الصحافة بين المنح والمنع .. بقلم: د. النور دفع الله

 

اقدم لهذا الموضوع بمقولة لجفرسون أحد رؤساء الولايات المتحدة السابقين يقول (اذا خيرت بين ان تكون لنا حكومة بلا صحف أو صحف بلا حكومة فأنى لا اتردد في تفضيل الحالة الاخيرة )….وسئل رجل ذات يوم عن صنعته فقال استاذ مؤدب بكسر الباء فقيل كيف ذلك وقد سمعنا أنك تصدر صحيفة ؟ قال نعم لما رأيت الناس لا يرسلون ابناءهم الى المدرسة ارسلت المدرسة اليهم في بيوتهم

جاءت هذه المقدمة بمناسبة اجازة المجلس الوطني لقانون الصحافة المعدل لما يزيد أكثر من عشرة مرات.. من هنا أبدأ حديثي فأقول ان حرية الصحافة وتطبيق الديمقراطية وممارستها هما وجهان لعملة واحدة اذ انه لا يمكننا التحدث عن نظام ديمقراطي دون منظومة صحفية وإعلامية فاعلة ومؤثرة تسهم اسهاما ايجابيا في ترشيد الحياة السياسية وتقويمها وتقييمها ايضا بل يمتد ذلك الاسهام ليشمل صانعي القرارانفسم من غير تطبيل اوتصفيق لهم يتردد صداه بعد اتخاذهم له بمعنى ان تصبح الصحافة هنا قائدة لا منقادة ولها مبادراتها الايجابية على وجه الحياة اليومية لمستجدات الاحوال التى تطرأ بين الحين والآخر
فالصحافة السودانية وعلى مدار الحقب التاريخية خلال العهود الوطنية خاصة النظم الشمولية منها كانت على الدوام كبش الفداء الذى يذبح بسكين البيان الأول
لتأسيس اركان النظام الجديد…ومن هذا المنطلق أقول ان مصادرة الصحف او تعطيلها بالشكل المتكرر الذى نراه ليس بالحل الأمثل الذى تلحأ اليه الدولة بين مرة وأخرى فأن كان هذا الاجراء مجديا في ازمان سابقة الا انه ليس بذي نفع وصلاح في عصر الانترنت والسماوات المفتوحة ووسط منصات التواصل الاجتماعي التى اوجدت لنا المواطن الصحفي الذى هو صاحب الساحة الآن لتتكسر بل وتتحطم امامه كل قيود الرقابة القبلي منها والبعدي لمزاولة العمل الصحفي الجديد عبر الصحافة الالكترونية التى لا تخضع لا وامر حارس البوابة ولأتخشى مقص الرقيب.
الكل يعلم ان الصحافة منذ نشأتها كانت على الدوام لسان حال الضعفاء واعلاء صوت الجماهير في مواجهة السلبيات التى تعترى اداء الجهاز التنفيذي ومحاربة الفساد الذى استشرى بكل انواعه فمن حق الصحافة ان تكتب وتستمر في الكتابة بجرأة وجسارة ولكن بشرط ان لاتطلق الحديث على عواهنه بل لابد ان تتوفر لديها الحقائق وكافة الادلة الدامغة في مواجهة القضايا الكبرى سبيلها في ذلك الاصلاح الشامل من رأس الهرم حتى قاعدته قاصدين بذلك التأسيس لعمل صحفي استقصائي حر ونزيه بعيدا عن الاهواء والغرض ان كنا فعلا نريد لمخرجات الحوار الوطني ان تتحقق من على أرض الواقع وفق المسئولية الاجتماعية في مسيرة العمل الإعلامي والصحفي المستمد من معتقد وخلق ومثل وعادات وتقاليد المجتمع السوداني القويم .
ان الصحيفة التى لا يجد فيها القارئ آماله وآلامه وكافة مشاكله و قضاياه محكوم عليها بالفشل في نهاية الامر فأن تجرأت للدفاع عن حقوق المواطن فذلك هو دورها المنوط بها لاينبغى للسلطة مجابهته بيد البطش والعدوان مادام الامر وفق قواعد السلوك المهني للصحافة والا يصبح توظيف السلطة للإعلام توظيفا برجماتيا في شكل علاقات عامة يسعى دوما لتحسين الصورة الذهنية او (مسح الجرب على الصوف) على حد تعبير المثل السوداني.
في هذه السانحة ونحن نتحدث عن الصحافة السودانية تذكرت كلمات للأستاذ محجوب محمد صالح وهو يتحدث عن الفترة ما بين 1945 و1969 من عمر الصحافة السودانية يقول ( شهدت تلك الفترة انفجارا في النشر الصحفي لم يسبق له مثيل عشرات من الصحف ما بين يومية واسبوعية وشهرية واقليمية خرجت الى حيز الوجود الكثير منها كان كفراشات الخريف ملفته للنظر لكنها قصيرة العمر )ويكاد نفس الوصف ينطبق على ما شهدناه في مطلع القرن الحالي وفى ذات السياق ردد الدكتور صلاح محمد ابراهيم هذه الكلمات ولكن بمعنى آخر حين قال (انه لا توجد صحيفة في السودان استمرت بلاانقطاع ودون توقف لمدة خمسين عاما ولو كان الامر كذلك لكانت لدينا مؤسسات صحفية استطعنا ان نفاخر بها العالم اليوم.
فالذي ينظر الى حال صحافتنا اليوم بالرغم انها ضاربة في جذور التاريخ لأكثر من قرن واربعة عشر سنة الا ان الحال لا يسر ابد اعلى الرغم من وجود كوادر صحفية ممتازة اعطت خبرتها للآخرين من الوطن العربي ولكن دون احداث تطور ملموس في الداخل….فللأسف الشديد معظم الكم الهائل من الصحف التى تصدر الأن لا تملك مطابع خاصة بها وهى بهذا الشكل لا تعدو ان تكون بمثابة الجسم المشلول حيث تظل و باستمرار تحت رحمة الطابعين الذين يصرون على دخول الصحيفة للمطبعة في وقت مبكر دون مراعاة لمستجدات الاحداث التى قد تطرأ في أي لحظة ان كنا هنا نتحدث عن الصحيفة الورقية كذلك ان معظم الصحف تزاول عملها في بيوت مستأجرة تحولت فيها حجرات المطابخ إلى مكاتب للتحرير ان لم نقل بعض المرافق الاخرى اضف الى ذلك ضعف راس المال لبعض الصحف مما يجعلها تلجأ اما الى زيادة صفحات الاعلان او زيادة سعر الصحيفة او تقليل عدد الصفحات وفى كل الاحوال هو على حساب القارئ مما يجعله امام خيارين اما يشترى الصحيفة او الرغيفة … وفوق كل هذا وذاك نجد ضعف اجور المحررين مع عدم الضمان لاستمرارية العمل ولهذا فكثيرا ما يلجأ اصحاب الصحف الى الاستعانة بالخريجين الجدد وفى النهاية يصبح الامر مجرد محطة انتظار لهم حتى يجدوا البديل المناسب.
أختم حديثي هذا بسؤال هو: أين المجلس القومي للصحافة مما يجرى بشأن مصادرة الصحف أو تعطيلها ؟؟ فهل من اجابة اتمنى ذلك

dafallanour@hotmail.com
//////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً