الباب الثامن؛ السلام والسيادة والعلاقة مع العالم؛ كيف يستعيد السودان قراره الوطني؟
علاء خيراوي
■ لا يمكن للعقد الاجتماعي الجديد أن يكتمل داخل حدود السودان وكأن البلاد جزيرة منفصلة عما حولها. فالجغرافيا وضعت السودان عند تقاطع شديد الحساسية بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل ووادي النيل والعالم العربي، ومنحته حدودًا ممتدة وموارد طبيعية وموقعًا استراتيجيًا جعلته جزءًا من حسابات قوى إقليمية ودولية متعددة. وكان يمكن لهذه الجغرافيا أن تكون مصدر قوة، لكنها تحولت مرارًا، بسبب ضعف الدولة وانقساماتها الداخلية، إلى باب للتدخل والتنافس الخارجي. والأسوأ أن القوى السودانية نفسها اعتادت الاستعانة بالخارج في صراعاتها؛ تبحث عن المال والسلاح والاعتراف والغطاء الدبلوماسي، ثم ترفع شعار السيادة حين يتدخل الطرف الخارجي لمصلحة خصومها. ولذلك فإن أول مبادئ هذا الباب هو أن استعادة القرار الوطني لا تبدأ بمطالبة العالم بأن يترك السودان وشأنه، بل ببناء دولة لا يحتاج السودانيون فيها إلى استدعاء العالم لينتصر بعضهم على بعض.
■ والسيادة هنا ليست شعارًا دبلوماسيًا ولا حقًا للحكومة في أن تفعل داخل حدودها ما تشاء؛ إنها في جوهرها قدرة الدولة والمجتمع على اتخاذ القرار الوطني بحرية ومسؤولية. فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تملك سيادة كاملة، والحكومة التي تعتمد على الخارج لتمويل حربها لا تستطيع الادعاء بأن قرارها العسكري مستقل، والاقتصاد الذي يرهن موارده وموانئه ومواقعه الاستراتيجية مقابل الحماية السياسية يفقد جزءًا من استقلاله مهما ارتفعت الشعارات الوطنية. كما أن الشرعية الخارجية لا تستطيع تعويض الشرعية الداخلية؛ فالحكومة لا تصبح ممثلة للسودانيين لأن عاصمة إقليمية أو قوة دولية اعترفت بها، وإنما لأنها تستمد تفويضها من نظام دستوري يختاره المواطنون. ومن هنا يصبح أقوى حصن للسيادة السودانية ليس الحدود وحدها، بل دولة شرعية في الداخل لا يستطيع الخارج شراء قرارها من خلال حاجتها إلى المال أو السلاح أو الاعتراف.
■ ويقتضي ذلك تحرير السياسة الخارجية من الأيديولوجيا والمحاور. فقد دفعت البلاد أثمانًا باهظة حين أصبحت علاقاتها الدولية امتدادًا لصراعات الحكام وأفكارهم، وحين انتقلت من محور إلى آخر بحسب حاجة السلطة إلى الحماية. والعقد الاجتماعي الجديد يحتاج إلى سياسة خارجية تقوم على المصلحة السودانية الدائمة لا صداقات الحكام المؤقتة. لا ينبغي للسودان أن يصبح تابعًا لمحور عربي ضد محور آخر، ولا طرفًا في تنافس إقليمي لا يخدم شعبه، ولا قاعدة لمشروع أيديولوجي، ولا ورقة في صراعات القوى الكبرى. وعلاقاته مع مصر ودول الخليج وإثيوبيا وإريتريا وتشاد وجنوب السودان وأفريقيا والعالم العربي والولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا وغيرها يجب أن تقاس بمعايير واضحة؛ ماذا تضيف إلى أمن السودان وسلامه واقتصاده وسيادته ومصالح مواطنيه؟ فالدول لا تبني سياستها الخارجية على الحب والكراهية، بل على المصالح، وعلى السودان أن يتعلم أخيرًا أن تكون له مصالح دولة لا مزاج نظام.
■ وفي قلب هذه السياسة تأتي أفريقيا، لا بوصفها شعارًا هوياتيًا، بل حقيقة جغرافية وسياسية واقتصادية. السودان دولة أفريقية، وأمنه متداخل مباشرة مع القرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر ودول الجوار. الحدود الطويلة تعني أن الحرب واللاجئين والسلاح والتهريب والجريمة المنظمة والتغيرات المناخية وحركة الرعاة والمياه لا يمكن إدارتها داخل الحدود الوطنية وحدها. وفي الوقت نفسه فإن انتماء السودان العربي وصلاته التاريخية بالبحر الأحمر والخليج ووادي النيل حقيقة أخرى لا ينبغي إنكارها. ولا يحتاج السودان إلى الاختيار بين أفريقيا والعالم العربي؛ بل يستطيع أن يحول موقعه بين المجالين إلى ميزة استراتيجية، بشرط ألا يسمح لأي منهما بتحويله إلى ساحة نفوذ. فالدولة الواثقة من نفسها لا تسأل هل هي عربية أم أفريقية قبل كل قرار خارجي؛ تسأل أين توجد مصلحة السودان وكيف يحافظ عليها دون أن يخسر استقلاله أو علاقاته المتعددة.
■ كما يحتاج السودان الجديد إلى إعادة تعريف علاقته بالمجتمع الدولي ومؤسساته. فالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية والدول المؤثرة يمكن أن تؤدي أدوارًا مهمة في وقف الحرب وحماية المدنيين والإغاثة والوساطة ودعم الانتقال وإعادة الإعمار، لكن لا تستطيع أي منها أن تصنع للسودانيين عقدهم الاجتماعي. والوساطة الخارجية تكون مفيدة حين تساعد الأطراف على الوصول إلى ما تعجز الحرب عن تحقيقه، لكنها تصبح مشكلة حين يتحول السودانيون إلى متلقين لمشروعات سياسية تكتب خارج بلادهم ثم يُطلب منهم توقيعها. وفي المقابل، لا يجوز استخدام شعار “الحل السوداني” ذريعة لرفض كل ضغط دولي يتعلق بحماية المدنيين أو القانون الدولي أو منع الجرائم، خصوصًا عندما تعجز الدولة نفسها عن أداء واجباتها. والمعادلة التي يحتاجها السودان هي تعاون دولي بلا وصاية، ومساعدة بلا تبعية، وانفتاح على الوساطة دون تسليم الآخرين حق تقرير مستقبل البلاد نيابة عن أهلها.
■ ويظهر المعنى نفسه في إعادة الإعمار والعلاقات الاقتصادية الخارجية. فبلد خرج من حرب بهذا الحجم سيحتاج إلى رأس المال والخبرة والتكنولوجيا وإعفاء الديون ودعم المؤسسات الدولية واستثمارات القطاع الخاص ومساهمات السودانيين في المهجر. لكن الحاجة إلى المال قد تكون بوابة لنوع جديد من فقدان السيادة إذا جرى بيع الموارد أو منح الأراضي والموانئ والمشروعات الاستراتيجية بعقود غامضة طويلة الأجل مقابل دعم سياسي أو تمويل عاجل. لذلك ينبغي إخضاع الاتفاقيات الكبرى المتعلقة بالموارد والأراضي والموانئ والبنية الأساسية والديون لشفافية كاملة ورقابة تشريعية ومراجعة قانونية، وأن تكون شروطها ومنافعها معروفة للمواطنين. كما يجب النظر إلى السودانيين في المهجر بوصفهم أكثر من مصدر للتحويلات المالية؛ فهم رصيد من المعرفة والخبرة والشبكات الدولية يمكن أن يشارك في إعادة البناء. الاستثمار الخارجي شريك مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يصبح ثمنًا تدفعه الأجيال القادمة مقابل أخطاء الحاضر.
■ أما السلام نفسه فلا يمكن اختزاله في وقف إطلاق النار. وقف النار ضرورة أولى لإنقاذ الأرواح، لكنه يصبح هدنة مؤقتة إذا بقيت أسباب الحرب قائمة؛ تعدد الجيوش، وضعف الدولة، وغياب العدالة، والتفاوت، والنزاع على الأرض والموارد، والإقصاء السياسي، واقتصاد الحرب، والتدخلات الخارجية. ولذلك فإن عملية السلام التي يقترحها هذا العقد يجب أن تنتقل من التفاوض بين حملة السلاح إلى بناء سلام بين المواطنين. فالقائد العسكري يستطيع أن يوقع اتفاقًا لوقف القتال، لكنه لا يستطيع وحده أن يقرر شكل الدولة التي سيعيش فيها ملايين السودانيين. ولهذا يجب أن يكون وقف الحرب مدخلًا إلى عملية سياسية سودانية واسعة يقودها المدنيون وتشارك فيها المجتمعات المتضررة والنساء والشباب والنقابات والمجتمع المدني والأقاليم والقوى السياسية، من دون منح أي طرف حق احتكار المستقبل بسبب امتلاكه السلاح. فالسلام الذي يقسم الدولة بين المتحاربين قد يوقف الرصاص لبعض الوقت، لكنه يكافئ الحرب ويزرع الحافز للحرب التالية؛ أما السلام المستدام فيعيد السيادة من البندقية إلى المواطن.
■ الخلاصة الكبرى لهذا الباب، أن استقلال السودان لا يكتمل برفع العلم فوق مؤسسات الدولة إذا كان القرار الوطني موزعًا بين عواصم الخارج وحملة السلاح في الداخل. فالسيادة ليست عزلة عن العالم، ولا عداءً للأجانب، ولا شعارًا ترفعه الحكومة عندما تتعرض للضغط؛ إنها قدرة شعب حر على تقرير مصيره من خلال دولة شرعية وقوية بالقانون، تتعاون مع العالم من موقع المصلحة لا التبعية. والسودان لا يحتاج إلى عدو خارجي يوحده، ولا إلى حليف خارجي يحمي نظامه، ولا إلى الاختيار الأبدي بين أفريقيا والعرب أو الشرق والغرب؛ يحتاج إلى أن يصبح هو نفسه نقطة البداية في سياسته الخارجية. وعندما تحتكر الدولة السلاح، ويختار المواطن حكومته، وتخضع الاتفاقيات للرقابة، وتصبح الموارد ملكًا عامًا لا ثمنًا للتحالفات، يستطيع السودان أن يستفيد من موقعه بدل أن يدفع ثمنه. فالقرار الوطني لا يُستعاد بالصراخ في وجه العالم؛ يُستعاد حين نبني في الداخل دولة لا يستطيع العالم أن يشتري قرارها، ولا يستطيع سوداني أن يبيعها له.
