صلاح أحمد الحبو
لم تعد الحرب في السودان تُخاض على الأرض وحدها، بل على الشاشة أيضًا؛ حيث تتحول الصور إلى وقائع بديلة، والانتباه إلى مورد اقتصادي، والمعاناة إلى مادة قابلة للتداول السريع. في هذا التحول، تتقاطع الحالة السودانية مع ما تصفه شوشانا زوبوف بـ“رأسمالية المراقبة”، حيث لا يُعاد تعريف الإنسان كمواطن أو شاهد، بل كمصدر دائم للبيانات والسلوك القابل للرصد والتوجيه والتسليع¹.
داخل هذا المشهد، يظهر “مؤثرو الحرب” بوصفهم فاعلين مزدوجين: يوثّقون الحدث ويعيشونه في اللحظة نفسها. ينقلون صور النزوح والدمار وانهيار الحياة اليومية، لكنهم في الوقت ذاته يتحركون داخل اقتصاد منصات لا يكافئ إلا ما يُثير الانتباه ويُضاعف التفاعل. وهنا يبدأ التوتر: بين التوثيق بوصفه فعلًا إنسانيًا، وبين التحول التدريجي إلى إنتاج “محتوى صادم” مطلوب خوارزميًا لا إنسانيًا.
من هذا التوتر يتشكل ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد الانكشاف”، حيث تتحول الحياة في الحرب إلى عرض بصري دائم، وتُختزل التجربة الإنسانية في لقطات قصيرة قابلة للاستهلاك السريع. وبالتوازي، يتشكل نمط إدراكي أكثر عمقًا وخطورة هو “الوعي المُجزأ”، حيث يتلقى الجمهور سيلًا متناقضًا من الصور والروايات دون قدرة على بناء سردية مستقرة أو فهم سياقي متماسك.
في الحالة السودانية، تتضاعف هذه الظاهرة بفعل هشاشة البنية الإعلامية الرسمية، وانقطاع الإنترنت في فترات متعددة، ما يجعل المنصات الرقمية المصدر شبه الوحيد للمعلومة. هنا لا يعود المؤثر مجرد ناقل للحدث، بل يصبح نقطة إنتاج للواقع ذاته: صورة واحدة قد تتحول إلى “الحقيقة المتداولة”، وسردية فردية قد تسبق أي تحقق مؤسسي أو صحفي.
لكن الخطر الأعمق لا يكمن في المؤثرين وحدهم، بل في البنية الخوارزمية التي تحكمهم؛ إذ تكافئ المنصات المحتوى الأكثر إثارة ووضوحًا وصدمة، لا الأكثر دقة أو عمقًا. وهكذا لا تُعاد صياغة الحرب فقط كمحتوى، بل يُعاد تشكيل إدراكها نفسه وفق منطق الانتباه، حيث يصبح الظهور معيارًا للحقيقة، وسرعة الانتشار معيارًا للقيمة.
في هذا السياق، يتحول السؤال من “ماذا يحدث في السودان؟” إلى “كيف يُرى ما يحدث؟ ومن يملك حق صياغته؟”. وبين مؤثر يوثّق الألم لحماية الذاكرة، وآخر يعيد إنتاجه كعرض بصري قابل للاستهلاك، تتشكل منطقة رمادية تتآكل فيها الحدود بين الشهادة والتسليع، وبين التوثيق وإعادة التمثيل.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تحول إعلامي، بل إعادة هندسة لطبيعة الوعي نفسه: من الفهم إلى الانطباع، ومن السياق إلى اللقطة، ومن السردية إلى التدفق. وفي هذا التحول، تصبح الحرب ليست فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على الانتباه، وعلى القدرة على تعريف الواقع داخل اقتصاد عالمي لا يعترف إلا بما يُرى بسرعة.
هامش بسط المفاهيم
- رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism)
نظام اقتصادي يعتمد على استخراج البيانات السلوكية من المستخدمين وتحويلها إلى قيمة تنبؤية تُستخدم لتوجيه السلوك والتحكم فيه.
- اقتصاد الانكشاف (Exposure Economy)
تحول الحياة الخاصة والمعاناة الإنسانية إلى مادة مرئية قابلة للتداول الرقمي بهدف جذب الانتباه وتحقيق الانتشار داخل المنصات.
- الوعي المُجزأ (Fragmented Consciousness)
حالة إدراكية ناتجة عن تدفق معلوماتي كثيف ومتقطع، تُضعف القدرة على بناء فهم سياقي متماسك أو سردية معرفية مستقرة.
- مؤثرو الحرب (War Influencers)
فاعلون رقميون ينقلون أو يعيدون إنتاج أحداث الحرب عبر المنصات، حيث يتداخل التوثيق الإنساني مع منطق الخوارزميات والانتشار.
هامش المراجع
Zuboff, Shoshana (2019). The Age of Surveillance Capitalism. PublicAffairs.
Couldry, Nick & Mejias, Ulises A. (2019). The Costs of Connection. Stanford University Press.
Citton, Yves (2017). The Ecology of Attention. Polity Press.
UNESCO (2023). Digital Platforms and Information Integrity.
OECD (2024). Information Disorder and Attention Economies Report.
التاريخ: 24 مايو 2026
habobsalah@gmail.com
