العشق بالمكان ، وتسمو النفس فوق كل مكونات الحلم والحقيقة !
ان كان لابد من المسير فالنسير ! ليأخذنا المسير إلى " حديقة السيد على الميرغنى " بأشجارها المتنوعة الممتدة فروعها إلى خارج الأسوار . كانت رائحة أشجار " الحنة " هى أول مايصل إليك فتجد روحك بدونما وعى قد تعلقت بكل أسرار الجمال فتترنم مع فنان الطبيعة والجمال عثمان حسين بـ "يا ربيع الدنيا " و " كيف لا أعشق جمالك " ، ويمتد الجمال تحت ظلال الأشجار كيفما إمتد المسير إلى أن تصل إلى " القصر الجمهورى " بشموخه وكأنه جبل جليد فى وسط صيف " الخرتوم " فتدلف من بوابته لتشاهد الحرس بلباسهم المميز وثباتهم المعلن عن رسمية المكان . وهنا ستجد نفسك قد إنتقلت بلا إرادة فوق حواجز أزمنة الإستعمار ، إلى رحابة إعلان الإستقلال ورفع العلم .
ومواصلة المسير ستأخذك إلى ذلك الصرح التعليمى " جامعة الخرطوم " . تلك المنارة التى ظلت لسنوات وسنوات مصدر فخر كل سودانى . تلك التى كانت قبلة كل طالب إجتهد لسنوات ليحقق حلمه وحلم أسرته . فالجامعة بمبانيها ذات الأشكال الهندسية المتعددة تعلن فى صمت عن تاريخها المطبوع فى عقل أبناء السودان .
أما فى "خرطومكم " الذى أقتلعت فيه الأشجار بفكرة جهنمية نفذها " قلندر " محافظ الخرطوم آنذاك لتصبح المنطقة من كبرى أم درمان إلى حديقة الحيوان منطقة مكشوفة تقول للشمس مرحبا بك ، حللت أهلاً ونزلت سهلاً لتكوى الجباه ولتصبب الأجساد عرقا ، لا لشئ إلا كى لاتنسى أنك فى السودان !
وكما التاريخ لايعرف الثباتً ، كان حال الخرطوم على يد من تولى المسئولية ، فبقرار أزيلت حديقة الحيوان ! كما إنقرضت غابة الخرطوم ، وتحول الجراند هوتيل إلى مغسلة لسيارات القادرين! ماذا إذن تبقى من خرطومكم ؟! وماذا تبقى من جزيرة توتى ؟! وماذا تبقى من منارة العلم بعد أن تسرب منها العلم وغاب عنها العلماء ؟!
ماذا فى خرطومكم اليوم ؟! بنايات عاليات تسبح فى مياه الأمطار ! ومصالح بشر معطلة وكأنها مدينة بلا وجيع ! مدينة أقرب إلى " مدينة أشباح " لا أحد يبكى عليها ، عاصمة فقدت إحترامها ، فباتت تبكى فى صمت ولا أحد يستمع ، ولا هناك من يرق قلبه لمدينة أعطت ومابخلت ! مدينة فتحت ذراعيها فى ذات يوم لقادة عرب عظام من أمثال الزعيم جمال عبد الناصر والملك فيصل ! مدينة رفعت رايات النصر فى زمن الهزيمة !
ماذا تفيد البنايات إن لم يكن هناك شبكات صرف صحى ، ومجارى تمتص الفائض ومياه الأمطار ؟! عندما تهطل الأمطار فى عواصم العالم تغتسل البنايات والشوارع وتتجدد الحياة . أما فى خرطومكم فالأمطار هى كابوس على المدينة ، تنخر كما السوس فى كل شئ ، ويتوالد الباعوض وتنتشر الملاريا ويمرض الناس ويموتون !
منذ زمن ليس بالقريب أتانى " رامى " وهو إبن صديقى إدريس محمد إدريس ، كان فى ذلك الوقت فى الخامسة من العمر . تساءل رامى : عمو .. الكبرى بنوهو ليه ؟! قلت فى براءة وكاننى أجيبه على تساؤله : بنوهو علشان الناس والعربات تمشى فوقو . ضحك " رامى " وكانه لم يضحك من قبل وقال : لا .. بنوهو عشان المطرة لامن تنزل ، السمك يدسه تحتو !
اليوم وأنا أشاهد مياه الأمطار تغمر شوارع الخرطوم ، وجدتنى أسأل نفسى : شوارع الخرطوم عملوها ليه ؟! وأجيب : عشان المويه تجرى فوقه !