الشتائم المتبادلة بين الشعبين المصري والسوداني .. بقلم: د.آمل الكردفاني
المسرح الأسفيري هذه الأيام محتدم بين الجماهير السودانية والمصرية .. اساءات متبادلة .. وكلا الفريقان لا يعلمان شيئا عن الآخر فلا الشعب المصري له معرفة بالشعب السوداني ولا الشعب السوداني له معرفة بالشعب المصري. رغم أن هناك نقاط التقاء بين الشعبين وهذا أمر لا مراء فيه .. ولكنها نقاط هزيلة جدا عندما تقارن بنقاط الاختلاف والتباين. فتراث كلا البلدين وأقصد به التراث الفني والأدبي مختلف تماما.. فسلمنا خماسي وسلم مصر سباعي ولا يمكن الجمع بين السلمين.. وكل يغرد على ليلاه. الا انه قد لفت نظري أن هناك قضايا برزت إبان هذا الصراع الشعبي وهي قضايا تكشف عن جهل الشعبين كل بالآخر ، فبالنسبة للشعب المصري لديه اعتقاد بأن الشعب السوداني كله كان يعمل بوابين في مصر وذلك طبعا ما عكسه الاعلام المصري من أفلام ومسلسلات ، في الواقع السودانيون لم يعملوا بوابين في مصر ، انما اختلط الأمر على المصريين نتيجة لبعض النوبيين من جنوب مصر كانوا يعملون في عهد الملكية مع الحاشية وأيضا كبوابين وطباخين وحراس وذلك لأن الملك لم يكن يطمئن للمصريين وكان يفضل النوبة في أداء المهام الثانوية والقريبة من نشاطه اليومي ، وهذا يعني ان الملك ولا احفاده اي منذ محمد علي باشا كان يعتقد أنه مصري ، بل يعرف تماما أنه محتل وغاز ، لكن الشعب المصري كان طوال العصور يتماهى مع الاحتلال منذ حكم الهكسوس والليبيين والنوبة واليونانيين والبطالمة ثم الرومان والفرس والعرب والمماليك وحتى محمد على باشا . لم يكن يسمى المحتل محتلا بل يتماهى الاحتلال الأجنبي ويصير مصريا . ويقبل به الشعب المصري وربما يغير الشعب من الكثير من ثقافته كاللغة والدين ليتأقلم مع المحتل كما حدث إبان حكم الاسكندر الأكبر. إذن السودانيون لم يعملوا كبوابين وإنما قلة من النوبة ولأن المصريين يعتبرون أن اي صاحب بشرة أسود فهو سوداني فقد اختلط عليهم الأمر.والحقيقة أن محمد علي باشا وابناءه كانوا يحتقرون المصريين احتقارا شديدا ويعتبرونهم فلاحين خسيسين لا يصلحون إلا للزراعة والفلاحة واستغل الألباني محمد علي باشا وحاشيته وأبناؤه استنزاف خيرات مصر ولم يترك للمصريين إلا الفتاة حتى جاءت الثورة في الخمسينيات من القرن المنصرم وقام عبد الناصر بنزع الملكية الزراعية من الاقطاعيين وتفتيتها لمصلحة الأقنان من المصريين وكان ذلك هو العهد الوحيد الذي عرف فيه المصريون أنهم يملكون بضم اللام ولا يملكون بفتحها . ومع ذلك فإن نوبة مصر وعبر العصور تعرضوا لاضطهاد كبير . وخاصة بعد ترحيلهم وتشتيتهم نتيجة بناء السد العالي ، ناهيك عن العنصرية الناتجة عن احتقار المصريين للون الأسود بشكل عام . ولذلك فإن تيارا كبيرا من النوبيين المثقفين كانت لديه ميول انفصالية ، وعندما تم اعلان تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية رفع بعض المثقفين النوبة دعوى قضائية للسماح للنوبة بتقرير المصير إلا أن الحكومة المصرية تداركت الأمر وقامت بترضيات ووعود.. لكن النار لا تزال كامنة. وهكذا فإن الشعب المصري لا يعرف شيئا عن السودان ، خاصة مع ارتفاع نسبة الأمية وزيادة عدد السكان والضغط الاقتصادي والسياسي والأمني كل ذلك لا يتيح للمصري أن يتعرف على ثقافات أخرى ولكن هناك طبقة مثقفة في مصر واعية جدا ولها علاقات أسرية وعلاقات صداقة طيبة مع السودانيين .
لا توجد تعليقات
