د. صلاح أحمد الحبو — باحث وكاتب مهتم بالاقتصاد والتنمية وبناء السلام
ليس كل جرحٍ يُرى، وليس كل ما ينزف في الإنسان دماً. ثمة جروح لا تسيل على الجلد، وإنما تستقر في الذاكرة، وتنمو في الصمت حتى تتحول من حادثة عابرة إلى طريقة في رؤية العالم والآخر والذات. ولعل السودان اليوم يقف أمام واحد من أكثر هذه الجروح تعقيداً؛ فحرب أبريل 2023 لم تدخل إلى مجتمع خالٍ من الندوب، بل دخلت إلى جسدٍ مثخن بجروح أقدم، فكأنها لم تفتح جرحاً جديداً بقدر ما نزعت الغطاء عن جروح ظلت تتناسل تحت الجلد السياسي والاجتماعي لعقود.
في علم النفس الاجتماعي، لا تبقى الصدمة حبيسة الفرد؛ فقد تتحول إلى خبرة جماعية تعيد تشكيل الإحساس بالأمان والثقة والانتماء، وتنتقل من ذاكرة الشخص إلى ذاكرة الجماعة. وحين تطول الصدمة، لا يعود الماضي ماضياً تماماً؛ إذ يعيد إنتاج نفسه في الحاضر، لا بالصورة ذاتها، وإنما في السلوك واللغة والمواقف. وهنا تكمن خصوصية الحالة السودانية: أجيال نشأت على وقع الحرب والانقلابات والإقصاء والنزوح والانتهاكات، حتى أصبح العنف، في بعض البيئات، لا حدثاً استثنائياً، بل جزءاً من قاموس الحياة العامة.
وإذا كان التاريخ يكتب ما حدث، فإن النفس تحتفظ بما فعله الحدث بها. فالطفل الذي يكبر وهو يرى القوة تتقدم على القانون، ويشاهد الضحية تبحث عن حقها بينما يغيب العقاب، لا يتعلم السياسة من الكتب وحدها؛ إنه يتعلمها من المشهد. ومع تكرار المشهد يتشكل ما يمكن تسميته بالتعلم النفسي للعنف: الخوف يولد الحذر، والحذر يولد الشك، والشك يرفع جدار الهوية، وجدار الهوية يجعل المختلف أقرب إلى التهديد، وحين يصبح الآخر تهديداً يصبح إيذاؤه قابلاً للتبرير.
وهكذا ينتقل العنف من اليد إلى الفكرة، ومن البندقية إلى اللغة، ومن ساحة القتال إلى طريقة التفكير. وما كان في البداية وسيلة استثنائية للبقاء قد يصبح، مع كثرة استعماله، وسيلة مألوفة لحسم الخلاف. عندها لا يعود السؤال: لماذا يستخدم بعض السودانيين العنف؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا فعل العنف الطويل بالإنسان الذي يستخدمه، وبالإنسان الذي يخشاه، وبالمجتمع الذي يقف بينهما؟
جاءت حرب أبريل لتضغط على هذا التكوين النفسي حتى حافته القصوى. حملت معها القتل والنزوح وفقدان البيوت ومصادر الرزق وانهيار المؤسسات، وتركت وراءها ملايين التجارب الفردية التي لم تجد بعد طريقها إلى المعالجة الجماعية. وفي مثل هذه الظروف لا يغادر الإنسان الحرب حين يغادر مكان القتال؛ قد تنتهي المعركة خارج البيت، بينما تستمر داخله. قد يصمت المدفع، لكن صداه يبقى في الخيال؛ وقد يُغلق باب المنزل، لكن صورة البيت المفقود تظل مفتوحة في الذاكرة.
وهنا نكون قد أصبنا، لا في أجسادنا وحدها، بل في أخلاقنا أيضاً. فـ«الإصابة الأخلاقية» لا تنشأ فقط من الخوف والفقد، وإنما من رؤية ما يناقض منظومة الإنسان الأخلاقية، أو المشاركة فيما يخالفها، أو العجز عن حماية من كان ينبغي حمايته. عندها لا يعود الجرح في الجسد وحده، بل يصيب صورة الإنسان عن الإنسان. وربما كان السؤال الأكثر إيلاماً ليس: «ماذا حدث لي؟»، وإنما: «أي إنسان أصبحت بعد ما حدث؟».
ومن هذا السؤال ينفتح باب آخر أكثر حساسية: حين يتحول بعض المجروحين إلى مدافعين عن العنف، أو يصبح العنف مقبولاً ما دام صادراً عن «الطرف الصحيح» في نظرهم. فالإنسان الذي ذاق العجز قد يفتش عن القوة، ومن عاش الخوف قد يتعلق بما يمنحه شعوراً بالأمان، حتى لو كان مصدر خوف الآخرين. وهنا تتبدل الأدوار في صمت: قد يبدأ الإنسان ضحية، ثم يصبح مبرراً، ثم ممارساً، ثم يجد نفسه جزءاً من الدورة التي كان يشكو منها.
إنها مفارقة الجرح: ما لم يُعالج قد يتحول إلى عدسة، والعدسة إلى موقف، والموقف إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة. وحين تصبح الذاكرة مبرراً للانتقام، يتحول الماضي من معلم إلى مقاتل، ومن شاهد إلى فاعل؛ فيعيش الحاضر رهينة لماضٍ لم يُدفن ولم يُفهم.
ومع ذلك، فإن اختزال الإنسان السوداني في صورة الجرح سيكون ظلماً آخر. ففي قلب الخراب ظهرت صور النقيض: من حمل الطعام إلى النازحين، ومن فتح بيته للغريب، ومن واصل العلاج والتعليم، ومن قاوم خطاب الكراهية، ومن رأى في إنقاذ الإنسان فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً سياسياً. هنا تقول الذاكرة شيئاً آخر: فيها جرح، نعم، لكن فيها أيضاً نجدة؛ فيها خوف، لكن فيها شجاعة؛ وفيها عنف، لكن فيها قدرة على الترميم.
لذلك فإن ما بعد الحرب لن يكون مجرد بحث عن إسكات البنادق، بل بحثاً عن استرداد المعنى. فالسلام الذي يوقف إطلاق النار قد يكون هدنة، أما السلام الذي يغيّر علاقة الإنسان بالخوف والآخر والقوة فهو بداية التعافي. ولن يكفي أن نطوي صفحات الماضي؛ فالصفحة المطوية تظل حاضرة في الكتاب ما لم تُقرأ. المطلوب أن تتحول الذاكرة من مخزن للثأر إلى مدرسة للتعلم، ومن شاهد على الألم إلى طريق يمنع تكراره.
السودان لا يحتاج فقط إلى أن تنتهي الحرب؛ يحتاج إلى ألا تتحول آثارها إلى طريقة في التفكير. فالرصاصة قد تقتل إنساناً مرة، أما الفكرة التي تجعل العنف حلاً فقد تعيد قتله مرات. وحين يستطيع السوداني أن يرى في المختلف إنساناً قبل أن يراه خصماً، وفي الدولة بيتاً لا غنيمة، وفي العدالة إنصافاً لا انتقاماً، تكون الذاكرة قد بدأت أخيراً في أداء وظيفتها الأسمى: أن تجعل الماضي شاهداً على ما ينبغي ألا يتكرر، لا سلاحاً يُستدعى كلما اختلفنا.
فالأمم لا تتعافى لأنها نسيت جراحها، وإنما لأنها تعلمت كيف تتذكر دون أن تتحول ذاكرتها إلى سلاح.
