السودان الطريق الي الاستقلال .. بقلم: محمد بشر كرم الدين


mohmedbasher3@gmail.com

الطريق الي الاستقلال
٦٠ عاما
السودان الطريق الي الاستقلال عنوان لكتاب صدر مع بواكير الاستقلال عن دار وليامز بلاك لندن في العام ١٩٥٧م للكاتب جي.اس .أر. دنكان المفتش الانجليزي المعروف لمنطقة النهود أوئل الأربعينيات والذي صار مستشار الحاكم العام للشئون الدستورية والخارجية ابان فترة تخليق جنين التحررالسوداني ومن البريطانيين الثلاثة الذين شهدوا حفل تسليم العلم يوم  الاستقلال وهوصاحب اهتمام وراصد دقيق لأحداث تلك اللحظات الهامة من تاريخ السودان ، صدر له من قبل كتاب بعنوان سجل الانجازات للادارة البريطانية في السودان في العام ١٩٥٢م والكتابين جديريين بالاطلاع والاقتناء . في مثل هذه الايام ومن كل عام وفي النصف الثاني من ديسمبر تختلط عندي المشاعر وتعم فوضي الاحاسيس خوف ، فرح ، حزن و ترقب  ، ماذا يمكن ان يحمله لنا مقبل العام واظنكم تشاطروني نفس الشعور واكثر ، ١٩ ديسمبر الاستقلال من داخل البرلمان ، حفل الاسقلال اول يناير ، عيدالميلاد ، المولد النبوي الشريف ، حفل راس السنة مع الفنانة الشهيرة بالقاعة الاشهر ما هذا ؟  اه زحمة ، منذ ستين عاما و نحن علي نفس الحال تمر الذكري والحالة وراء و نرفع راية استقلالنا ويشهد التاريخ لنا ، و (لقد جئتكم باستقلال نضيف مثل صحن الصيني لا فيه طق ولاشق) صناعة صينية ، الزعيم اسماعيل الازهري يتحدث عن هذا المولود الجديد الذي جاء بعد مخاض عسير وسط فرح وحفاوة بالغين ، تحول ذكري استقلالنا الي عطلات وتعطل عن العمل بل الادهي والامر ان ذكري الاستقلال لا يحرك فينا شعورا واحساسا بالامل الباعث الي العمل خاصة وأننا ظلما اتهمنا بالخمول ، بعد ستون الم يكن من الاجدي البحث عن تحديث للاحتفال بالاستقلال ؟ كان البريطانيون يمنون النفس بان تكون مستعمرتهم السابقة السودان نموذج يحتذي في المنطقتين العربية والأفريقية جنوب الصحراء نموذج في التنمية والديمقراطية ولكن هيهات خاب ظنهم وظننا. المهم نعود الي مستر دنكان وهو يصف لنا حفل ذلك المولود الاستقلال في يوم سمايته عل نجد في ذلك سلوي :- ( الاحتفال الرسمي لاستقلال السودان في الاول من يناير١٩٥٦ م يوم لا ينسي لكل من حضره ، السودانيون لهم عبقرية فذة في تنظيم هذه الاشياء و في الدقيقة الاخيرة ، وجدت كرت الدعوة تحت المخدة في الثانية صباحا وانا عائد لتوي من حفل راس السنة ، الأخرون وصلتهم الدعوات وهم في الملاهي وأماكن التجمعات ، و حتي الشخصيات الهامة تم أيقاظهم من هجواتهم لابلاغهم ، كل الدعوات تم توزيعها وفي الوقت المحدد. خطة التجليس في ساحة القصر كانت بدقة والترتيبات تمت دون اخطاء. في مقدمة الجمع وفي مواجهة العلمين الانجليزي والمصري، جلس السيدعلي الميرغني الي اليمين والسيد عبدالرحمن الي اليسار وفي الوسط والي الامام قليلا جلس مستر دوجلاس باركر عضو البرلمان ووكيل وزارة الشؤن الخارجية للحكومة البريطانية ، والسيد عبدالفتاح حسن نائب وزير شئون السودان بالحكومة المصرية . قبيل لحظات من هذا الاحتفال وفي مبني البرلمان كانا قد سلما خطابي اعتراف حكومتيهما باستقلال السودان ومن هناك تحرك رئيسا الهيئة التشريعية ومجلس الوزراء واعضاء الهيئة التشريعية في موكب الي القصر . رئيس الوزراء القي كلمة قصيرة ، ومن ثم وبهدوء تم إنزال العلمين البريطاني والمصري وفي مكانها رفع علم السودان الجديد ذو الألوان الثلاثة . وحال ما بدا في الخفقان مع هبوب رياح الشمال انفجرت الجموع بالخارج في ساحة كتشنر بالهتافات . وفي ساحة القصر الأمامية وبجوار النافورة تم تمثيل مصغر لنفس المشهد بثلاثة اعلام صغيرة سلم اسماعيل الازهري العلمين لممثلي الدولتين . بدات الفرقة الموسيقية لقوات دفاع السودان بعزف موسيقي المارشات ، انتهت مراسيم الحفل . وسط الدموع قام السيد عبدالرحمن وهو يغالب مشاعره سقط علي كومة من التراب تجمع اتباعه حوله ، قفز الي ذهني بانه توفي في هذه اللحظة والتي طالما تمني رؤيتها. ولانه رجل كبير يعاني من ضعف في القلب وفي هذه اللحظات المشاعرية يمكن للموت ان يقضي علي حياته ، ولكن الامر لم يكن كذلك ، لقد أغمي عليه فقط ، وفي اسابيع قليلة عاد الرجل الذي لا يقهر وكانه اقل من عمره بعشرين عاما وبذكاء وعقل وقاد كما كان من قبل. لقد وجدت عددا كبيرا من أصدقائي السودانيين في دموعهم غارقون حاولوا قدر استطاعتهم الإحساس بعمق و اهمية هذه اللحظات التاريخية . تحدثت مع كثير منهم قليلا ومن ثم صرت اتمشي وحيدا وللمرة الاخيرة حول هذه الحدائق الجميلة . وأخيرا وفي غمرة لحظة الكرامة والشرف تحدث السيد اسماعيل الازهري للشعب بهذه الكلمات :- ( سوف يظل مصدر فخر لهذه الامة و لسنوات قادمة بانه استطاع بالحكمة والثبات والإيمان الصادق ان ينتزع الحرية ، الاستقلال والسيادة من براثن الاستعمار من دون اللجوء الي إراقة دماء لتحقيق حريته وفك قيد العبودية … لقد جثم الاستعمار سبعة وخمسون عاما علي ارض السودان مارس الاستبداد علي شعبه دمر خصائصه ونشر الكراهية والفرقة بين اهله حتي يتحقق له اكبر قدر من البقاء ) . وفي وقت متاخرو اثناء العشاء كان الازهري يتحدث بمزاج طبيعي برر خطابه وعن اهمية ذكر مثل هذه الاشياء للناس ، في تناقض و لكن هذه هي الوطنية .
            قبل ان يغادر دنكان والي الابد سماء الخرطوم سال سؤالا وحاول الاجابة عليه ،  ماذا يعني كل هذا؟ في العام ١٨٩٨م اول عام لحكومة السودان بلغ اجمالي الدخل 130 الف جنيه استرليني والمصروفات 236 الف استرليني . في العام 1954م بداية الحكم الذاتي ورث السودان هذه الارقام :- 35 مليون جنيه استرليني ايرادات سنوية ، 30 مليون استرليني مصروفات ، و الصادرات 50 مليون جنيه استرليني , عدد المدارس ارتفعت من 3 مدارس اول القرن الي1500 مدرسة مع الاستقلال منها 300 مدرسة للبنات ، خزان سنار لزراعة مليون هكتار فدان في اكبر مشروع في افريقيا , سكة حديد بطول 4000 كلم ومرافئ جديدة في بورتسودان . كل هذه الاشياء ورثتها دولة فقيرة , وحقيقة تركنا هذه الدولة بلا ( ديون ) .ربما كان بامكاننا عمل الكثير. سوف ياتي المؤرخ بعد سنوات من اليوم  ليحكم علي المجهودات التي قامت بها بريطانيا في السودان ، لها او عليها … يبقي الحكم بيد المؤرخ . انتهي حديث دنكان . انا هنا لست ممجدا للاستعمار ولكن ادعوا للاعتبار لقد ورثنا دولة مفخرة ،  هل يجوز ان نجعلها مسخرة. ؟

محمد بشر كرم الدين

Mohmedbasher3@gmail.co

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً