الشعبوية .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
تحاول هذه الورقة سبر أغوار ما اصطلح عليه مؤخرا ب “الشعبوية” أو the Populism وهو إصطلاح يشابه جرساً إصطلاحاً قديماً بدأ فى الظهور أواخر عهد الدولة الأموية بسبب سياساتها المحابية للعرق العربى على حساب المسلمين من غير العرب ثم تقوت فى عهد الدولة العباسية فى أطلقوا عليها “الشعوبية” ويقترب منه محتوى ثم يتباعد كثيراً حيث أن الشعوبية كانت حركة فارسية متحاملة على العنصر العربى كردة على تحامل العرب على غيرهم وقد وصفها القرطبى بأنها حركة “تبغض العرب وتفضل العجم” كما وصف اتباعها الزمخشرى فى أساس البلاغة ” هم الذين يصغرون شأن العرب ولا يرون لهم فضلا على غيرهم.” وهى حركة تضم شعراء وأدباء وفلاسفة من أولئك الكاتب الهيثم بن عدى وابوعبيدة معمر بن مثنى الذى ألف كتباً فى مثالب العرب ومنهم الشاعر المعروف بشار بن برد.وقد تصدى لهم من الأدباء الكاتب الفحل الجاحظ فى كتابه “دفاع عن العصا”. ويرى المؤرخون أنها تطورت من كراهية العرب إلى كراهية الإسلام واصبحت مدخلا للتشكيك فى ثوابت الدين ومطية للزندقة والطعن فيه. والشعبوية تقارب هنا الشعوبية فى بعدها المتحيز ضد كافة الأجناس الملونة والتحيز الفاضح للجنس القوقازى الآرى الأبيض. فالشعوبية التى حملت دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة فى الولايات المتحدة ذلك البلد الذى كان يقاس عليه مقدار ومدى التطور الليبرالى فى كل بلد و الذى بدأ كمنارة وأنموذج يحتذى لأممية تجاوزت الأعراق والعنصرية يرحب بالتعدد الثقافى والدينى والعرقى , إلى الدرجة التى حملت رجلاً أسودا هو الرئيس باراك أوباما إلى رئاسة الولايات المتحدة لدورتين كاملتين فى بلد منح السود حق التصويت والإنتخاب فى الولايات الجنوبية لأمريكا قبل 43 سنة فقط من ذلك التأريخ. وهو حدث عزز الآمال بتلاشى التمييز العنصري فى العالم. لكن من إرتدادات ذلك الحدث كما نرى أنه ايقظ دفين المشاعر البيضاء التى رأت فيه مؤشراً على أفول ريادة الرجل الأبيض وتراجع فى قيمه الثقافية ذات الجذور الأوروبية المسيحية. فنشط قطاع من المشفقين على الثقافة البيضاء تدفعهم مشاعر عرقية وثقافية مع قطاعات أخرى من البيض مشفقة على الثقافة الأوروبية المسيحية لمناصرة ترشيح دونالد ترامب . هذا التيار يضم كذلك كتاباً ومثقفين وسياسيين من أمثال (بات بوكانون) و(ويليام بيكلى) وغيرهما مثلما كان الحال فى الشعوبية الفارسية القديمة فى مواجهة العرب.هذه الجزئية يشابه فيها تيار الشعبوية تيار الشعوبية القديم. وفى أوروبا قام ذات التيار بفعل تدفقات الشعوب غير البيضاء على القارة المكتظة بالسكان وضمن أولئك ملايين المسلمين وبدأ بعضهم يتقلد مناصباً تنفيذية وتشريعية فى كثير من بلدان أوروبا. وازدادت المخاوف بعد تدفقات اللاجئيين السوريين إليها بما رآه البعض تهديداً لأوروبا البيضاء بتراثها الليبرالى والمسيحى معاً فنشطت جماعات فى معظم بلدان أوروبا الغربية وبعض أجزائها الشرقية (بلغاريا) تنادى بالحفاظ على أوروبا بل واغلاقها فى وجه أولئك. هذا ضرب يشابه التحيز للعنصر الأبيض فى الولايات المتحدة. أدى إلى بروز هذا التيار فى أوروبا إلى خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبى وتردد صداه بواسطة الأحزاب اليمينية فى فرنسا وهولندا وإيطاليا وسويسرا وحتى فى دول اسكندنيفيا وهو تيار معاد للهجرة والمهاجرين وداع للإحتفاظ بالخصائص الثقافية لكل بلد متشككاً فى وجود ثقافة أوروبية مشتركة . وهذا هو التيار الذى ينتم إليه دونالد ترامب وهو تيار يعرف “الشعب” بأنه مجموع الأمريكيين المنحدرين من أصول أوروبية وهو ما ظل الإعتقاد السائد فى معظم التأريخ الأمريكي بأنه هو “الأمريكى الحقيقى” المسيحى الأبيض. ويعتقد هؤلاء فى وجود حلف شيطانى يجمع بين قوى شريرة فى القمة وتيارات وضيعة ملونة لا قيمة لها فى قاع المجتمع تستهدف حقوق ومكانة البيض الأقدر على حكم أنفسهم بانفسهم.( شؤون دولية عدد نوفمبر/ ديسمبر 2016).
ويختار جون باديس تعريفا آخر للظاهرة بأنه يصعب وضع مصطلح ثابت يصفها بدقة ويقول إنها مثل العائلة ( الإخوة والأخوات , الأبناء والبنات فى الأسرة) فى مواجهة الآخر لا يتصف أعضاؤها بصفات متطابقة لكنهم يظاهرون بعضهم بعضاً فى مواجهة الآخر.
لا توجد تعليقات
