أثار الصادق المهدي فرقعة إعلامية لم يأبه بها الناس وسرعان ما انحسرت ولم تُجْده شيئا ذا بال إذ سوَّل له خياله المتأرجح أن يبرز في صورة الضحية التي يتآمر عليها المؤتمر الوطني وأن يظهر في مظهر المرشح المظلوم المضطهد الذي تعاكسه أجهزة الإعلام القومي.
أحكم الصادق المهدي خطته بأن قدم إلى الإذاعة السودانية خطابا عنيفا شحنه بالردح والتجريح وما لا ينسجم مع توجيهات المفوضية القومية للانتخابات وما لا يليق أن يذاع عبر الإذاعة السودانية.
وسجل ذلك الخطاب قبل أربع ساعات فقط من موعد إذاعته حتى يضع المسؤولين الإذاعيين أمام الأمر الواقع ويربك حركتهم فإما يذيعوه بلا تعديل أو يرفضوا إذاعته فيسلط نقده عليهم.
إحباط الخطة:
غير أن تلك المناورة الماكرة لم تؤت ثمرتها المرجوة، فقد تحرك مسؤلو الإذاعة السودانية على عجل، واتصلوا بالمسؤولين عن حملة الصادق المهدي الانتخابية، فقدِم إليهم رئيس الحملة الأستاذ عبد الحميد الفضل، ومعه الأستاذة رباح الصادق، والأستاذ محمد فرح، والأستاذ محمد زكي واعترفوا جميعا بعد استماعهم لنص الخطاب الذي سجله الصادق المهدي بعدم ملاءمة بعض عباراته للنشر، ووافقوا علي حذفها من النص المطلوب إذاعته.
وهذا ما ذكره بيان الإذاعة الذي كشف خبيئة المناورة وحقيقتها. وهذه الحقيقة، حقيقة اعتراف مسؤلي حملة الصادق المهدي بتضمن بيان زعيمهم ما لا يليق، أمر لم ينفه هؤلاء المسؤلون من حزب الأمة، على الأقل حتى الآن، رغم مضى وقت كاف كان بإمكانهم أن يتقدموا فيه بالنفي، وليس أسهل عليهم من حديث مثل ذلك، ينفون فيه ما جاء ببيان الإذاعة، إن كان لهم إلى ذلك أدنى مدخل.
حذف الجزء المسيئ:
وفيما بعد قام المسؤولون عن حملة الصادق الانتخابية – ولابد أن يكون ذلك قد تم بعد مشاورة الزعيم وأخذ موافقته – بحذف تلك المقاطع المسيئة غير اللائقة من الخطاب، ونشروه في صورته الجديدة بموقع الحزب الإكتروني وببعض المواقع الإلكترونية ووسائط النشر الصحفي الأخرى.
وهذا ما أكده بيان الإذاعة السودانية حيث يقول إن الخطاب المنشور بموقع حزب الأمة القومي: ” لا يتطابق مع أصل الخطاب الذي سجله رئيس الحزب بصوته في الإذاعة السودانية، حيث تم حذف العديد من العبارات الجارحة والمسيئة، التي استهدفت مؤسسات وكيانات سياسية بعينها “.
سؤال وجوابان:
والسؤال الذي يبرز هنا هو: لماذا قام هؤلاء المسؤولون في حملة الصادق الانتخابية بحذف تلك المقاطع الجارحة عندما نشروا خطاب زعيمهم عن غير طريق الإذاعة القومية، أي عندما نشروه بالمواقع الإلكترونية إياها؟
إن الجواب عن هذا لا يعدو احتمالين اثنين.
أولهما أن الصادق المهدي قد ابتغى منذ البدء أن يصور الإذاعة القومية في صورة الهئية الظالمة المتعدية عليه، ولم يكن ثمة ظالم غيره، إذ أنه سجل للإذاعة السودانية ما لا يذاع، ولا يخلق أن يذاع، لأنه يخالف توجيهات المفوضية القومية للانتخابات. ثم طالب الإذاعة السودانية في إصرار أن تقوم ببث ما سجله لها، وإلا دمغها بالتهمة التي جهزها منذ البدء ليدمغها بها.
وأما الاحتمال الثاني فهو أن قادة الحملة الانتخابية للصادق المهدي قد فطنوا فعلا إلى ما في قول زعيمهم من فحش وتعد كذب، فعمدوا إلى شطبه عندما نشروا كلمته عبر وسائط أخرى.
ولكنهم لم يخلوا في هذا الصنيع من خداع بيّن، إذ أنهم لم يُشعروا القارئ أنهم غيروا وبدلوا في الكلمة الأصلية التي قدمها زعيمهم إلى الإذاعة السودانية، وطلب منها أن تذيعها كما هي.
وفي هذا خداع للقارئ والناخب لا يجوز.
