الشعر والإيدلوجيا: قطيعة أم تقاطع .. بقلم: عمر الفاروق سيد كامل


?Omer175@hotmail.com

وقفت على كلمة نضرة للدكتور عبد الله على إبراهيم ، وهو عندى صاحب الزمن بين الكتاب السودانيين ، فى معرض حديثه عن هدايته للجمهرة الشيوعية عن خطل فكرة تحنيط الشاعر ومحاكمته  بمواقفه من إيدلوجيا الثورة ، وقد رمى الدكتور فى كلمته المذكورة بمقولة لو وزنت ذهبا لوزنته ، حيث قال أن ثورية المبدع ليست قاصرة على جراءة موقفه السياسى ، وذلك فى سياق إستعراضه لرأي بعض  الشيوعيين فى شأن ثورية طيب الذكر والشعر المرحوم محمد مفتاح الفيتورى . والأمر عندى أن عقيدة الشاعر الثورى البطل التى فشت و ما تزال بين السياسين العقائديين ومن حام حولهم من الأمور التى مسّخت على كثير من شعراء السودان وغيرهم من الشعراء والمبدعين حياتهم الإبداعية والشواهد على ذلك كثيرة . فالشاهد أن الربط بين الإبداع والثورة من ناحية وبين الشاعر والموقف السياسى من ناحية أخرى من العلاقات  التي توجب الوقوف عندها ، هذه العلاقة معيبة متى ما كانت مؤدلجة و ممكنة متى ما كانت منفتحة على الإبداع فى صيرورته السرمدية وهى منغلقة إذا ما صدرت دون وعى بماهية الإبداع والثورة.   

فالأيدلوجيا والشعر ربما يكونان طرفى نقيض من حيث نظرتهما للأخر المغاير بل حتي للأخر الموازي . فالإيدلوجيا ، من حيث كونها نظام تفكير مغلق غير منفتح على نظم التفكير الأخرى ، إلا بالقدر الذى يعزز من فرضياتها تجاه تفسير الظواهر المختلفة خاصة فى حقول السياسة والإقتصاد والإجتماع ، تكون فى علاقة تضاد مؤسس ، باطنيا وليس ظاهريا كما ترى الجمهرة المؤدلجة ، مع الشعر كونه أحاسيس وأخيلة ورؤي منفتحه على ما عداها من النظم الإبداعية والفكرية. فالشاهد أن الايدلوجيا دائما ما تنشد تغيير الأوضاع السائدة والثورة عليها وفق ما تمليه عليها نظمها وعقيدتها الفكرية ، وإذا لم يتم ذلك وفق ذلك يكون كأن شئ لم يكن ، وذلك أس الإنغلاق بحسب ما نري . بينما يسعى الشعر ، أو ينبغى له ، الى تعزيز فكرة التغيير بشكل مفتوح ونشدان الترقى والكمال دون أطر إيدلوجية . لذا فأن ثورية الإيديلوجى لا ريب فى تعارض متصل مع ثورية الشاعر كونهما يختلفان فى المبتدي والمنتهي ، وأغلب ظني أن هذا هو ما قصده الدكتور عبدالله على إبراهيم فى إشارته المارة عن ثورية المبدع.  

الذى سقناه يدفعنا بقوة للقول بخطل فكرة أن أعذب الشعر أدلجه ( أى ما كان مرتبطا بالإيدلوجيا ) . فلربما تكون نظرتنا هذه على تعارض مع ذلك الرأي النقدي التى يزعم أنه طالما هناك فناً فهناك إيدلوجيا ، هذه الرأي يذهب الى أبعد من ذلك ويشير صراحة أن أهل الكتابة الجديدة يخلطون بين مفهومين للأيديولوجيا : الأول هو المفهوم العميق لها باعتبارها الرؤية الفكرية والفلسفية التي ينبع منها النص أو تشيع فيه أو يجسدها ، والثاني هو المفهوم الذي يرى أن الأيديولوجيا هي السياسة المباشرة ، أو هي العقائد والتصورات (الدوغما) المغلقة ، أو هي الشعارات الزاعقة المشتعلة بالصراع وثورة الثائرين . إن جاز لنا نقد هذه الرأي ، فسنقول أنه لم يأت بجديد كونه لم يخرج الإيدلوجيا من عباءة الإفتراضات والأفكار  المسبقة ، أعنى الرؤية الفكرية والفلسفية التى تؤثر فى صياغة النص الإبداعى ، التى تريد تفسير الواقع وفقا لنظرتها المتوهمة تلك  وليس على أساس ما هو واقع ومعاش .

   الشاهد أنني أريد ، من كل ما سقته أعلاه ، أن أدافع بوضوح عن فكرة أنه ليس بالضرورة أن يكون الشاعر ثوريا ، دعك أن يكون مؤدلجا ، حتي يكون شاعرا مجيدا . شاعر مفلق كأدونيس على سبيل المثال يرفض بصورة شاخصة موضوع التوظيف الإيديولوجي فى الفن وبالتالي فى الشعر الذى هو من حراس بوابته العتيقة . فأدونيس يرفض التوظيف الإيديولوجى فى الفن حتى لا يتحول  الإبداع إلى دعاية مؤسساتية و يغيب بذلك العنصر الجمالي الذي هو الخاصية الأساسية للفن ـ فيقول فى إحدى مدوناته ( الشعر الذي يكتب بحسب هذا المفهوم ، لابد أن يجري في نهر التقليدية ، النهر الذي يفرض أن الثورة قد تجاوزته أو أنها آخذة في تجاوزه ، ذلك أنه مفهوم يحول كتابة الشعر إلى مجموعة  قواعد و تعليمات، هو لا يحاكم الشعر أو يسأل عنه بلغته الخاصة ، بل بلغة إيديولوجية سياسية ، أي أنه يطمس خصوصيته و يطمس قضاياه الخاصة به من حيث هو فن خاص ( .

أن موضوع الشعر والإيدلوجيا ربما يكون أكثر أهمية بالنظر الى التراجع المتسارع الى الإيدلوجيات الكبرى كالماركسية والقومية فى راهننا المعاش ، غير أننا نخرج إيدلوجيا السلفية الجهادية من هذا السياق كونها لا تعترف بأى ضرب من الفنون كما وأنها لا تنتج إلا النذر اليسير من الشعر ( تحديدا الأناشيد)   وهو موغل كذلك فى الإيدلوجيا .هناك من يرى فى الجانب الأخر أن  إيدلوجيا رجل الشارع أضحت هى الغالبة كونها لا تأل جهدا فى البحث عن ما يسد الرمق ويحفظ الحقوق ويحترم الإنسانية فى مواجهة العسف المؤسسي الذى تمارسه الأنظمة الشرق أوسطية . عليه فأيدلوجيا رجل الشارع – إن جاز لنا إعتبارها إيدلوجيا ولو فى طورها البسيط – ليست ذات أفكار مسبقة وإفتراضات معممة كتلك التى تكتنف الإيدلوجيا فى طورها المرّكب ، بل هي واقع معاش يحتاج الى بصائر ورؤى وأخيلة تعبر عنه بطريقة فنية بلاغية ( أقصد الشعر تحديداً) خالية من الشعاراتية المؤدلجة والمؤسساتية المسيسة .

لذا حق لنا أن نقول لدكتور عبد الله على إبراهيم ” كلامك صاح يا حبيبنا ” .

omer175@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً