يمكن وصف الشراكة السياسية الحالية بين مكوني حكم الفترة الانتقالية بإنهما مكونان يشتركان في الحكم ويختلفان في الوزن والتوجهات والمبادئ والموقف من الثورة وأهدافها التي أتت بهما الى السلطة وواجهة الأحداث مصادفة ام استحقاقا. وليست هذه العبارة وصفاً للحظة سياسية وتاريخية لبلد اسمه السودان يعيش مرحلة انتقالية تدار شراكة وتلك حقيقة ولكن المفارقة في طبيعة هذه الشراكة السياسية بكل ما شهدته من احداث لا يمكن تصور حدوثها بين شريكين. وتلك الشراكة كما تشير معانيها اللفظية وتفسيراتا السياسية والقانونية لست أكثر من تقاسم سلطة إدارة الدولة بالمعنى الأقرب لغة وقانونا كشراكة سياسية Political Partnership ملزمة لكل الأطراف الموقعة على وثيقتها الحاكمة لطريقة ممارسة السلطة. ولكن ما الذي أخل بها وبالتالي شكل موقفها الحالي وتحولها من شراكة الى صراع سلطة ورجحان كفة أحد طرفيها (المكون العسكري) بكل ما يعنيه بكامل عتاده وعدته وأفراده الذين ضاقوا ذرعاً (مصارينا انهردن) على وصف أحد أقوى شخصياته من حيث القوة المطلقة وكان قد زاد على وصفه هذا إذا ما فُهم “لن نسلم البلد إلا لحكومة منتخبة” وقد يحتاج العقل أحيانا إلى امعان التفكير فيما تعنيه اللغة المستبدة والمضمرة بالتهديد والوعيد وإن استدعت السخرية أكثر من التفكير والمنطق.
أما لماذا انتهت هذه الشراكة المزعومة بعد مدة قصيرة الى أزمة حادة فهذا لا يحتاج الى كثير شرح في وجود ظروف شابت هذه الشراكة منذ أن سمح الساسة المدنيون ربما خضوعا لأمر واقع لا يمكن تجاوزه، أو مدفوعين بالحماس الثوري. ولكن العامل المهم في ذلك ربما مثالية إن لم نقل سذاجة الساسة من المدنيين في تصورهم لممارسة سلطاتهم في الحكم في شراكة يعلمون أن شريكهم لم يكن سوى امتداد لنظام ثاروا عليه. ولكن هل ركن المكون المدني إلى ما جاء فيما سمي بالوثيقة الدستورية وما ورد في فقراتها بأن يكون ذلك كفيلاً بتأسيس حكم انتقالي متوافق عليه عملاً بنص مواد الوثيقة، ويدفع عنهم ما يضمره الطرف الآخر؟ وقد برزت من بداية الفترة الانتقالية الخلافات والتوغل على الاختصاصات التي حددتها الوظيفة الى درجة اتخاذ خطوات خطيرة تعلقت بالسياسة الخارجية للدولة دون موافقة أو اخطار الطرف الأضعف دائما (المكون المدني) في الشراكة المهتزة. ولم تكن الاختراقات التي يشهدها السودان ودخوله في علاقات وتحالفات انتهت الى تطبيع مفتوح مع دولة الكيان الإسرائيلي وغيرها من ملفات خفية لا تمثل سوى انفراد المكون الأقوى (المكون العسكري) بإدارة شأن البلاد، وهو ما ثبت طوال مرحلة الفترة الانتقالية على مدى عامين ويزيد.
وسط هذا الهيجان والغبار الكثيف الذي يثيره مهرجو السياسية والمغامرين من العسكر وشبه العسكر والمدنيين وما دار في بشأن المحاولة الانقلابية الأخيرة الفاشلة ثم اجتماع حشود القاعة وخروجهم بسفر تكوين الحرية والتغيير (نسخة 2) والاصطفاف خلف القوى المسلحة وتصاعد أحداث الشرق التي ما كانت ستحدث في أي دولة أو دويلة تحترم سيادتها. كل هذا المشهد السوريالي يبعد الصورة أكثر من تقريبها بمنظار الأمور السياسية. فالواضح أن مصير الشراكة مهدداً بالانهيار أصبح بعد كل ما يجري ويعد له الآن في الساحة السياسية والتصميم على تفكيك وتشويه رموز ثورة ديسمبر المجيدة وعودة فلول النظام المباد الى العلن وقد اقترب حلمهم بالعودة من التحقق، ستدخل البلاد الى مأزق آخر من مآزقها المزمنة ولكن هذه المرة -لا سمح الله- فإن حجم المهددات يفوق قدرة الوضع السياسي القائم.
ومع ارتفاع أصوات مطالبة بفض الشراكة المنقوصة وإلغاء الوثيقة الدستورية مع المكون العسكري قد تكون لها دواعيها السياسية بمنطق السلطة والتزام القانون والمسئولية التاريخية أكثر من الصراع على السلطة بصورته التقليدية على مسرح الأحداث السياسية. ففي خروج بعض الأحزاب السياسية خاصة الحزب الشيوعي في العام الماضي من اجماع قوى الحرية والتغيير وقراره بعدم المشاركة في جميع أجهزة السلطة التنفيذية لما رأه ويراه الكثيرون الآن بأن التركيبة الحالية لن تحقق أهداف المرحلة انتقالية ولا شعارات الثورة. ولم يكن في وسع المكونات المدنية الأخرى أحزابا وجماهير في ظل التوترات السياسية الحادة إلا بإن تعيد التفكير في طبيعة هذه الشراكة وكيف انهت الأمور إلى ما انتهت اليه. والواقع أن ضعف التكوين السياسي والتنظيمي للأحزاب المدنية في ظل تحديات اقتصادية وامنية معقدة يقلل من فرص إعادة التوازن لأي شراكة بين المكونين. ولكل من مكوني الشراكة رهان (حاضنة سياسية) فالمكون العسكري يستند إلى نتائج فشل حكومة الفترة الانتقالية ويعزوه الى الجانب المدني على الرغم من وجوده نفسه ضمن هذا الشراكة وتمثيله على أعلى مستوياتها في أجهزة سلطة الدولة العليا وهذا إلى جانب أن القوة والتحالفات مع دول الإقليم وأجهزة خفية من النظام المباد تمسك بمفاصل الدولة. وبينما يعول المكون المدني على الجماهير أو القواعد الحزبية الطائفي منها والنقابي وشرعية الثورة والموقف الدولي الذي لا يخيف أحدا كما قال أحدهم. وبطبيعية الحال فإن جميع هذه المكونات المدنية كما يراها الطرف الآخر لا تقف أمام جبروت قوى الدبابات والانقلابات العسكرية.
وإذا بات الآن في حكم المستحيل استمرار الشراكة التي يصفها أحد طرفيها بالمعطوبة وإمكانية إنجازها لمهامها المنصوصة في الوثيقة الدستورية بالوصول إلى حكومة منتخبة لم تعد في حدود الإمكان قياسا على وقائع الأحداث الأخيرة. وعليه ما من سيناريو معد لتفادي تداعيات فترة انتكاسة الشراكة الحالية مما يؤدي الى حالة انهيار تتجاوز الفراغ الدستور والفوضى السياسية التي تشهدها البلدان التي تتعرض لحالات مشابهة. وهذا قد يفسر الى ضرورة وضع البلاد تحت البند السادس لميثاق الأمم المتحدة لحماية الفترة الانتقالية كما طلب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك مما اوجد البعثة الأممية بالسودان يونيتامس دعماً للفترة الانتقالية.
نشر بصحيفة_ الديمقراطي# عدد اليوم الأثنين الموافق 11/أكتوبر 2021م.
anassira@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم