الصادق المهدي – الدور: ما، وليس من ، الذي (قتله) ؟

 


 

 

 

لو جاز تطبيق مصطلح الشعبوية، بمعني مسايرة الانفعالات والتصورات تحت- العقلية، علي الانتاج الشعري لكان نزار قباني الاجدر بهذا الوصف من بين الشعراء ولعل اشهر نماذج استثماره الشعري في فورات العواطف قصيدته عند وفاة عبد الناصر التي رفعه فيها مجازا الى سدة الانبياء : " قتلناك ياآخر الانبياء".
إزاء وفاة الصادق المهدي حدث شئ شبيه جزئيا بهذا، شعرا ونثرا، إتخذ شكل ذوبان الحواجز الصلده التي أقامها الكثير من الناشطين السياسيين والفكريين ضد مواقفه وآرائه، منجرفين في خضم فيضان العواطف وخضوعا لما تقتضيه التقاليد في مثل هذه الحالات. ننتظر انحسار الموجة لكي تعود هذه الحواجز، ولاشك، للانتصاب مرة أخري محمولة، اساسا، علي أجنحة مواقع ( التواصل) الاجتماعي، ملعب الاحكام الجزافية والفكر الهوائي.
هذا أمر طبيعي وليس من مسئولية اللاعبين في هذا الملعب وغيره بصورة كلية لانه انعكاس للحالة المزرية التي انحدر اليها المجال العام نتيجة ركود عمره من عمر ميلاد بلادنا استقلالياً، تحت وطأة انغلاق شمولي باهظ استطال افقيا ورأسيا، زمنا وعمقا. مكاسب تنشيط العقل / العقلية، الملكة الاعدل توزيعاً بين البشر وفق الفيلسوف الفرنسي ديكارت، التي تحصلنا عليها بالتعليم ( الاستعماري ) وانفتاح نافذة التفاعل مع الاخر الحضاري اقليميا وعالميا تقلص تدريجيا، ثم بمعدل متزايد ، مع تعاظم شمولية الانظمة . بلادنا كانت قابلة لمثل هذا التراجع إذ لم يصلها من محّفزات ومنجزات عصر النهضة ،وليد الانقطاع المعرفي عن العصور الوسطي والشرط الشارط لتأسيس نظام ديموقراطي قابل للحياه، حتي الرزاز الذي عرفته مصر علي يد عبده -الافغاني ثم لطفي السيد وطه حسين وغيرهما. بقينا حتي الان، وبما في ذلك حركاتنا وتياراتنا الحديثة،حسب المصطلح السائد، نتوهم ان (سقوط ) الانظمة الدكتاتورية يعادل استيقاظ العقل الجمعي ومن ثم إمكانية بناء ديموقراطية تستحيل استدامتها دون وعي متين قادر علي إبطال ثقافة الاستبداد وتجلياتها سواء تجسدت في تفكير وتخطيط لتغيير عنفي للسلطه او ايديولوجية تهئ أذهان عسكريين او مدنيين لذلك، بينما ارهاصات خيبتي مابعد 64 و85 تسعي بين ظهرانينا الان متمظهرة في التصدع المتمادي بين اطراف التحالف المنوط به القيام بهذه. والحال ان الفشل الثالث سيكون، هذه المرة، طريقا مستقيما يتجاوز انقلابا رابعا الى تفتت السودان مجموعة دويلات تعاني من نفس الازمة التي اودت به.
غابت العقلانية فحلت محلها الشعبوية وتبددت امكانية استثمار الدور المحوري للصادق المهدي ( وربما ياسر عرمان ايضا) لانجاح العملية الانتقالية رغم هذه الصعوبات البنيوية بل وبسببها، إذ لو توفرت مقومات النجاح لما كانت هناك حاجة الى دور استثنائي لفرد وضعته الاقدار السعيدة في طريقنا. أيا كانت سلبيات سجل الصادق المهدي في العمل العام معارضا وحاكما،ووجودها لاريب فيه، فأن خصوصيات ميلاده مقرونة باستعداده لبذل جهد ذاتي تحديثي المغزي والمآل ، جعلت منه المرشح الوحيد للدور الانقاذي المطلوب. يصعب إنكار حقيقة أن دمج العلاقات الطائفية والمصالح الطبقية- الاسرية المرتبطة بها، في العمل العام بمختلف اطواره ،مترافقا مع انتاج فكري مثابر للتوفيق بين الدين والعلم ، الاصل والعصر، يعتبر مغامرة شجاعة فكريا وعمليا ،خاضها الصادق المهدي بينما لم يجرؤ الاخرون من ارباب الطوائف، ربما حتي علي الصعيد العربي- الاسلامي بمجمله، علي مجرد التفكير في مكابدتها. مخاطرةٌ بالخروج من منطقة الراحة المتدثرة بقناع الغموض والقداسه الطائفي – الصوفي ومايرتبط بها من امتيازات سلطوية وطبقية، والتعرض لمخاطر تقلبات السياسة السودانية التي لاتنفك تزداد عنفا مع تتابع الانظمة الانقلابية. يمكن، علي هذا الاساس ، المحاججة بقوة إن قيادة الصادق المهدي كانت مؤهلة لتكليفها بقيادة المرحلة الانتقالية، وفق اجماع وطني تشاوري معه عموده الفقري أطراف عملية التغيير، دون ان يعني ذلك إعفائها من النقد الملتزم بالاولويات.
علي ان ماحدث هو العكس تماما. نذره كانت واضحة لأي مراقب عابر النظرة للساحة السياسية أحدهم كان صاحب هذه السطور( سودانايل 21/12 / 2018 ) في مناقشة جرت عندما اعلن عن عودته للبلاد: "حضور الصادق المهدي بفعاليته المعهوده (......) سيستثير قائمة الانتقادات المعهودة : السجل في الحكم، العلاقة مع النظام من خلال الابناء،طائفية- عائلية، المصالحات مع مايو والانقاذ، طول البقاء في قيادة الحزب الخ، ولكن بتناول اجتراري غير موضوعي يختل فيه التوازن لمصلحة السلبي الذي لايقيم وزنا لمسافة التطور الشاسعة التي قطعتها قيادته،رغم الوضوح الصارخ لذلك بمقارنة سريعة مع الطرف الاخر الذي يجمعه به التصنيف التقليدي الرائج" . وما أن انفتحت الساحة بعد زوال نظام (الانقاذ ) لحرية غير منضبطة بعقل جمعي نشط ومتفتح لم يتح لنا تنميته تاريخيا،حتي انهمر سيل التناول التشويهي لمسيرة الصادق المهدي بمعدل ظل يتضاعف هندسيا. كل مساهمة تصدر عنه، بل كل كلمة، أضحت وقودا لهذه الحملة وانتهي الامر الى الانسداد المحكم لباب التآلف الموضوعي بينه وقوي التغيير ، بما فيها القطاع الشبابي الذي دخل الساحة السياسية رافعا أعلام وآمال التغيير المضرجة بالدم والعرق. المضمون الانقاذي لدور قيادة الصادق المهدي المفروض عليه ميلاديا واختيارا ذاتيا، ذهب مع ريح الاحكام والتقييمات الهوائية. هل من المبالغة، إذا صحت هذه الرؤية ، القول بأن ماجري ويجري أمام أعيننا الان هو قتلٌ بعضه متعمد وبعضه غير متعمد لهذا الدور ؟ المؤكد إن موقع الصادق المهدي المتميز في تصنيفات التاريخ لايطاله الموت او الفناء، ويبقي علينا نحن الاحياء ان نتحسس مواقعنا سائلين عن نصيبنا من المسئولية في هذه الجريمة فعلا وتركاً.
12 ديسمبر 2020 لندن

alsawi99@hotmail.com

 

آراء