🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
لم يكن السودان، منذ ميلاده، بلدًا يفتقر إلى شروط النهوض أو يعاني من عجز في مقومات الحياة، وإنما واجه مأزقًا أكثر عمقًا تمثل في صعوبة تحويل الإمكانات المتاحة إلى دولة ذات مشروع مستقر. فقد اجتمعت لديه عناصر كان يمكن أن تشكل قاعدة راسخة للتقدم والازدهار؛ من أراض شاسعة قابلة للإنتاج، وموارد طبيعية متنوعة، وشبكة مائية على مدار السنة، وموقع جغرافي يمنحه وزنًا استراتيجيًا، إلا أن هذه المزايا بقيت أسيرة لبيئة سياسية انشغلت بإدارة الصراع على الحكم أكثر من انشغالها ببناء الدولة. ومنذ بدايات الاستقلال، ظل المسار الوطني محكومًا بحلقات متتابعة من الاضطراب الدستوري والتدخل العسكري في السياسة، الأمر الذي قطع استمرارية التجربة المؤسسية وأضعف تراكم الخبرة الوطنية. فبدلًا من أن تتطور مؤسسات الدولة وفق منطق الكفاءة والاستدامة، ظلت عرضة لإعادة التشكيل مع كل تحول سياسي، حيث غلبت اعتبارات الولاء على معايير المهنية، وتراجعت قدرة الدولة على الاحتفاظ بكفاءاتها وصياغة مشروع تنموي طويل الأمد. ومن ثم فإن مأزق السودان الاقتصادي لم يكن منفصلًا عن أزمته السياسية، بل كان نتيجة مباشرة لاختلال إدارة السلطة وإضعاف مؤسسات الدولة.
ومع وصول نظام الجبهة الإسلامية نهاية ثمانينيات القرن الماضي، دخل السودان مرحلة اتخذت فيها الدولة طابعًا أكثر شمولية، إذ لم تعد السيطرة على الحكم مجرد وسيلة سياسية، بل أصبحت إطارًا أعاد تنظيم مؤسسات الدولة وعلاقتها بالمجتمع وفق رؤية أيديولوجية محددة. فقد جرى إخضاع العديد من أجهزة الدولة لمنطق الانتماء السياسي، فتراجعت استقلالية المؤسسات، وضاقت مساحة المشاركة العامة، وتعرضت مجالات التعبير والعمل المدني لضغوط واسعة، وباتت المعارضة تفسر باعتبارها خصومة مع السلطة، لا ممارسة طبيعية لحق المجتمع في مساءلة الحكم وتقويمه. وعلى المستوى الخارجي، أدى تغليب الحسابات الأيديولوجية على المصالح الاستراتيجية إلى إضعاف موقع السودان في محيطه الإقليمي والدولي، وتقليص فرص التعاون الاقتصادي والانفتاح الخارجي. كما انعكست تداعيات النزاعات الداخلية على علاقة البلاد بالعالم، فزادت الضغوط الدولية وتراجعت فرص الاستثمار والتنمية. أما اقتصاديًا، فقد أدى الاعتماد على العوائد النفطية والذهب وغيره إلى خلق حالة من الاطمئنان المؤقت، لكن أخفت ضعف البنية الإنتاجية، فتراجعت قطاعات أساسية كالزراعة والصناعة، وتدهورت الخدمات العامة، واتسعت الفجوة بين إمكانات البلاد الفعلية ومستوى معيشة المواطنين، في ظل تراجع الاهتمام بتنمية رأس المال البشري بوصفه المحرك الأساسي لأي تحول اقتصادي.
غير أن أعظم ما فقده السودان لم يكن في حجم الموارد المهدرة، بل في الطاقات البشرية التي غادرت البلاد بحثًا عن فضاء أكثر قدرة على احتضان المعرفة والابتكار والعمل. فقد شهدت البلاد موجات واسعة من هجرة المتخصصين في مجالات مختلفة، وهي خسارة لم تقتصر على خروج أفراد، بل امتدت إلى فقدان خبرات تراكمية كان يمكن أن تسهم في بناء دولة أكثر كفاءة. وبالتزامن مع ذلك، كشفت النزاعات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق عن أزمة أعمق تتعلق بعدم قدرة الدولة على إدارة تنوعها الداخلي وتحقيق التوازن بين مكوناتها. فعندما تغيب العدالة في توزيع الفرص والنفوذ، ويضعف الشعور بالمواطنة المتساوية، تصبح الهويات الجزئية أكثر حضورًا، ويتحول الصراع السياسي إلى مواجهة مسلحة خلفت وراءها نزوح وتشريد وقتل ذاكرة مثقلة بالخسائر. حتي انطلقت شرارة ثورة ديسمبر، فنشأت لحظة تاريخية حملت تطلعًا لإعادة تعريف الدولة على أسس جديدة، لكن تعقيدات الواقع السوداني حالت دون اكتمال هذا المسار بالصورة التي كان يُنتظر منها. وإن فهم التحولات التي مر بها السودان خلال مرحلتي الإنقاذ والانتقال يتطلب تجاوز القراءة المرتبطة بالأشخاص والشعارات، والنظر بدلًا من ذلك إلى طبيعة التصورات التي حكمت إدارة الدولة في كل مرحلة. فقد اتسم عهد الإنقاذ بنموذج يقوم على الشمولية، وتغليب الاعتبارات الايدلوجية في عمل المؤسسات، والاعتماد على اقتصاد ريعي لم يتحول إلى قاعدة إنتاجية متنوعة، مما عمق هشاشة مؤسسات الدولة وحد من قدرتها على تحقيق تنمية مستدامة. أما المرحلة الحمدوكية فقد سعت إلى إعادة دمج السودان في محيطه الدولي، وإطلاق إصلاحات اقتصادية وإدارية تعزز كفاءة الدولة، لكنها اصطدمت بتعقيدات حالت دون اكتمال أهدافها.
واليوم، في ظل الحرب والانقسام، لم تعد القضية مجرد تغيير حكومات أو تبديل نخب، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تأسيس الدولة على أسس تجعل القانون فوق إرادة الأفراد، والمواطنة فوق الانتماءات الضيقة، والمؤسسات أقوى من الأشخاص. فالدول لا تستمد قوتها من طول بقاء أنظمتها، وإنما من قدرتها على إنتاج الاستقرار، وصيانة الحقوق، وإدارة التنوع، وتحويل الموارد إلى فرص تنموية حقيقية. ويبقى الشعب السوداني، بما يمتلكه من وعي وتجارب متراكمة في مواجهة الأزمات، أساس أي مشروع وطني قادم، كما يمكن بناء مؤسسة عسكرية تلتزم بحدود دورها الدستوري ومهنيتها الوطنية، حتى تصبح جزءًا من منظومة الاستقرار لا عنصرًا في التنافس على السلطة. فقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُبنى بالقوة وحدها ولا بالشعارات، وإنما بمؤسسات راسخة، وعدالة فاعلة، وحكم قانون، واستثمار مستدام في الإنسان؛ وما لم يتحول هذا الإدراك إلى رؤية وطنية جامعة، سيظل السودان معرضًا لتكرار أزماته مهما تبدلت الوجوه وتغيرت موازين القوى.
abohmohammed123@gmail.com
