السودان بين التخويف والأمل: صراع على وعي الشعب

د. عمرو محمد عباس محجوب

هذا المقال استعنت فيه بالذكاء الاصطناعي في شات جي بي تي واستعمل ديبسييك ايضاً لكن ليس في هذا المقال واجده مفيدا جدا خاصة مع الكبر ونسيان الكلمات الملائمة وقراءة مراجع يوفرها عن الموضوع. وادعو الكتاب لمحاولة الاستفادة منه.

في السودان اليوم، لا تدور المعركة فقط بين الجيش والجنجويد، ولا تنحصر في صراع جغرافي أو قبلي أو سياسي، بل هي صراع سرديات: سردية التخويف والترهيب مقابل سردية الأمل والإرادة الشعبية. وهو صراع على وعي الناس قبل أن يكون على الأرض أو السلطة.

منذ عقود طويلة، استخدمت السلطات المتعاقبة التخويف كأداة مركزية لتطويع الجماهير. حين كان عمر البشير في السلطة، كانت سرديات “المؤامرة الغربية”، و”التقسيم”، و”الخطر الأخلاقي” و “مصير ليبيا وسوريا” و “لحس الكوع”. و”شذاذ الآفاق” تُضخ عبر الإعلام والمنابر. بعد الثورة، لم يتغيّر النهج، بل تبدّل الناطقون به: بات الجنرالات يتحدثون عن “الانهيار إذا غاب الجيش”، وعن “الخونة المدنيين”، وعن “الفتنة التي ستأكل البلد ما لم نتوحد خلف البندقية”.

في المقابل يتم استعمال التخويف من الكيزان ومن البرهان ومن التمكين وغيرها وغيرها. كل سردية “تقدم” وتحوراتها قائمة على التخويف والترهيب من الكيزان والتقسيم وسوء الإدارة وارهاب الجيش والأمن والانتهاكات وحقوق الإنسان ومصادرة الديمقراطية وهكذا.

الكيانات المقسمة في عصر مضى والتي اغلبها صنعت من اجل الكيان وموّلها الغرب سواء في السودان او عبر الحركات المسلحة (لنسأل من أين الأسلحة والأموال واللبس والأكل ووو) في اغلب دول الجوار وعبر وكلائها في الإمارات والدول الأخرى المطبعة والسائرة في طريقه والتي اكتملت بتمويل وتسليح وشراء والتدخل الفعلي مع الجنجويد، وفتح الطريق أمام القاعدة وداعش للدخول لدمشق.

ومع اندلاع الحرب في 2023، تضخمت هذه السردية على الجانبين حتى أصبحت: “إما النصر الكامل أو الموت الجماعي”. لم يعد هناك متسع للنقاش، ولا للحوار، ولا للحلم. وكأن الوطن لا يُبنى إلا على أنقاض الوطن نفسه. وعلى الجانب الآخر التركيز على سيطرة الكيزان وحماية الديمقراطية والمدنية وخطل كثير مثل هذه.

وينسون أننا في ثورة ديسمبر كان الترهيب والتخويف هو السياسة السائدة وكانت السردية تهديدنا بمصير سوريا ولبنان وبالخراب ووصول قادة الفنادق للحكم والمصير المظلم الذي سينتظر الشعب السوداني في ظل اي حكم غير حكمهم. سردية الذين اشترتهم الإمارات لصالح الكيان وفي النهاية الكفيل الكبير الأمريكي ليس لديهم سوى التخويف ومحاولة إقناع الشعب السوداني الذي هرب من كل مكان دخل فيه الجنجويد سواء داخل السودان او حتى خارجه. الذين عندما عادت سنار وسنحة والجزيرة والخرطوم والأبيض والفاشر وغيرها بواسطة الجيش السوداني عادوا لقراهم ومدنهم وتحركت بصاتهم وطائراتهم وسفنهم من خارج السودان وعادوا. اذن كل السردية التخويفية والترهيبية والكيزانية ومدنية وديمقراطية الجنجويد قائمة على قدمين في الهواء ولاتستطيع ان تصمد أمام الوقائع والأحداث والواقع العياني.

إذا كانت السردية سقطت عمليا وأهل حارتنا في أمدرمان والخرطوم عائدون بعد العيد رغم معرفتهم بالصعوبات من نقص الماء والكهرباء والكوليرا والأوساخ ونقص الثمرات وارتفاع اسعارها ، فماهي السردية التي تستطيع ان تعقب هذا وتبنى الأوطان من السودان إلى فلسطين وكافة الدول.

رغم تحفظاتي الكبيرة على تعيين د. كامل إدريس، وفي ظروف تعيينه المحتدمة، والتي لا اجدها مناسبة ان اكتب عنها الآن، فان استقبال الشعب العادي لتعيينه تعطي مدخلا لتبين السردية البديلة، رغم انني اشك كثيرا حتى الان في انه يمثله. فماذا طرح إدريس: اولا قدم كتاب رؤية وفي رايي كنت ومازلت اعتقد ان بداية اي بناء وطني والمشروع الوطني الملهم هو بداية كل شيء. تحدث عن المستقبل وفي رايي ان القيادة الآن لطرح المستقبل والتركيز على زرع الأمل. السردية البديلة هو القيادة بالمستقبل وليس بالتهويل والتخويف والعودة لتوسيع الجغرافيا وليس التقسيم.

في المقابل، ظلت سردية الأمل تقاوم. منذ الثورة المجيدة في ديسمبر 2018، خرجت أصوات شبابية، لجان مقاومة، نقابات، وفنانون، يحملون شعار: “حرية، سلام، وعدالة”. لا تزال هذه الكلمات حيّة رغم ما أصابها من ضرب وتشويه وإحباط. الأمل لم يمت، لكنه يترنّح. اليوم، لا يمكننا الاكتفاء بإدانة الترهيب، ولا بمواساة المتفائلين. المطلوب هو إعادة بناء خطاب أمل واقعي، لا رومانسية فيه، خطاب يستند إلى قراءة دقيقة لما هو ممكن، إلى مشاريع واضحة. السودان بحاجة إلى من يُعيد له الثقة بأنه قابل للحياة، وبأن مستقبله لا يُرسم بالبندقية وحدها، بل بفكر ينهض من قلب الركام، وبجيل لم ينكسر رغم الجوع والنزوح والخذلان. إن أخطر ما قد يواجهه السودان ليس الحرب فقط، بل أن يُهزم الأمل في قلوب أبنائه.

يُشكّل السودان نموذجًا واضحًا للتضاد البنيوي بين سرديتي التخويف وزرع الأمل، حيث يتم استغلال هذا التضاد للسيطرة على الوعي الجمعي وتوجيه مسار الأحداث. فمنذ الاستقلال، اتخذت النخب السياسية والعسكرية من “الخوف” أداة لإدامة هيمنتها، بينما صعدت سردية “الأمل” من عمق الشارع الشعبي، لا سيما في اللحظات الثورية.
بزغ خطاب الأمل من قاع المجتمع السوداني. الحلم بدولة مدنية، ديمقراطية، عادلة، لم يكن مجرد شعار، بل مشروع مقاومة ثقافية وفكرية. واجهت هذه السردية موجات قمع شرسة، لكنها عادت وظهرت في كل لحظة مفصلية. من الاعتصام أمام القيادة العامة، إلى تسيير المواكب السلمية، وحتى المبادرات المدنية في الشتات، ظل الأمل حيًا، وإن أُضعف.

المطلوب ليس فقط الإصرار على الأمل، بل إعادة تركيبه كسردية سياسية شاملة، قادرة على الصمود والتماسك، وعلى الانتقال من المقاومة إلى البناء. سردية تنقد الترهيب دون الوقوع في تبسيطات خطابية، وتقدّم مشروعًا متدرجًا للتغيير، لا وعودًا فارغة.إن المعركة في السودان ليست فقط عسكرية أو سياسية، بل معرفية ونفسية في العمق. من يربح معركة السردية يربح معركة المستقبل. إما أن ينتصر الخوف ويعيد إنتاج التمزق، أو ينهض الأمل ويقودنا نحو وطن جديد.

omem99@gmail.com

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …