محمد صالح محمد
ما أصعب أن أكتب إليكِ وقلبي يرتجف كقنديلٍ شارف زيته على الانتهاء، وما أقسى أن أدرك بكل هذا الوجع أنَّ الحكاية التي ظننتها أبدية ليست سوى سطورٍ باهتة في كتابِ النسيان.
يقولون “كل شيء يمضي” كلماتٌ يلقونها ببرودٍ جارح ولا يدركون أنها نصلٌ يُمزّق أحشاء العالقين في ممرات الحنين. نعم يا حبيبتي كلُّ مرٍّ سيمرّ لكنه يمرُّ من فوقنا يدهسُ ملامحنا ويتركنا جثثاً هامدة تسكنها الذكريات.
رحيلُ الملامح في مهبّ السنين …
بالأيام يروح كل شيء حتى بريق عينيكِ الذي كان بوصلتي في عتمة الأيام بدأ يبهت في مخيلتي. أخاف من غدٍ أستيقظ فيه فلا أتذكر نبرة صوتكِ وهي تنطق اسمي أو ملمس يدكِ التي كانت تشعرني أن العالم بخير.
الأيام لا تداوي الجراح هي فقط تعلّمنا كيف ننزف بصمت.
الوقت ليس صديقاً إنه لصٌّ محترف يسرق منا أجمل سنواتنا ويترك لنا “التجاعيد”؛ ليس على وجوهنا فحسب بل على أرواحنا المكسورة.
الغياب: لم يعد مجرد مسافة بل صار هوية نرتديها كل صباح.
الوداعُ المرّ “كلو بيمضي” …
كنت أظن أننا استثناء و أنَّ حبنا قلعةٌ لا تهدمها رياح الزمن. لكن الحقيقة المرّة صدمتني؛ نحنُ مجرد عابرين في قطارِ العمر والمحطات تسرقنا واحداً تلو الآخر.
يا حبيبتي كل تلك الرسائل التي كتبتها بدمع العين وكل تلك الوعود بالبقاء تذروها الرياح الآن كما يذرو الخريف أوراق الشجر اليابسة.
“الوجع الحقيقي ليس في رحيلك بل في يقيني أن الأيام ستمحو حتى ألمي عليكِ لأصبح غريباً عنكِ وغريباً عن نفسي التي كانت تحبكِ.”
سيمضي كل شيء وستأتي أيامٌ لا نذكر فيها سوى غصةٍ خفيفة في الصدر حين يمرّ طيفٌ يشبهكِ. ستمضي الخيبات وستذهب الليالي الموحشة لكننا سنفقد في الطريق أجمل ما فينا.. سنفقد “نحن”.
يا حبيبتي الوداع ليس كلمة تقال الوداع هو هذا الصمت الذي يبتلعنا الآن وهذا العمر الذي يتسرب من بين أصابعنا بينما أردد بقلبٍ محطم بالأيام بيروح كل شي… حتى أنتِ.
وهكذا ينطفئُ آخر شعاعٍ للأمل في دهاليز الروح ونقفُ وجهاً لوجه أمام حقيقةٍ مريرة كالعلقم؛ أنَّ النسيان ليس اختياراً بل هو مقصلةٌ تسلّطها الأيام على رقاب ذكرياتنا.
غداً سيمرُّ اسمكِ عابراً فلا يرتجف له قلبي وسأبصرُ وجهكِ في الزحام فلا تتعثّر خطاي وهذا يا حبيبتي هو قمةُ الوجع.
أن نعتاد الفقد حتى يصير جزءاً من هواء الغرفة وأن نألف الغياب حتى يغدو هو الحضور الوحيد.
لم يبقَ من الحكاية سوى بضع كلماتٍ مخنوقة بالعبرات ستمضي الأيام وسترحلين تماماً كما رحلت بسمتي وسأبقى أنا هنا… أعدُّ ما تبقى من نبضاتٍ في جسدٍ قتلهُ الوقت وأهمسُ للعدم “لقد مضى كل شيء ولم يبقَ مني سوى حطام إنسانٍ كان يظن ذات يومٍ أنكِ لن ترحلي.”
٢١يناير ٢٠٢٤ – كوستي ( حكايات نازح )
binsalihandpartners@gmail.com
