محمد الأمين عبد النبي
يأتي اليوم العالمي للشباب هذا العام تحت شعار «سياقات مختلفة، تطلعات مشتركة»، ليؤكد أن اختلاف الظروف التي يعيشها الشباب حول العالم لا يلغي تطلعاتهم المشتركة إلى الأمن والحرية والتعليم والعمل والمشاركة وصناعة المستقبل. كما يمثل هذا اليوم مناسبة لتجديد الالتزام بقضايا الشباب، وإبراز دورهم بوصفهم شركاء أساسيين في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الحوار والتضامن وبناء مجتمعات أكثر شمولاً وسلاماً وقدرة على مواجهة الأزمات. وفي السودان، تأتي المناسبة هذا العام في لحظة استثنائية، حيث يواجه جيل كامل واحدة من أقسى التجارب الإنسانية والسياسية في تاريخ البلاد؛ حرباً امتدت آثارها إلى التعليم والعمل والاقتصاد والنسيج الاجتماعي، وأنتجت موجات واسعة من النزوح واللجوء والفقر، ودفعت ملايين السودانيين، وفي مقدمتهم الشباب، إلى مواجهة مستقبل شديد الغموض.
ولا يمكن فهم تجربة الشباب السوداني بمعزل عن تراكم المظالم التاريخية والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي بلغت ذروتها في مأساة الحرب الحالية. فهذا جيل أُقحم قسراً في أتون حرب لم يكن طرفاً في صناعتها، لكنه أصبح من أكثر من يدفعون ثمنها. فمنذ اندلاع القتال، وجد الشباب أنفسهم بين خيار الانخراط في الحرب تحت ضغط الاستنفار والتعبئة، أو الفرار من مناطق القتال بحثاً عن الأمان، أو البقاء في بيئة تنهار فيها مقومات الحياة يوماً بعد آخر. وفي جميع الحالات، خسروا جزءاً من مستقبلهم: تعطلت الدراسة، تقلصت فرص العمل، تراجعت القدرة على بناء حياة مستقرة، وأصبح الأمن الشخصي والاجتماعي حلماً بعيد المنال. وهكذا تحولت الحرب بالنسبة إلى كثير من الشباب من حدث سياسي إلى تجربة يومية تعيد تشكيل حياتهم وأحلامهم وعلاقتهم بالوطن.
ومن هنا يمكن فهم الانتشار المتزايد لفكرة الهجرة بين الشباب السوداني. فهي ليست مجرد رغبة في السفر أو تحسين الدخل، بل تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بانسداد الأفق وفقدان الإحساس بإمكانية بناء مستقبل داخل الوطن. ينتقل الشاب في مخيلته من واقع موجع إلى حلم غامض، ومن وطن تضيق فيه الفرص إلى أفق لا يعرف ملامحه بعد. ومن حق الانسان أن يبحث عن الأمن والعمل والكرامة، وليس من العدل أن يُلام شاب اختار الرحيل هرباً من الحرب أو الفقر أو انعدام المستقبل. لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد الذي يبدو متاحاً أمام جيل كامل، وأن يتحول فقدان الأمل في الداخل إلى ظاهرة مستمرة تستنزف السودان من طاقاته البشرية والعلمية والمهنية.
والأخطر من الهجرة ذاتها هو ما قد يحدث عندما يُحاصر الشباب بالبطالة والفقر وانعدام الأمل. فغياب العمل والتعليم والاستقرار، إلى جانب انهيار الحماية الاجتماعية، يخلق بيئة خصبة للاستغلال والانحراف والجريمة وتجارة المخدرات والهجرة غير النظامية، كما يجعل الشباب أكثر عرضة لشبكات التجنيد والتعبئة التي تستثمر في الغضب والحاجة والشعور بالتهميش. وفي ظل اتساع اقتصاد الحرب، يصبح الشباب أيضاً جزءاً من سوق تستفيد من استمرار النزاع، سواء عبر التجنيد أو الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحرب أو شبكات التهريب والاستغلال. ولذلك فإن حماية الشباب من هذه المخاطر مسؤولية سياسية واقتصادية واجتماعية تتطلب معالجة جذور الأزمة، ووقف الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وخلق فرص حقيقية للتعليم والعمل والإنتاج.
ومع ذلك، فإن اختزال الشباب السوداني في صورة الضحية سيكون ظلماً آخر لهذا الجيل. فقد أثبتت الحرب أن الشباب قادرون على تحويل المبادرة الفردية إلى فعل جماعي، وأنهم يستطيعون التحرك عندما تغيب المؤسسات أو تعجز عن أداء وظائفها. فمن غرف الطوارئ والمطابخ والتكايا وشبكات الإغاثة، إلى المبادرات المجتمعية والتطوعية، برزت أجيال شابة تحملت مسؤوليات إنسانية كبيرة في حماية المجتمعات وتوفير الغذاء والدواء والمساعدة للنازحين والمتضررين. وفي الوقت نفسه، واصل كثير من الشباب التعبير عن رفضهم للحرب ومحاولات تحويلهم إلى أدوات في صراع السلاح، وتمسكوا بفكرة أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُحسم في ساحات القتال، وإنما عبر السلام والسياسة والمواطنة.
