السودان ومؤتمرات المانحين الدوليين

د. الشفيع خضر سعيد

حسب تصريحات السيد مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ختام جولته في المنطقة، تجري الترتيبات لعقد مؤتمر دولي للمانحين لتوفير الدعم المالي الضروري لتمويل المساعدات الإنسانية في السودان.
المؤتمر المقترح هو الثالث من نوعه بعد مؤتمر باريس، 15 أبريل/نيسان 2024، ومؤتمر لندن، 18 أبريل/نيسان 2025. ويفهم من التصريحات أن المؤتمر المقترح يمثل محورا رئيسيا في خطة الرباعية حول الهدنة في السودان. وبمجرد سماعنا لمقترح المؤتمر، تبادر في ذهننا سؤال حول مصير نتائج ما تم التوصل إليه في المؤتمرين السابقين، خاصة وأن المؤتمرات الثلاثة تتفق في الهدف والمطلوب من المشاركين.
وحسب الفهم البسيط، فإن مفتاح نجاح المؤتمر المقترح هو التقييم الحقيقي لما تم تنفيذه من توصيات مؤتمري باريس ولندن. فهل فعلا تم التقييم، أم المقترح هو مجرد تكرار وضجيج دون طحين؟ وحتى تتضح الصورة أكثر، فلنتناول في إيجاز ملخصا لتوصيات المؤتمرين السابقين ومصير تنفيذها.
فبالنسبة لمؤتمر باريس، والذي تم بقيادة فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، فإن أبرز توصياته والتزامات المشاركين فيه تضمنت: تعهدات مالية بجمع أكثر من 2 مليار يورو (حوالي 2.13 مليار دولار) من الدول والمنظمات. دعم عمليات الإغاثة والتركيز على تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في السودان للعام 2024. حث الأطراف المتحاربة في السودان، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، على حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، والسماح بوصول الدعم الإنساني دون عوائق، واحترام التزاماتهم بوقف إطلاق النار.
التأكيد على دعم منبر جدة والعملية السياسية بهدف للتوصل إلى حل سياسي لوقف الحرب. لكن تنفيذ هذه التوصيات والإيفاء بالتزامات المانحين الدوليين كان مخيبا للآمال. فعلى الرغم من الإعلان عن تعهدات بمبالغ مالية كبيرة، فإن التمويل الفعلي الواصل إلى الوكالات العاملة على الأرض ظل أقل بكثير، ولم يلبِ سوى جزء بسيط من الاحتياجات الفعلية (حوالي 5٪ فقط من خطة الأمم المتحدة تم تمويلها وقتها)، كما واجهت تحويلات الأموال تعقيدات بيروقراطية وعملياتية. أيضا لم تنفذ بشكل فعال عمليات وصول المساعدات الإنسانية، حيث استمرت القيود عليها من قبل الطرفين. أما هدف حماية المدنيين فلم تتم أي خطوة تجاهه، بل وازدادت الانتهاكات ضد المدنيين، ولم تحترم الهدن المعلنة بشكل كامل. وبالطبع لم تفتح أي صفحة في كتاب الحل السياسي، واستمرت الحرب وتصاعدت حدتها بعد المؤتمر.
أما بالنسبة لمؤتمر لندن، والذي استضافته بريطانيا بالتعاون مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومفوضية الاتحاد الأوروبي، وكان هدفه المعلن أيضا هو تسريع الاستجابة الإنسانية، فإن أبرز توصياته شملت الإعلان عن تعهدات مالية جديدة، حوالي ملياري دولار، ولكن بعد مرور حوالي عشرة أشهر لايزال التنفيذ متعثرا ولايزال التحدي الأكبر هو تحويل «الوعود» إلى «نقد» على الأرض. ومن التوصيات أيضا، التركيز على تحسين تنسيق المساعدات وتخطيط الاستجابة عبر الحدود، من تشاد وجنوب السودان. ورغم أن هذه التوصية شهدت تحسنا محدوداً، وتم إنشاء آليات تنسيق أفضل في دول الجوار، لكن النزاع وعدم الاستقرار أعاقا العمليات. وكان المؤتمر قد ركز بشكل خاص على معالجة أزمة الغذاء ومنع المجاعة، ولكن أيضا دون نتائج ملموسة.

وتبنى المؤتمر دعوة أكثر وضوحاً لربط الدعم الإنساني بخطوات ملموسة نحو وقف إطلاق النار وفرض هدنة إنسانية، مع تلميح لإمكانية ممارسة الضغوط السياسية على الأطراف المتحاربة، لكن ذلك لم يتحقق ولم تؤدِ الدعوات السياسية المصاحبة للمؤتمر إلى اختراق حقيقي على الأرض، وظلت نيران الحرب مشتعلة واشتد أوارها في بعض المناطق.
باختصار، فإن المؤتمرات الدولية حول الأزمة السودانية فشلت حتى الآن في اختراق الحصار الخانق الذي ضربته الحرب على السودان وشعبه. صحيح هي نجحت في الوعود وجمع المليارات، ولكن على الورق فقط، وفشلت في التنفيذ الكامل، وما وصل من تمويل فهو أقل بكثير من الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، وظلت فجوة التمويل كما هي دون علاج.. كما أن مؤتمري باريس ولندن، شابهما عيب قاتل وهو غياب آليات التنفيذ القادرة على إجبار الأطراف على وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية، وألا تكون المساعدات الإنسانية رهينة للقتال. وهكذا، رغم هذه المؤتمرات الدولية الكبيرة، فإن النتيجة على الأرض ظلت استمرار تدهور الوضع الإنساني في السودان بشكل كارثي خلال عامي 2024 و 2025، وهذا يثبت أن المؤتمرات التي لا تكون مصحوبة بآلية تنفيذية فعالة، سياسية وعسكرية، مثل قوات لحماية المدنيين، أو عقوبات مستهدفة صارمة تشمل الدول الإقليمية الداعمة والممولة للحرب، أو آليات فرض احترام القانون الإنساني، تكون فعاليتها محدودة للغاية. ولذلك، إذا أريد النجاح للمرتمر المقترح على لسان السيد مسعد بولس، فيجب أن يكون مختلفاً جذرياً عن المؤتمرات السابقة، بحيث يركز على آلية تنفيذ وإشراف دولية لضمان وصول المساعدات، عقوبات واضحة ومباشرة على أي طرف يعرقل المساعدات، تمويل مباشر وسريع للمنظمات المحلية السودانية، وربط أي دعم مالي مستقبلي بشكل غير قابل للتفاوض بفتح ممرات إنسانية آمنة ومحايدة ومراقبة دولياً.
لقد تحولت الأزمات السودانية المتلاحقة إلى حالة دراسية في إدارة الأزمات الدولية بشكل انتقائي، حيث تُعالج الأعراض وتُهمل الأمراض المزمنة وأسبابها. فبينما يعاني السودان من حرب أهلية تهدد كيانه وتمزق نسيجه الاجتماعي، تأتي المبادرات الدولية بتركيز أحادي على جانب الدعم المادي. لكن السودان لا يحتاج إلى وعود مالية جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة دولية وسودانية حقيقية لوقف الحرب، وقواه المدنية مدعوة اليوم للارتقاء بمبادراتها من مستوى البيانات والتوافقات إلى مستوى البرامج العملية القابلة للتنفيذ. فالشعب السوداني يستحق ما هو أكثر من مؤتمرات لا تنفذ توصياتها، ومن تدبيج لبيانات ومواثيق تكرر المعنى بصياغات مختلفة.
والسؤال الذي ينتظر الإجابة: هل سيأتي اليوم الذي تكون فيه الأولوية لوقف الحرب قبل تمويل آثارها؟

القدس العربي

عن د. الشفيع خضر سعيد

د. الشفيع خضر سعيد

شاهد أيضاً

النظرة الأمريكية المُبسّطة لحرب السودان

د. الشفيع خضر سعيدبتاريخ الرابع من ديسمبر/كانون الأول الجاري، نشر موقع «سواحل» الالكتروني حواراً بين …