رئيس جمهورية الكوتشينة
في ضلالٍ مبين؛ كل من يظن أن من يحكمون السودان الآن، بحكم الأمر الواقع، هم بشر أسوياء في تصرفاتهم السياسية، أو أنهم يستشعرون حجم المسؤولية التي تفرضها عليهم مواقعهم.
تابعوا مواقفهم وردات فعلهم، وحراكهم وحركتهم، وصراخهم وانصرافيّتهم، ثم انظروا إلى المسافة الهائلة بين الكارثة التي يعيشها السودانيون وبين الطريقة التي يتعامل بها بعض من يتصدرون مشهدها. ستجدون أنفسكم أمام سؤال لا مفر منه عن أهلية هؤلاء لإدارة بلد ينهار أمام أعينهم، بينما يبدو بعضهم كأنما يؤدي دوراً في مسرحية هزلية لا يدرك أحد متى تنتهي.
نعلم أن التاريخ عرف مجانين ومعتوهين قادوا دولاً، وعرّضوا شعوبهم للهوان، وألحقوا ببلدانهم أضراراً هائلة. لكن الدولة لا تسقط بالضرورة لأن حاكمها أحمق. تسقط عندما تصبح المؤسسات التي يفترض أن تكبح حماقته عاجزة عن أداء دورها، وعندما يتراجع المجتمع عن مقاومته، أو يُدفع إلى الصمت، وعندما يتحول المنصب العام إلى مساحة مفتوحة لنزوات صاحبه، فلا يجد من يوقفه أو يحاسبه.
انظروا إلى دونالد ترامب، مثلاً. يستطيع الرجل أن يقدم للعالم، في يوم واحد، ما يكفي من التصريحات المتناقضة والغرور الفج والقرارات المربكة والازدراء بالخصوم والحلفاء، حتى ليخيّل إليك أن السياسة تحولت، في بعض لحظاتها، إلى حساب شخصي على وسائل التواصل الاجتماعي.
مواقفه وقراراته أثارت انتقادات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، ووُصفت تصرفات كثيرة له بالاندفاع والتهور. ومع ذلك، تظل أميركا دولة ذات مؤسسات راسخة، واقتصاد هائل، وجامعات ومراكز بحث، وأجهزة قضائية وتشريعية، وإعلام ومجتمع مدني يملكان، بدرجات متفاوتة، القدرة على الاعتراض والمقاومة والتقاضي والمساءلة.
لا يعني هذا أن المؤسسات الأميركية معصومة، أو أن ترامب لا يستطيع إلحاق أضرار جسيمة ببلاده والعالم. وإنما يعني أن الدولة أكبر من رجل واحد، حتى عندما يصر الرجل على أن يجعل نفسه أكبر من الدولة. فهناك مؤسسات تستطيع أن تعترض، وأجهزة تملك صلاحياتها، ومجتمع يستطيع أن يرفع صوته، وصحافة تستطيع أن تلاحق الوقائع وتكشف التناقضات.
قد تتعرض هذه المنظومة للاهتزاز، وقد تنجح السلطة في إضعاف بعض مكوناتها، لكن وجودها نفسه يظل فارقاً جوهرياً بين دولة تستطيع مقاومة نزوات حكامها وبلد تُترك فيه حياة الملايين تحت رحمة أصحاب السلطة والسلاح.
ومع الفارق الشاسع بين البلدين، سأضطر إلى ضرب مثال بوطني السودان. فهذا البلد بلغ به الانحدار مبلغاً صار معه السؤال عن أهلية من يتصدرون مشهده العام سؤالاً مشروعاً، بل ملحاً. كيف وصل بلد بهذا التاريخ، وبهذا القدر من الكفاءات البشرية، إلى أن يصبح مصيره معلقاً بأيدي مجموعة من أصحاب المناصب الذين يتصرفون كأنهم في رحلة استعراضية طويلة، بينما يموت الناس، وتُهدم المدن، وتُنهب البيوت، ويُدفع الملايين إلى النزوح والجوع والتشرد؟
كيف أصبح التناقض بين فداحة المأساة وخفة أداء من يديرونها سمة يومية من سمات الحياة السودانية؟
من البرهان إلى ياسر العطا، ومن كامل إدريس إلى الإعيسر، وصولاً إلى بقية هذا الطاقم الذي لا تنتهي تفاهاته، نحن أمام مشهد يبعث على الغضب أكثر مما يبعث على الدهشة.