هذه التجربة تؤكد أن الشباب يمكن أن يكونوا قوة رئيسية في وقف الحرب ومواجهة الكارثة الإنسانية، وليس مجرد فئة تنتظر ما يقرره الآخرون. فالشباب قادرون على دعم المبادرات المدنية، وتعزيز خطاب السلام، ومقاومة خطاب الكراهية والتحريض، والمساهمة في حماية المدنيين، وتوثيق الانتهاكات، ونقل المعلومات الإنسانية، ودعم المجتمعات المتضررة. لكن ذلك يتطلب الاعتراف بهم كشركاء حقيقيين في العملية السياسية والسلام، وليس باعتبارهم مجرد جمهور أو كتلة انتخابية أو طاقة للتعبئة. إن أي عملية سياسية لا تمنح الشباب مساحة حقيقية في النقاش حول مستقبل السودان ستظل ناقصة، وأي مشروع للسلام لا يستثمر في طاقاتهم سيواجه صعوبة في تحويل السلام من اتفاق سياسي إلى واقع اجتماعي مستدام.
وفي الوقت نفسه، يقف الشباب السوداني أمام فرصة تاريخية تتيحها الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد أدوات للاتصال والترفيه، وإنما أصبحت وسيلة للتعليم والعمل والإنتاج والابتكار وريادة الأعمال وإدارة الأزمات. ويمكن للشباب السوداني توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير مهاراتهم، والوصول إلى مصادر المعرفة، وإنشاء مشروعات رقمية، وتقديم الخدمات عن بُعد، ودعم المبادرات الإنسانية، وتحليل البيانات، ورصد الاحتياجات، وتوثيق الانتهاكات، ومواجهة التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية. وفي بلد مزقته الحرب وأعاقت الحركة فيه، يمكن للاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد أن يفتحا مسارات جديدة أمام آلاف الشباب، شرط أن تتوفر البيئة المناسبة للاتصال والتعليم والتدريب، وأن يُنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة للإنتاج والتنمية، لا مجرد وسيلة للاستهلاك.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع المستقبل. فالمعرفة تحتاج إلى قيم، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى عقل نقدي ومسؤولية أخلاقية. ولذلك فإن التحدي أمام الشباب السوداني هو أن يجمعوا بين الابتكار والإنسانية، والمعرفة والمسؤولية، والحرية والعدالة. وأن يتمسكوا بالقيم التي ظل المجتمع السوداني يستند إليها في أوقات المحن: التكافل، وإغاثة المحتاج، واحترام التنوع، والكرامة الإنسانية، وقبول الآخر، ونبذ العنف. فالسودان لا يحتاج فقط إلى شباب أكثر تعليماً واستخداماً للتكنولوجيا، وإنما إلى شباب أكثر قدرة على التفكير النقدي، والحوار، والعمل الجماعي، واحترام الاختلاف، ومقاومة الاستقطاب الذي كان أحد أبواب الحرب.
وفي اليوم العالمي للشباب، فإن الرسالة الأهم إلى الشباب السوداني هي أن حقهم في المستقبل ليس منحة من أحد. لهم الحق في الحرية والعدالة والسلام، وفي التعليم والعمل والمشاركة السياسية، وفي أن يعيشوا في وطن يحميهم بدلاً من أن يدفعهم إلى النزوح واللجوء. وفي المقابل، فإن عليهم مسؤولية تاريخية في الدفاع عن هذه الحقوق بالوسائل المدنية، والانخراط في جهود السلام، ومواجهة خطاب الكراهية، ومقاومة تحويلهم إلى وقود للصراعات، وبناء شبكات تضامن تتجاوز الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية.
إن الهجرة في معناها الأعمق ليست دائماً انتقالاً من وطن إلى وطن؛ فقد تكون أيضاً هجرة من السلبية إلى الفعل، ومن العجز إلى القدرة، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته. وليس المطلوب من الشباب أن يختاروا البقاء مهما كانت الظروف، ولا أن يحملوا وحدهم مسؤولية إنقاذ بلد أنهكته الحرب، وإنما المطلوب أن تكون لديهم فرصة حقيقية للاختيار ودور فاعل في المهاجر. فالبلد الذي يوفر الأمن والتعليم والعمل والحرية والعدالة لا يحتاج إلى مطالبة شبابه بالبقاء؛ لأن المستقبل فيه يصبح سبباً كافياً للبقاء.
إن السودان الذي يحلم به الشباب لن يُبنى بالشعارات، ولن تصنعه النخب وحدها، ولن يأتي بعد انتهاء الحرب بصورة تلقائية. سيحتاج إلى جيل يشارك في إعادة بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع، ويستفيد من المعرفة والتكنولوجيا، ويتمسك بالانسانيات السودانية، ويؤمن بأن السلام ليس وقف الحرب فقط، وإنما عدالة ومواطنة وفرص متكافئة وكرامة للجميع. فهذا الجيل الذي حاولت الحرب أن تجعله وقوداً للدمار، يستطيع أن يجعل من نفسه قوة للسلام والبناء؛ وأن يحول الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى مستقبل.
Sent from Outlook for Android
wdalamin_2000@hotmail.com