وفي هذه الممارسة التضليلية الساذجة إثم لا يجدر بمن يقدم نفسه للولاية العامة ولمن يدعي أنه إمام في الدين أن يرتكبه.
فليختر الصادق المهدي وليختر أعضاء حملته الانتخابية الإجابة التي تروقهم من هاتين الإجابتين، ولا تخلوا أيا منهما من تزوير وتغرير.
وتزوير أنكر:
وإذا غضضنا النظر عن كل ذلك، مع أنه ليس من السهل غض الطرف عنه، فلننظر إلى نص خطاب الصادق إياه بشكله الذي نشرته المواقع الإلكترونية، فإنه قد تضمن تزويرا نُكرا في الأرقام.
إذ زعم الصادق أنه عندما جاء إلى الحكم في عام 1986م وجد الاقتصاد السوداني يسجل نموا سالبا بمقدر كبير. وقال عن ذلك: ” نحن وجدنا الاقتصاد بسبب الاستبداد الثاني في السودان المايوي كانت التنمية فيه (ناقص8، ناقص 12%، ناقص 16) في السنة وفي آخر عام من أعوام الديمقراطية صارت زائد 12% في السنة “.
وهذه عبارات صيغت عمدا بشكل غامض ملتبس مرتبك ليسهل على الصادق أن يتنصل ويتراجع عنها عندما يواجه بالأرقام الصحيحة.
وهذه الأرقام التي جاء بها الصادق أرقام مغلوطة مكذوبة.
والصحيح أن الاقتصاد السوداني في الفترة التي حكم فيها الصادق المهدي البلاد، وهي فترة أربعة أعوام إلا قليلا، كان يسجل نموا اقتصاديا سالبا بنسبة ست بالمائة. أي أنه كان يسجل تدهورا وتقهقرا لا نموا.
وهذه هي إفادة أرقام صندوق النقد الدولي وإفادات المنظمات النقدية الدولية الأخرى، ولا يستطيع الصادق المهدي أن يقارع إفادات هذه المنظمات العلمية المحايدة بأرقام عشوائية (يقطعها من رأسه) بهدف الدفاع عن نفسه، والمزايدة في موسم الانتخابات، على دولة الإنقاذ الفتية، التي نهضت بالاقتصاد السوداني، من الوهدة التي تركه هو فيها، حتى تضاعف حجم الاقتصاد السوداني في عهد الإنقاذ عدة مرات، وسجل نموا إيجابيا، لم يقل عن ست بالمائة سنويا، ووصل في بعضها إلى عشر بالمائة وتعداها.
أي مشاريع تلك التي طورها الصادق:
وأما المزاعم الأخرى التي اجترحها الصادق المهدي عن تأهيله للمشاريع الزراعية، والمصانع، فلماذا لم يذكر لنا الصادق أسماء هذه المشاريع الزراعية، ولا أسماء المصانع التي يدعي أنه أهلها أو طورها؟ إنه لم يذكر أسماءها لأنها لا توجد، وإلا لذكرها مسارعا.
وحسن جدا أن اكتفى الصادق بزعم تأهيله للمشاريع القديمة، ولم يتعد هذا الحد المتواضع، ليتحدث عن مشاريع جديدة أنشأها، فهو يعرف جيدا، والشعب كله يعرف، أن هذا لا ينطلي على أحد، فهو لم ينشئ خلال فترة حكمه كلها مشروعا واحدا ناجحا أو فاشلا.
إذ أنه لم يفرغ طوال فترة حكمه من منازعات السياسة وهزلياتها واشتباكاتها العديدة التي كان أكثرها مع حليفه الحزب الاتحادي الديمقراطي. وقد بقي طوال فترة حكمه ينقض غزل وزاراته ويفضه بيده، وقد أقال وزاراته عدة مرات إحداها من أجل أن يخرج منها وزيرا واحدا، هو وزير التجارة أبو حريرة.
وفي غضون ذلك لم يفرغ الصادق قط ليلتفت التفاتة واحدة جادة إلى أمر مهم من أمور الاقتصاد القومي.
وكان كلما سئل عن خطب من الخطوب الاقتصادية الملحة قال إن هذا أمر سهل مقدور عليه.
وعلى سبيل المثال فعندما سئل عن رؤيته لحل الضائقة البترولية التي كانت البلاد تعانيها على عهده غير الميمون قال ببرود عجيب: إن أمرها سهل ميسور. سنقوم باستلاف بترول من ليبيا، وعندما نستخرج بترولنا نرد إليهم بترولهم برميلا ببرميل.
ظن الصادق المهدي أن هذا الشأن الاقتصادي الخطير، الذي شلَّ البلاد بأسرها وأرهق مواطنينها، هو شأن ثانوي وقتي، يمكن أن يعالج معالجة مبتسرة، كشحذة الجارة من جارتها، كورة دقيق، تردها إليها حينما يأتيها دقيقها من الطاحون.
mohamed ahmed [waqialla1234@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم