السيد علي المرغني – وحدة وادي النيل .. بقلم: د. ظاهر جاسم الدوري/العراق

السيد علي الميرغني، لم يكن يوما وحدويا، على الرغم من وجود دلائل تاريخية متعددة توضح حسن العلاقة بين العائلة الميرغنية والعرش الحاكم بمصر منذ القرن التاسع عشر، ففي اواخر القرن، وتحديدا عام 1887، عندما فاتح السيد علي الميرغني، من مدينة سواكن، الحكومة المصرية، من اجل اداء فريضة الحج وجرد املاك اسرة المراغنة في مكة والطائف، وتم له ما اراد، وادى فريضة الحج في العام ذاته. لقد كان السيد علي الميرغني متعاطفا و بوضوح مع الحكومة المصرية في موقفها من الدولة المهدية، ولهذا فقد أقام السيد علي الميرغني جسورا بينه وبين الحكومة المصرية قبل أن يذهب للعيش في مصر، بسبب تقدم جيوش المهدية نحو شرق السودان.
عندما غادر السيد علي الميرغني السودان عام 1894، وبمساعدة نائب حاكم البحر الأحمر في رحلته الى مصر، لم يكن سعيدا بتلك المغادرة، لكنه أعطى الانطباع بالأمل في العودة. وعند وصول السيد علي إلى مصر، انضم إلى عمه السيد محمد سر الختم، الذي أحس معه بالاستقرار بين عائلته وأتباعه في الطريقة الميرغنية بالاسكندرية . وبنفس الوقت لقي السيد علي الترحيب والدعم الكامل من قبل الحكومة في فترة اقامته بالاسكندرية، كونه يمثل زعيم لاكبر طريقة صوفية بالسودان.
في مصر، بدأ السيد علي دراساته في الشريعة والفقه الإسلامي تحت أشراف عمه، الذي كان مشهوراً بتفقهه في الدين، كما تلقى تعليما خصوصيا من شيوخ الأزهر، “تعليما كفئا من قبل معلمين أكفاء”.
ومهما تكن أسباب انتقاله إلى مصر، فقد واصل السيد علي اهتمامه بالأحداث في السودان، متتبعا الأخبار عن طريق العوائل السودانية التي كانت تهرب إلى مصر، وتلقى العناية من الميرغنيين أكثر مما تلقاها من الحكومة المصرية ، وبفضل مركزه الديني، أصبح السيد علي زعيم المعارضة للمهدية بالخارج والداخل، هذه المعارضة التي كانت تضم عددا من الضباط العسكريين السودانيين، والتجار الذين كانوا يتنقلون بين مصر والسودان .
من المؤكد أن السيد علي لم يكن مجهولا لدى الإدارة المصرية والموظفين البريطانيين، حيث كان واضحا لديهم في معارضته الدولة المهدية منذ كان في السودان بل حتى قبلها، فعلى سبيل المثال، عندما أراد محمد عثمان أبو قرجة، الملقب “أمير البرين والبحرين” وهو واحد من أكثر الزعماء المهديين نفوذا، تحقيق السلام مع الحكومة المصرية في فترة ما، فقد كان تبادل الرسائل بينه وبين السيد علي عاملا مساعدا في ذلك ، وتمكن السيد علي أثناء أقامته في مصر من تعزيز علاقاته مع المصريين والبريطانيين لمساعدته عندما تحين الفرصة للعودة إلى السودان، وإعادة المكانة التي كانت تتمتع بها عائلته، ومن الواضح من خلال نبرة الرسائل التي تبادلها مع الموظفين الحكوميين انه كانت له علاقات حميمة معهم قبل مجيئه إلى مصر وذلك لتحقيق أغراضه السياسية .
يمكن القول، اعتقد المراغنة ان مصر هي القوة الوحيدة القادرة على حمايتهم خلال الحقبة المهدية، لكن بعد إعادة غزو السودان اتخذ السيد علي موقفاً تجاه مصر يختلف عن الموقف التقليدي لزعامة الختمية. ففي23 يوليو عام 1903التقي السيد علي الميرغني السكرتير الاداري البريطاني للحاكم العام في السودان، وكان قد اخبره: ان المصريين يحاولون خلق الفرقة بين البريطانيين والسودانيين بنشر الشائعات التي تقول ان البريطانيين يعتبرون السودانيين “…..” وبأن البريطانيين يثقون بالمصريين لكنهم لن يعطوا السودانيين مراكز من المسؤولية، ويعتقد السيد علي ان الشائعات التي ينشرها المصريون لا أحد يصدقها بصورة عامة، لا من الطبقة الواعية ولا من الطبقة البسيطة، لكن ذلك مع مرور الوقت “قد يخلق بعض التأثيرات”، وا كد كذلك قوله بأن اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة “قد أثنى كثيراً على الموظفين المصريين لكنه لم يذكر السودانيين، وقد استغل المصريون ذلك أقصى استغلال، مما يؤذي السودانيين إلى حد ما”، لكنه يعتقد ان المصريين يسببون المتاعب بتآمرهم وهو يرغب في “طردهم” .
في السنوات اللاحقة أصبح السيد علي الميرغني تجاه المصريين أكثر تصلبا، ففي عام 1915 كتب ريجنالد ونجيت، الحاكم العام للسودان، إلى كرومر حول مقابلة له مع السيد علي الميرغني، والذي سأل:
“لماذا يستغرب الشعب الإنكليزي من موقف المصريين الخياني كلياً؟ انهم عنصر من العبيد ولن يكونوا شيئاً أفضل من ذلك،…، وفوق ذلك انتم ملومون لتعليمهم، بشكل يتجاوز اعتبارهم تماماً وقد وضعتموهم في مكان مرموق…،”. وعلق ونجيت على رأي السيد علي قائلاً ان: “هذا هو فعلا رأي معظم الطبقة الواعية من السودانيين الذين هم من كل جانب أفضل شخصية من المصريين…”.
كان رأي ونجيت في العلاقات بين المصريين والسودانيين يقوم على مبدأين، فقد كان يعتقد “ان معظم السودانيين يكرهون المصريين” وبأن تدخل المصريين في شؤون السودان يستثير التمرد، وثانياً كان يريد ان تكون الإدارة في السودان بريطانية صرفة، وهو ما كان . وكان السيد علي يدعم وجهة نظر هذه.
يمكن إيراد عدة أحتمالات، وللقارئ الحكم على ذلك، لاسباب موقف السيد علي الميرغني من المصريين:
أ- هدفه الأول تأمين تطور السودان وتطور طريقته الصوفية.
ب- أدرك ان القوة المؤثرة تكمن مع البريطانيين وإنه إذا لم يتعاون معهم فإنهم قد يبحثون عن مساندة زعماء الطوائف الصوفية الاخرى بدلاً من المراغنة، وهو ما حصل اثناء الحرب العالمية.
ج- وربما اعتقد ان طبيعة الحكم المصري في السودان كانت مسؤولة عن الثورة المهدية وان المصريين الآن ليسو قادرين على تولي المسؤولية ثانية.