لا يتعلق الأمر بزلة لسان، أو تصرف سطحي، أو خطأ في تقدير موقف. نحن أمام نمط من السلوك السياسي والإعلامي، تختلط فيه الاستعراضات الصغيرة بالكوارث الكبرى، ويُعامل فيه شعب ينزف كأنه جمهور ينتظر فقرة جديدة من برنامج هزلي رديء الإخراج.
لنبدأ بالبرهان، رأس السلطة الفعلية، الذي يفترض أن يشعر بثقل البلاد فوق كتفيه، لا أن يتعامل مع الكارثة باعتبارها خلفية تصلح لالتقاط الصور.
يتنقل الرجل بين المواقع والمناسبات، يظهر مرة في الأسواق والدافوري، ومرة تحت نيمة يحتسي قهوة، ومرة يشرب العرديب قرب مزيرة، ومرة ينقل أطفال مدرسة على متن سيارة مكشوفة، في مشهد يثير أسئلة جدية عن سلامة الأطفال وحدود استغلالهم في العروض العامة.
ثم يظهر في هيئة أو مناسبة أخرى، كأنما يحاول إقناع الناس بأنه واحد منهم، وأن الحياة عادت إلى طبيعتها، بينما لا تزال البلاد بعيدة عن أي طبيعة يمكن أن يطمئن إليها إنسان عاقل.
ما الذي يحاول البرهان إثباته بكل هذه الحركة؟ أنه قريب من الناس؟ أن الخرطوم تتعافى؟ أنه رئيس يتجول بين مواطنيه؟
لا يحتاج القائد الذي يستحق موقعه إلى تحويل كل فنجان قهوة إلى بيان سياسي، وكل ظهور في مكان عام إلى مادة دعائية. يحتاج الناس إلى أمن يحمون به أطفالهم، وبيوت يستطيعون العودة إليها، ومستشفيات تعمل، وأسواق لا تلتهم فيها الأسعار دخولهم، ودولة تعرف أين يقف جيشها، ومن يملك السلاح، وكيف تنتهي الحرب، ومن يحاسب على الدم الذي أُريق.
أما أن يتحول الحضور الشخصي إلى بديل عن السياسة، والصورة إلى بديل عن الإنجاز، والحركة إلى بديل عن القرار، فذلك هو الإفلاس في أكثر صوره ابتذالاً.
آخر حماقات الجنرال، واقعة لعب الورق التي بلغت ذروة الفجاجة. فبينما كان السودانيون يتلقون نبأ مقتل معدّنين سودانيين على الحدود المصرية، وسط الحزن والغضب والأسئلة عن حماية المواطنين وكرامتهم، ظهر البرهان، وفق ما تداولته الأوساط السودانية، مشاركاً عدداً من الناس لعب الكوتشينة في أحد أحياء الخرطوم.
كانت البلاد في حداد، أو كان ينبغي أن يكون الحداد هو المشهد الذي يفرض نفسه على رأس الدولة، فإذا بالصورة تقدم مشهداً آخر، يوحي بأن ما يحدث خارج حدود اللعبة لا يستحق أن يعكر صفوها.
عندما يموت مواطنون في ظروف تستدعي التحقيق والمساءلة، وعندما تنزف البلاد من جبهاتها وحدودها وشوارعها، فإن المسؤول الأول، حتى لو كان انقلابياً، مطالب بأن يضع الواقعة في صدارة اهتمامه، وأن يخاطب الناس، وأن يقدم إجابات، وأن يوضح ما ستفعله الدولة لحماية مواطنيها. أما أن تكون الصورة الأبرز هي جلسة لعب، فذلك استخفاف لا تستطيع أي ماكينة علاقات عامة أن تغسله.
السودانيون لا يحتاجون إلى قائد يثبت لهم أنه يستطيع الجلوس في سوق، أو احتساء فنجان قهوة، أو مشاركة مجموعة من الناس جلسة لعب. إنهم يحتاجون إلى سلطة تثبت، بالأفعال والنتائج، أنها تدرك ما حلّ بهم، وأنها تملك تصوراً للخروج من الكارثة. فالقائد ليس مواطناً عادياً عندما يكون الناس في محنة؛ إنه صاحب سلطة وقرار، ولذلك فإن مسؤوليته أكبر، وحسابه أشد، والوقت الذي يضيعه ليس ملكاً له وحده.
لقد أتعب السودانيين الرصاص، وأتعبهم النزوح، وأتعبهم الجوع، وأتعبهم انتظار نهاية لا تأتي. وليس من حق أحد أن يضيف إلى كل ذلك إهانة عقولهم، وأن يطلب منهم تصديق أن القهوة إنجاز، والكوتشينة حضور سياسي، والصورة دولة.
السمندل
