السودان وسد النهضة: المفاوضات وغموض الرؤيا (3من3) .. بقلم: مصطفي عبد الجليل مختار
20 مارس, 2020
المزيد من المقالات, منبر الرأي
45 زيارة
وصلت مفاوضات سد النهضة إلى طريق مسدود بعدما أعلنت إثيوبيا، في نهاية فبرار 2020، تأجيلها التوقيع على المسودة، التي صاغتها الولايات المتحدة بمشاركة البنك الدولي، الى ما بعد الانتخابات البرلمانية في شهر أغسطس. كان رد فعل الحكومة الأمريكية إصدار بيان يؤكد أهمية وحتمية عدم البدء في ملء خزان السد من دون اتفاق الدول الثلاث، وأشار البيان إلى مخاوف الشعبين السوداني والمصري بسبب الأعمال غير المنجزة بشأن التشغيل الآمن للسد، وضرورة تنفيذ كافة إجراءات سلامة السدود، وفقاً للمعايير الدولية، قبل البدء في الملء. لكن إثيوبيا أكدت أنها سوف تشرع في ملء خزان السد، وأضافت أن الدول الثلاث لم تعالج بعد القضايا المعلقة المتعلقة بالانتهاء من وضع المبادئ التوجيهية والقواعد الخاصة بالملء الاول والتشغيل السنوي. التزمت إثيوبيا بمواصلة المشاركة في المفاوضات لمعالجة القضايا العالقة ووضع الصيغة النهائية، كما أكدت أنها قد عالجت، بعلم وموافقة كاملين من مصر والسودان، جميع المسائل المتعلقة بسلامة السد.
الموقف الإثيوبي كان متوقعاً، وجاء متناغماً مع السياسة الأثيوبية الثابتة طوال سبعة عقود والتي تؤكد أن أي قضية لمياه النيل يجب أن تُعالج في إطار القضايا المؤسسية والنظام التنظيمي لحوض النيل، بدلاً من التعامل مع الأمور التشغيلية والقضايا التفصيلية. لقد أعلنت إثيوبيا مراراً أنها غير مقيدة بأي اتفاقية تحرمها من الاستفادة من مياه النيل، كما أنها ليست ملزمة بالإخطار المسبق عن مشاريعها النيلية، ولا تعترف بما يسمى بالحقوق التاريخية لمصر والسودان. في المقابل ظل الموقف المصري أيضاً ثابتاً، اذ اعتبرت أن الحصص والاستخدامات الحالية من المياه تمثل حقوقاً تاريخية راسخة، وخطاً أحمراً لا يُسمَح بتجاوزه، وأكدت مراراً أنها مستعدة للدفاع عن هذه الحقوق بكل الوسائل السلمية، وغير السلمية إن اقتضى الأمر. هذان الموقفان المتباينان يوضحان جوهر النزاع الذي حال دون توقيع الاتفاق، والحقيقة أن أي محاولات من الولايات المتحدة والبنك الدولي لفرض اتفاقات لا تخاطب جوهر النزاع سوف لن يُكتب لها النجاح، وستسقط عند أول اختبار، كما سقطت غيرها من الاتفاقيات التاريخية.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، أين هو السودان من هذا النزاع، وهل هو طرف أصيل في هذه المفاوضات، أم أننا رضينا من غنيمة المفاوضات بلعب دور الوسيط والمُسِّهل بين طرفي النزاع الأصيلين، مصر وإثيوبيا. المتابع لأجهزة الاعلام العربي والعالمي، طوال سنوات المفاوضات، لا يخطر بباله أبدأً أن هنالك طرفاً ثالثاً لديه مطالبات يسعى لتحقيقها، ومخاوف يجاهد لتفاديها. لقد عجبت وأنا أستمع، مراراً، لتصريحات كبار المسؤولين التي تفخر بأن الجانب السوداني هو الذي يتقدم بمقترحات الحلول في كل مراحل المفاوضات. كان آخر هذه التصريحات من وزير الري، الذي أكّد أن الأطراف الثلاث قد اتفقت بنسبة 90%، وأن 80% من الاتفاق كان بمقترحات سودانية، وكان وزير الري الأسبق قد أكد نفس المفهوم قبل سنوات خلت. من نافلة القول إن الطرف الأصيل في المفاوضات لا يمكن أن يكون هو المبادر دوماً بمقترحات الحلول، والمتبني لصيغ التوافق بين الطرفين الآخرين، وأن التبرع بلعب دور الوسيط لا بد أن يكون على حساب مسؤولياته الوطنية وواجباته في حماية حقوقه. لقد كان الشارع السوداني مغيباً دوماً عن أخطر القرارات التاريخية التي كانت سبباً في اهدار موارده المائية، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، اذ غادر الوفد السوداني للتوقيع على اتفاقية باسم الشعب السوداني، من غير أن يتم تمليك المواطن أهم الحقائق، وفي غياب المؤسسات التي تنوب عنه.
يدخل السودان هذه المفاوضات وهو يواجه خصمين حقيقيين، لأن كل منهما يسعى بكل قوة لتحقيق أكبر مكسب، حتى لو كان في هذ المكسب تعدٍ على حقوق الطرفين الآخرين. فالطرف المصري يُبالغ في تصوير سلبيات السد، معتمداً على حسابات تمت بناء على فرضيات غير واقعية، وينطلق في تفاوضه من هذه الحسابات المتعسفة. بالإضافة لذلك، فمصر تصر على أن تكون المرجعية لتقدير الضرر هي الاستخدامات الحالية، وليست الحصص المتفق عليها مع السودان، ومعلوم أن استخدامات مصر الحالية تتضمن 6 مليار م3 سنوياً فشل السودان في استخدامها، وقد كانت هذه النقطة بالذات هي السبب في رفض التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري في العام 2018. لقد ظلت مصر تُضخّم وتُهوّل من الآثار السلبية لسد النهضة، واستمرت وسائل الاعلام المصرية، بمساعدة الخبراء والمسؤولين المصريين، تروج لخسائر مصرية خرافية، مثل خروج ملايين الأفدنة من الأراضي المروية، وتفريغ بحيرة السد العالي، وتوقف محطة التوليد الكهرومائي، وانتشار العطالة.
ان واقع الحال، المستند على حسابات هندسية واقعية، يؤكد أن الآثار السلبية لسد النهضة أقل بكثير مما يروج له الاعلام، بل إن المرء ليندهش وهو يسمع البيانات المصرية الرسمية تتحدث عما يمثله سد النهضة من تهديد وجودي لمصر، وعن الضرر الذي لا يمكن للدولة أن تتحمله والكارثة القادمة. من المؤكد أن سعي السودان للتوفيق في نزاع يسعى أحد طرفيه للمبالغة غير المحدودة، ويضع سقفاً غير واقعياً للتفاوض، لهو مسعاً غير حكيم، خاصةً إذا كانت السوابق التاريخية كلها تؤكد أن هذا الطرف لديه رغبة غير محدودة للاستحواذ على كل قطرة ماء.
أما الطرف الإثيوبي فهو المالك والُمشغّل للسد، وهو صاحب القرار والطرف الذي يملك كل أوراق اللعب، لذلك فان من الطبيعي أن تكون للسودان لدي إثيوبيا مطالب يريد تحقيقها، ومخاوف يود ازالتها. والحال هكذا لا أفهم كيف يستقيم أن يكون السودان وسيطاً أو ساعياً بين الطرفين بالحلول والمقترحات. ان لدى السودان مطالب تختلف تماماُ عن المطالب المصرية، اذ أن السودان يتأثر بالتشغيل اليومي لسد النهضة، بينما لا تهتم مصر الا بكميات المياه السنوية، فمتطلبات السودان في قواعد تشغيل السد تفوق المتطلبات المصرية، ولا بد أن تُعالج بمعزل عن الهم المصري. أما بالنسبة للمخاوف، فالسودان هو الدولة الوحيدة التي لديها مخاوف حقيقية وكبيرة، وهي المخاوف المرتبطة بأمان السد، وبإمكانية اتخاذ إثيوبيا للسد كسلاح لتهديد السودان. بالنسبة لأمان السد، فالانهيار كما سبق وفصلنا، بعيد الاحتمال لحد بعيد، لكن الأمان معادلة ذات بعدين، الأول هو احتمال الانهيار وهو احتمال ضئيل جداً، والثاني هو تبعات الانهيار، وهي تبعات لم تشهد البشرية لها مثيلاً. ناتج المعادلة يشير الى ضرورة مراجعة هذا الملف ووضعه بكل تفاصيله أمام المواطن، الذي ينتظره فقدان وطن بأكمله، فمهما كانت ضآلة الاحتمال، فمن حقه أن يعرف ويقرر. أما إمكانية اتخاذ إثيوبيا للسد كسلاح لتهديد السودان فليس بمقدور إثيوبيا تقديم أي نوع من الضمانات، ففيها الخصام وهي الخصم والحكم. المطلوب من الحكومة السودانية، بغض النظر عن موقف إثيوبيا، أن تقوم بواجبها تجاه حماية مواطنيها، وأن توفر الامكانيات المادية والفنية لإقامة منشآت الحماية من التهديد، وهي منشآت قليلة التكلفة نسبياً وفاعلة في تحييد التهديد الإثيوبي في حالة حدوثه.
لقد حازت أزمة سد النهضة على اهتمام الرأي العام السوداني، وهي ليست أول أزمة مائية كبرى، فتاريخ السودان يشهد بالكثير من أزمات الموارد المائية التي لم تجد أي مستوى من الاهتمام، بالرغم من أن السودان قد خرج منها خاسراً خسارات سوف تعاني منها أجيال قادمة. هناك عوامل عديدة قفزت بأزمة سد النهضة الى سطح الأحداث، فجذبت اهتمام الرأي العام السوداني المُغيّب عن كل الأزمات السابقة. العامل الأول هو سهولة انتشار الخبر في عصر المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، العامل الثاني يتمثل في وجود مصر كطرف متضرر، وقد كانت دوماً الطرف المتسبب في الضرر. في الحقيقة فقد عانى قطاع الموارد المائية، منذ الاستقلال، من غياب الرؤية والاستراتيجية وضعف الاداء والتغول السياسي، الأمر الذي تسبب في اهدار حقوق السودان المائية وتبديد فرص كبيرة لاستغلال الموارد المائية المتاحة واحداث تنمية حقيقية ومستدامة. القاء الضوء على التجارب التاريخية السالبة سوف يساهم في معرفة الخسائر الكبرى التي تكبدها السودان نتيجة لغياب الاستراتيجيات وقصور ادارة الموارد المائية، وبالتالي يُحفّز السعي لتطوير هذا القطاع الحيوي الهام.
كانت مصر أول المستفيدين من هذا القصور، والمشجعين له، فقد كانت علاقة البلدين المائية تصب دوماً تجاه المصلحة المصرية. نشأ أول نزاع مائي بين البلدين في أوائل القرن العشرين، وانتهي بتوقيع اتفاقية 1929 التي ظلمت السودان وأثارت الغبن على مستوى دول الحوض. خطت أول حكومة وطنية في العام 1953 أولى خطواتها في الاتجاه الصحيح برفضها الاعتراف بهذه الاتفاقية، فتعاقدت مع مكتب محاماة هولندي ليتولى دراسة الغائها. لم يسعد السودان طويلاً بالتوجه الصحيح، إذ قامت الحكومة بإلغاء الاتفاق مع مكتب المحاماة، ثم بدأت التفاوض مع مصر وقامت بتوقيع اتفاقية عام 1959. لا شك أن هذه الاتفاقية هي الأسواء على الاطلاق على مدى التاريخ الدولي لاتفاقيات المياه، إذ تكشف القراءة المتأنية عن قدر كبير من الاجحاف في كل بند من بنودها. الأمر المستغرب أن هذه الاتفاقية المعيبة لم تلق أي نوع من المعارضة من الجهات الرسمية أو الشعبية داخل وخارج وزارة الري، ولم تجد حظها من الدراسة والتحليل بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على توقيعها. من المؤسف أن تَقبُّل السودان، حكومةً وشعباً، لهذه الاتفاقية المجحفة، وسكوته الرسمي والشعبي عليها، قد جعل المصريين، على اختلاف مشاربهم، يعتبرونها مثالاً للعلاقات الايجابية و نموذجاً للتوافق الذي يجب أن يسود بين دول حوض النيل.
من مؤشرات القصور كذلك موافقة السودان على مشروع قناة جونقلي ومشاركته الفاعلة، بل المتحمسة، في تشييد القناة التي عزمت الحكومة المصرية على بدء العمل فيها وفقاً للحق الذي منحته لها اتفاقية 1959. وافق السودان في وقت كان يقدم فيه لمصر سلفة مائية، وفقاً لنفس الاتفاقية، وقدرها 1.5 مليار م3 سنويا، ومنحة طوعية قدرها 5 مليار م3 هي فائض المياه التي فشل في استخدامها. لقد وافق السودان على قيام القناة بالرغم من غياب الدراسات البيئية والاجتماعية والتأثيرات السلبية على مواطني المنطقة، وتجاهُل المشروع التام للسكان المحليين وعدم تقديم أي خدمات أو تعويض عن الأضرار الكبيرة التي ستصيبهم من قيام المشروع. بذلك تخلي السودان عن واجباته تجاه أهل الجنوب بتجاهل الآثار السلبية المدمرة، وبالنكوص عن تعويض السكان، لأن مسؤولي وزارة الري قد رأوا أن خفض تكلفة تنفيذ المشروع أهم من مواطني المنطقة. لقد كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان، الوليدة آنذاك، أكثر وعياً ووطنية ورؤية مستقبلية من الحكومة السودانية حين أعلنت عن رفضها لقيام المشروع، وهاجمت مواقع العمل ودمرت الحفار الضخم مما أدي لتوقف المشروع بشكل نهائي.
مثال آخر للقصور الإداري هو موقف السودان من الاتفاقية الاطارية لدول حوض النيل، واختياره الوقوف الى جانب مصر في مواجهة باقي دول الحوض، وتمسكه بمبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة، المبنية على اتفاقيتي 1929 و1959، وهي اتفاقيات ثنائية بين البلدين، ولا إلزامية لها على بقية دول الحوض. من أكبر عيوب هذه الاتفاقيات أنها تحصر الاستفادة من المياه الطبيعية الأساسية للنيل على دولتي مصر والسودان، وتحرم منها الدول الأخرى، وقد كان من الأصوب للسودان الانضمام لاتفاقية عنتيبي لإزالة غبن دول المنابع بتحقيق الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل كخطوة لا بد منها لتحقيق الرؤية المشتركة والادارة التعاونية لحوض النيل.
////////////////////