في 3 نوفمبر 2016، أعلنت الحكومة السودانية حزمة إجراءات اقتصادية جديدة أدت الي رفع أسعار الوقود والكهرباء والسلع الاساسية بالإضافة الي تحرير سعر صرف الجنيه السوداني والذي تدهورت قيمته مقابل الدولار الامريكي بأكثر من 100%فور تنفيذ هذه القرارات. وكذلك ارتفعت اسعار الادوية والمنتجات الصيدلانية بحوالي ال75% وأدت اجراءات رفع اسعار الوقود الي ارتفاع اسعار المواصلات العامة ونقل البضائع بنسب تتراوح بين 75% الي 100% وأدت بدورها الي زيادة موازية في اسعار كافة السلع والاحتياجات الحياتية.
وتزعم الحكومة انها تهدف عبر هذه الاجراءات – والتي تم اعلانها قبل اقل من شهرين من اعلان موازنة العام الجديد في مخالفة صريحة لتعهدات وزير المالية عند اعلان ميزانية العام الحالي 2016 بان العام لن يشهد اي اجراءات جديدة لرفع الاسعار خلاله- الي خفض التضخم بنسبة 15%، إلا ان عددا من الخبراء الاقتصاديين يخالفونها في الرأي، حيث ان الحكومة لم تقم بتحرير سعر الصرف فعليا وانما اعلنت عن اسعار تشجيعية لتغيير العملة عبر الصرافات الرسمية سعياً وراء اجتذاب العملة الصعبة من السوق الاسود للنظام الاقتصادي الرسمي، الأمر الذي سيودي عمليا الي وجود ثلاثة اسعار لصرف الجنيه السوداني: سعر بنك السودان والذي سيلزم به البنوك في تعاملها مع المستثمرين والشركات التي تحتاج الي تحويل قيمة ارباحها للخارج او فتح اعتمادات بنكية للاستيراد، والثاني سعر الصرافات الذي تتعامل به مع المواطنين والثالث هو سعر السوق الاسود والذي سيرتفع أكثر حسب حسابات العرض والطلب. كل هذا سيؤدي الي زيادة أعباء المعيشة واسعار السلع الاساسية دون عائد يساهم بشكل حقيقي في حل الأزمة الاقتصادية.
وليست هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الحكومة باتخاذ هذه الاجراءات الاقتصادية، فقد أعلنت سياسة التحرير الاقتصادي في سنة 1991 عبر برنامج اعادة الهيكلة الاقتصادية والذي جاء مطابقاً لوصفة البنك الدولي المحفوظة. إلا ان هذه السياسة قد اثبتت فشلها مراراً في تعديل ميزان المدفوعات او تحقيق اي ربح للاقتصاد السوداني عبر زيادة حصيلة الصادرات. وكذلك رفعت الحكومة يدها تماما عن دعم القطاعات المنتجة مثل الزراعة والصناعة وقللت الصرف على الخدمات الاجتماعية الاساسية مثل الصحة والتعليم وغيرها مما أدى الي تفاقم الاثار الاجتماعية السلبية لهذه السياسات، في حين ركزت صرف الميزانية السنوية على القطاعات غير المنتجة مثل القطاعات السيادية والامن والجيش، الشيء الذي ساهم في استشراء وانتشار الفساد المالي في اروقة الدولة وزيادة وطأة الازمة الاقتصادية بشكل متصاعد منذ تبني هذه السياسات. ما سبق يفسر تصاعد استمرار الازمة الاقتصادية السودانية والارتفاع المستمر للعبء المعيشي على المواطنين السودانيين حتى في الازمان التي توفر فيها دخل معقول للدولة من حصيلة تصدير المواد الخام وثروات البلاد مثل النفط والذهب.
وكانت الحكومة السودانية قد سعت جاهدة الي تعويض خسائرها من فقدان عوائد تصدير النفط بعد استقلال جنوب السودان، بالاعتماد على تصدير الذهب الخام. غير ان سيطرة المليشيات الحكومية والمدعومة من قبل الحكومة-مثل قوات الدعم السريع- على انشطة التنقيب عن الذهب قد قضى على اي امال لاستخدام هذا المورد لدعم الاقتصاد الوطني بدلا من تسخيره لاقتصاد الحرب. والشاهد على ذلك ان الحكومة السودانية قد صرحت بان انتاج الذهب الخام قد تجاوز 62 طن خلال العام 2015 واعلنت عن زيادة هذا الانتاج بنسبة 22% في العام 2016، ولكن لم تظهر في الايرادات الحكومية غير ايرادات تصدير حوالي 7 الي 10 طن من الذهب، مما يرجح ان ايرادات بقية الذهب الذي تم انتاجه قد تحول الي حسابات غير معروفة بعيداً خارج الموازنة العامة. وتواترت التقارير التي تشير الي استخدام الحكومة السودانية الي عوائد الذهب في تسليح المليشيات غير النظامية وضمان ولاء قياداتها مثل قائد الدعم السريع (محمد حمدان دقلو – حميدتي) على حساب زيادة اعباء المعيشة على كاهل المواطن السوداني. فاختلال اولويات صرف الحكومة وتزايد صرفها على القطاع الامني والحرب في المناطق الثلاثة هو المسبب الاساسي للازمة الاقتصادية. حيث يبلغ الصرف على اجهزة الامن والجيش والقصر الجمهوري حوالي 70% من الموازنة العامة في حين لا يتعدى الصرف على الصحة والتعليم وبقية الخدمات الاجتماعية 8 الي 10% من الموازنة في أفضل الاحوال.
وقد أدت الاجراءات الاقتصادية التي اعلنتها الحكومة الي موجة من الرفض الشعبي والسياسي في مناطق مختلفة من البلاد، وخرجت مظاهرات رافضة لهذه الزيادات من عدة احياء بالخرطوم وفي مدن عطبرة ومدني والقضارف،واجهتها السلطات الامنية، كالعادة، بقمع مفرط في محاولة لإرهاب المتظاهرين وتذكيرهم بما حدث في سبتمبر 2013، حين اشعلت قرارات اقتصادية مماثلة موجة من التظاهرات الجماهيرية قمعتها الحكومة بقتل أكثر من 200 من المتظاهرين السلميين. وكذلك قام جهاز امن الحكومة بتدشين موجة من الاعتقالات للقيادات السياسية –شملت اغلب الكادر القيادي لحزب المؤتمر السوداني وعدد من كوادر احزاب الامة القومي والحزب الشيوعي وحزب البعث – في محاولة منها لكبح جماح اي احتجاجات متوقعة.
شاهد أيضاً
بيان من الهيئه القوميه للدفاع عن الحقوق والحريات حول انتهاكات حقوق الانسان في السودان
“بسم الله الرحمن الرحيم ظلت الهيئه القوميه للدفاع عن الحقوق والحريات تتابع بقلق شديد حاله …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم