د. فضل محي الدين طاهر
الحرب تركت في السودان اقتصاداً منهوباً، وبنية تحتية مدمرة، ومجتمعاً ممزقاً. والقليل الذي نجا من الدمار وقع فريسة في أيدي الفاسدين وتجار الحروب.
لكن الأخطر هو أن هؤلاء الفاسدين يرسمون الآن أجندة السودان القادمة، ليواصلوا اختطاف الدولة ونهب مواردها تحت لافتة جديدة اسمها “إعادة الإعمار”.
في كرة القدم، “الريمونتادا” تعني العودة من خسارة قاسية 3-0 إلى فوز مستحق. وفي السودان اليوم، لوحة النتائج قاسية:
السودان 0 – الفساد 3
الشوط الأول: كيف سجل الفساد أهدافه؟
الهدف الأول – اقتصاد الريع: ذهب يُهرَّب، وصمغ يخرج خاماً، وماشية تُصدَّر حية، وإعفاءات تُمنح بالمحسوبية. دولة تبيع مواردها لتشتري صمت شبكاتها.
الهدف الثاني – اختطاف المؤسسات: تحولت الخدمة المدنية من معيار الكفاءة إلى معيار الولاء، وضعف القضاء أمام النفوذ، وتحولت العطاءات الحكومية إلى “كعكة” تُقسم قبل الإعلان عنها.
الهدف الثالث – ثقافة الإفلات من العقاب: من سرق بالأمس يعود اليوم بوجه جديد، دون محاسبة أو استرداد أموال. الفساد لم يعد جريمة، بل تحول في الوعي العام إلى “شطارة”.
النماذج الكلاسيكية للنمو، كنموذج سولو، تفترض أن الدول الخارجة من حروب مدمرة كالسودان تشهد نمواً واسعاً، لأن الدمار الشامل يفتح فرصاً تجارية كبيرة أمام القطاع الخاص.
غير أن اقتصاديين مثل دارون عجم أوغلو وسايمون جونسون، الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 2024، يقدّمون تصحيحاً حاسماً لهذا الطرح: تدفق رؤوس الأموال وحده لا يكفي لنجاح إعادة الإعمار. فالعامل الحاسم هو جودة المؤسسات، وحماية الملكية، ودولة القانون، والشفافية. وبتطبيق هذا على السودان: ما لم تتوفر هذه الشروط، فإن مليارات الإعمار القادمة ستذهب إلى جيوب نفس الشبكات التي رسمت أجندة الحرب، لا إلى بناء دولة جديدة.
الشوط الثاني: الريمونتادا تبدأ
الريمونتادا لا تصنعها الشعارات، بل صدمة مؤسسية تغيّر قواعد اللعبة. من هنا، يمثل ملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية رافعة حيوية لبناء بيئة مؤسسية تصلح لإعادة الإعمار.
أولاً: ملف WTO يقطع الطريق على أجندة الفاسدين. بروتوكول الانضمام يُلزم الدولة بنشر كل قوانينها التجارية قبل 90 يوماً من تطبيقها، ويمنع تطبيقها بأثر رجعي، ويُلزمها بالإفصاح عن كل دعم تقدمه لشركاتها. لا مزيد من القرارات المفاجئة في الغرف المظلمة.
ثانياً: هو الضامن الوحيد لحماية الطبقة الوسطى. الريمونتادا تحتاج قطاعاً خاصاً وطنياً يضع مصلحة الوطن فوق مصلحته الفردية، ويستثمر مرونته الاقتصادية والاجتماعية في خدمة أجندة السلام والتنمية. والقطاع الخاص هو عصب الطبقة الوسطى؛ فهو صمام الأمان للدولة، وحامل قيم العمل والإنتاج، وهو الذي يدفع ثمن الحرب والفساد معاً. حين ينهار القطاع الخاص تنهار الطبقة الوسطى، ومعها ينهار أي أمل في سلام مستدام. ومن جانب آخر، فإن وجود طبقة وسطى قوية وفاعلة يزيد من جهود رتق النسيج الاجتماعي، ويوسّع فرص إيجاد البيئة اللازمة للسلام الدائم. وحماية هذه الطبقة لا تكون بالخطب، بل بدولة قانون تحمي عقدها ومتجرها ومصنعها من منافسة غير عادلة.
فالقطاع الخاص السوداني ليس مجرد تاجر، بل الشبكة الوحيدة التي ما زالت تعمل رغم انهيار الدولة، تربط دارفور ببورتسودان، والجزيرة بكردفان. هذه المرونة سلاحنا الوطني.
ثالثاً: هو قواعد للسلام قبل أن يكون قواعد للتجارة. فالسبب الأعمق لحروب السودان ونزاعاته المتعاقبة هو غياب قواعد ثابتة تحكم البيئة الاقتصادية، وهو غياب سمح أيضاً للتدخلات الأجنبية بنهب ثروات البلاد. الانضمام إلى نظام تجاري دولي متعدد الأطراف يفرض قواعد شفافة للملكية والاستثمار وتجارة الحدود، ويسحب ذريعة الفوضى من يد المتصارعين محلياً ودولياً. لافت أن الدول الأربع الأكثر فساداً – السودان وجنوب السودان وليبيا والصومال – كلها خارج هذه المنظومة.
قد يعترض معترض: كيف ننضم لمنظمة تواجه اليوم توترات أمريكية صينية؟ الإجابة أن التحديات الجيوسياسية التي تواجه النظام العالمي لا تُلغي حاجتنا نحن، كسودانيين، لقواعد تحمينا. لسنا ننضم لأن WTO مثالية، بل لأن البديل أسوأ: البقاء فريسة للصفقات الثنائية المجحفة.
الخلاصة: ما هو المطلوب؟
انتقال القطاع الخاص السوداني الي العمل تحت مظلة دولة القانون والمؤسسات، بدلا من العمل في الظل. وعليه فان من مصلحته العليا تحريك هذا الملف كخطوة أساسية نحو إعادة الإعمار.
واستناداً علي ذلك، يجب أن يقول القطاع الخاص للمانحين والمجتمع الدولي : لا تمولوا إعادة الإعمار في فراغ مؤسسي. مولوا أولاً بناء المؤسسة التي تحمي أموالكم وأموالنا. واسم هذه المؤسسة: انضمام السودان الكامل لمنظمة التجارة العالمية.
هذه هي الريمونتادا: قطاع خاص وطني يتحول من ضحية للفساد إلى مهندس لقواعد السلام، ومن حامٍ للطبقة الوسطى إلى صانع لمستقبل السودان.
عندها فقط يمكننا قلب النتيجة إلى:
السودان 4 – الفساد 3