وفي 28 يوليو عام 1919، قدم السيد علي الميرغني تهنأته لملك بريطانياعلى الانتصار في الحرب الأوروبية، وأعرب عن اعتقاده بان “تقدم ورقي السودان يعتمد، الآن وفي المستقبل على ارتباطها مع بريطانيا العظمى”، وأعرب كذلك عن رغبته في أن “يرفرف العلم البريطاني إلى الأبد فوق السودان، من أقصاه إلى أقصاه، كرمز للسلم والعدالة، ويستمر الجهد الحالي لبلدي من اجل التقدم والازدهار تحت رعاية جلا لتكم الإمبراطورية”
وفي فبراير عام 1919، التقى السيد علي الميرغني مع السير لي ستاك، سردار الجيش المصري والحاكم العام للسودان، حيث أكد قوله بأن “طموحي هو رؤية شعب السودان ينمو تحت إشراف بريطانيا العظمى شعباً موحداً ذا قوانين خاصة به وتقاليد وإدارة، وقادراً على الحكم والدفاع عن نفسه”
ومن آثار ازدياد وتيرة القلق في السودان، في 23 أبريل عام 1919، قدم الرؤساء الدينيون الذين يرأسهم السيد علي التماساً إلى الحاكم العام لإرساله إلى الحكومة البريطانية مفاده أنهم بمعزل تماماً عن المطالب الوطنية المصرية بوجوب إنهاء الاحتلال البريطاني لوادي النيل، ويعربون عن ثقتهم بأن بريطانيا قادرة على معالجة الموقف، وضمنوا التماسهم الشكر للبريطانيين على ما يعملونه من اجل ازدهار السودان وأعادوا التأكيد على ولائهم: “نحن ليست لنا يد ولا علاقة بالحركة التي تجري في مصر، ولا تتطابق الحركة مع رغبتنا”. وعموماً فقد نصح أللنبي، المفوض السامي البريطاني بالقاهرة، بعدم نشر الالتماس لأنه إذا تم التأكيد على انعدام التعاطف بين المصريين والسودانيين فأن هذا يمكن ان يخلق مصاعب للسادة الثلاثة بالإضافة إلى الحكومة الإنكليزية في السودان.
لم يعرب السيد علي عن رأيه بمعاهدة عام 1936 المصرية البريطانية، بشكل علني لكنه ضمنا كان معارضاً لها، فهو لم يكن يريد ان يرى ممارسة النفوذ المصري في إدارة البلاد بسبب “كونه محافظاً ومعارضاً للتغيير”، ولكن أيضاً لأنه كان قلق حول مركزه الخاص كزعيم ديني، وخشيته من أن الروابط الوثيقة مع مصر سوف “تعجل بشكل لا مفر منه في تحضر السودان”.
وفي الاربعينات، أخذت الحكومة تلاحظ ان تطورا جديدا بدأ بالظهور، هو قوة الشعور القومي المطالب بان يكون للسودانيين صوت في تسوية شؤونهم الخاصة، وقد أدى ذلك إلى دعوات لانتخاب هيئة تمثيلية سودانية”جبهة سودانية” تعترف بها الحكومة، هدفها هو حماية البلاد ضد التغلغل المصري. لوجود الخشية من احتمال استخدام الأموال المصرية للاستيلاء على المدارس الأهلية ومدارس (الأحفاد). شاركهم السيد علي بهذه الخشية أيضاً، ولفت الأنظار إلى استغلال المصريين للتعليم والدين، وأن حكومة السودان ستجد صعوبة في مقاومة عروض المال المصري لبناء الجوامع ومدارسها، ومعهد أم درمان، وتمويل دراسة الطلاب السودانيين في أوربا، وستمنح الأخيرين الفرصة لصدق رأيهم الذي طالما اتهموا حكومة السودان لعدم تقديمها إليهم البعثات الدراسية.
وأخيرا في يونيو عام 1953، أوضح السيد علي وجهات نظره عن مستقبل السودان الى مستشار الحاكم العام للشؤون الدستورية والخارجية، حيث قال: “هو يفضل الاستقلال والجمهورية، وأضاف ان جميع السودانيين يريدون الاستقلال، وحين يتكلمون عن الوحدة يقصدون تنسيقاً مع مصر ولكن ليس حكم مصر للسودان”. ومن خلال تتبعنا لمواقف السيد علي الميرغني من اعادة غزو السودان وحتى اعلان الاستقلال، لم نلاحظه يوما كان ينوي او يرغب الوحدة مع مصر، وان رعايته للاحزاب الاتحادية، التي رفضت الاتحاد عندما قربت بشائره، كانت وسيلة وليست غاية، كي يقاوم بهم منافسيه سياسيا.
dhaherjasim@yahoo.com

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً