الريح عبد القادر
يختزل كثير من الناس دور الشيطان في كلمة واحدة هي الوسوسة، حتى أصبحوا يتصورون أن مهمته لا تتجاوز إلقاء الخواطر في النفس. ولكن القرآن الكريم يرسم صورة أوسع وأخطر بكثير.
وأعكف حالياً على إعداد “معجم القرآن لأعمال الشيطان” سأجمع فيه جميع الأفعال التي نسبها القرآن إلى الشيطان مع الشرح والتعليق.
وأحب أن أنبئه إلى أنه ما من كلمة ترد لوصف أعمال الشيطان في هذا المقال الموجز إلا ولها مكانها بين دفتي المصحف.
ويستند العمل الذي توكلت على الله في القيام به على اقتناع تام، مستمد من كتاب الله سبحانه وتعالى وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم، أن الخطر الأكبر المحدق بالإنسان هو الشيطان. فإن كان أخطر ما يحذرنا منه القرآن الكريم هو الشرك بالله، فما من شرك إلا باتباع الشيطان؛ وإن كان أخطر ما يحذرنا منه القرآن هو نار جهنم، فلن يدخل جهنم أحد إلا تحت لواء الشيطان.
ويجب أن نعلم أن الشيطان ليس مجرد موسوس، بل صاحب مشروع متكامل لإفساد الإنسان، يبدأ بخطوة صغيرة، وينتهي – إن لم يتدارك الإنسان نفسه – بالاستحواذ الكامل عليه.
إنه يبدأ بوضع الخطوات (أي التخطيط الإستراتيجي للإضلال)؛ ولذلك لم ينهنا الله عن اتباع الشيطان فقط، وإنما قال:
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾
فالخطوات تعني التخطيط والتدرج، والانتقال بالإنسان من الصغيرة إلى الكبيرة، ومن المباح إلى المشتبه، ومن المشتبه إلى الحرام، حتى يصبح الرجوع صعبًا.
وليست الوسوسة مجرد حديث النفس، بل لها أغراض لا حصر لها.
فالشيطان يوسوس ليزين وينزغ ويخوف، ويسوّل…الخ.
فهو يزين الباطل حتى يبدو حقًا.
وهو يهمز
وهو ينزغ بين الأخ وأخيه ليوقع العداوة والبغضاء بينهما.
ويحضر في المواطن التي يغفل فيها الإنسان عن ذكر الله.
ويخوّف عباد الله، ويزرع الحزن واليأس والقنوط في قلوب المؤمنين.
وينسينا أشياء لأهداف يريدها؛
ويذكّرنا بأشياء ليحقق مبتغها؛
ويستفزنا؛
ويجلب علينا بخيله ورجله؛
ويستزلنا؛
ويصدنا عن سبيل الله؛
ويوحي إلينا بما يريده؛
ويدعونا لنكون من حزبه؛
ويمنينا بالأماني الكاذبة؛
ويسول لنا المعصية؛
ويشارك في الأموال والأولاد؛
ويحتنك من اتبعه وذريته…الخ.
ويعادي الإنسان، أي أنه يفعل مع الإنسان عمل العدو الحاسد بأن يدله إلى الخيارات الكاسدة في الدنيا قبل الآخرة.
وهو الذي يعلم السحر، بدل هاروت وماروت، وكل السحر وما يؤدي إليه من التفريق بين الأزواج هو من عمل الشيطان.
وحينما يستجيب الإنسان لهذه المراحل المتتابعة، ينتقل الشيطان إلى المرحلة الأخطر.
إنها مرحلة الاستحواذ.
قال تعالى:
﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان﴾.
والاستحواذ ليس مجرد تأثير، بل هو إحكام السيطرة، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لتوجيهات الشيطان، فيأتمر بأمره، ويستجيب لندائه، ويغدو من أوليائه وحزبه.
وهذا هو الفرق بين من يقع في ذنب ثم يتوب، وبين من يصبح الذنب منهجًا له، والمعصية أسلوب حياته، والباطل عقيدته التي يدافع عنها.
ولا يصل الشيطان إلى هذه المرحلة دفعة واحدة، وإنما يصل إليها بالتدرج، ولذلك كانت أخطر عبارة في القرآن هي:
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾.
فالإنسان لا يصبح وليًا للشيطان بخطوة واحدة، وإنما بخطوات كثيرة، متتابعة، تبدو كل واحدة منها صغيرة، قد لا يأبه لها، حتى يكتشف في النهاية أنه لم يعد يقود نفسه، بل صار يُقاد.
ولهذا فإن اختزال دور الشيطان في الوسوسة وحدها يغفل عن حقيقة المشروع الذي يحدثنا عنه القرآن؛ مشروع يبدأ بالوسوسة، لكنه لا ينتهي عندها، بل يهدف إلى الاستحواذ الكامل على الإنسان، ليكون من حزب الشيطان، بدل أن يكون من حزب الله، ويكون ولياً للشيطان بدل أن يكون ولياً لله، وأن يعبد الشيطان بدل أن يعبد الرحمن.
فإياكم أن تستهينوا بأمر الشيطان، بل تذكروا “إنه عدو مضل مبين” و”إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير”؛
وتذكروا أنكم مأمورون أمراً واضحاً بأن تتخذوه عدوا، فلا تقللوا من شأن خطورته عليكم، وعلى العلاقات بينكم، فهو لكم بالمرصاد منذ ولادتكم إلى أن تحضركم الوفاة (بعد عمر طويل إن شاء الله)، وهو يتابعكم على مدار الساعة، وهدفه إفساد دينكم ودنياكم وآخرتكم.
لكن هل يجب أن تخافوا من الشيطان؟ كلا. يكفيكم أن تفروا إلى الله وتستعيذوا به وتذكروه:
- “ففروا إلى الله إنني لكم منه نذير مبين”؛
- ” وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم”
- “إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ”
الاستعاذة تعني اللجوء إلى الله الذي يقول لكم “إن كيدي متين” ويطمئنكم: “إن كيد الشيطان كان ضعيفا” أمام كيد الله المتين.
واعلموا أن الشيطان لا يصل إليكم عندما تكونون في كنف الله عز وجل: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، وكفي بربك وكيلا”؛
فكونوا في كنف الله بذكر الله واطمئنوا “إلا بذكر الله تطمئن القلوب”.
elrayahabdelgadir@gmail.com
////////////////////
