الصراعُ الإستراتيجي الدوليّ في ملتقى الإعلاميين والعسكريين .. بقلم: إمام محمد إمام

سجّل اليوم الرابع من الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين، انعقاد ندوة مهمة بعنوان “الصراعُ الإستراتيجيِّ الدوليِّ”، قدم أطروحاتها الفريق إبراهيم الرشيد والعميد أمن الدكتور المعز فاروق، أمس (الاثنين)، استعرضت مُجمل المؤشرات التي شكلت إستراتيجيات محددة في إطار الصراع الإستراتيجيّ الدوليّ، مع استصحاب تداعيات ذلكم الصراع على السودان قرابة الثلاثة عقود. واستوقفني في هذه الندوة أن الأخ المعز قدم مقطعاً تسجيلياً من محاضرة لخبير إستراتيجي أميركي، يتحدث فيها عن كيفية إدارة الولايات المتحدة الأميركية للصراع الإستراتيجي الدولي، لا سيما بعد أن أصبحت القطب الأُحادي في العالم، بعد ذُبول نفوذ الاتحاد السوفياتي، وانحصاره في حدودٍ جغرافيةٍ لدولة روسيا الاتحادية، وأسهب في الحديث عن كيفية جعل دولةٍ ما دولةً فاشلةً عبر مُضاغطات سياسية واقتصادية؛ لإنهاكها حتى تعجز عن الانطلاق في برامج تنمية مستدامة، وتنشغل بالتفكير في كيفية البقاء. وتعرضت الندوة إلى الصراعات الدولية والإقليمية، وتأثيراتها على الوضع الجغرافي والسياسي للسودان. من ذلك اشتعال صراعات داخلية من خلال نشوب حركاتٍ متمردة مسلحة، وصراعات قبلية تُشغل الحكومة المركزية والمؤسسة العسكرية عن واجباتٍ كان من المفترض أن توليها قدراً من الاهتمام في زمن السلم.
وأحسبُ أن التخطيط للصراع الإستراتيجي الدولي، وتداعياته على السودان، تشكَّل منذ أمدٍ بعيدٍ، فلم يجد الأخ الفريق إبراهيم الرشيد مناصاً من سرد بعض وقائع، كان عند حدوثها قريب من أهل صناعة القرار، وبتركيزٍ عن زيارة جورج بوش (الأب) نائب الرئيس الأميركي – آنذاك – الذي عمل جاهداً فيها لإقناع الرئيس الراحل جعفر محمد نميري بخطر الحركة الإسلامية التي تغلغلت في مفاصل نظامه بعد المصالحة الوطنية في يوليو 1977، وذلك من أجل تعرية نظام مايو، من السند الجماهيري، ومن ثمَّ القضاء عليه، كما حدث في 6 أبريل 1985، بقيام الانتفاضة الشعبية. وبيّن الفريق إبراهيم الرشيد أن السياسات الأميركية من بعد ذلك، ركزت في إستراتيجياتها زعزعة الاستقرار في السودان، ومن تداعيات ذلك، شغلته عن النهوض بدوره في المنطقة الإفريقية والعربية. واشتد وطأ الإستراتيجيات الأميركية ضد السودان طوال عهد الإنقاذ الحالي، عبر تفكيك الدولة السودانية بانفصال الجنوب عن الشمال في يوليو 2011، واندلاع شرارة الحركات المتمردة المسلحة في دارفور منذ عام 2003 إلى يومنا هذا.
وفي رأيي الخاص، أن الولايات المتحدة الأميركية، ومن يسبح في فلكها، تعي أهمية الدور الإقليمي الأفريقي بالنسبة للسودان، فخشيت تنامي النفوذ السوداني على أفريقيا السوداء، خاصةً وأن عوامل عدة، وظروفاً شتى، تساعد السودان على بسط نفوذه في المناطق الأفريقية بسهولةٍ ويسرٍ، فعملت الإستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية على إعاقةِ هذا النفوذ، رغبةً في عدم تمدده شرقاً وغرباً في القارة الأفريقية.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أن الخبراء الإستراتيجيين الإسرائيليين، عملوا خُططاً إستراتيجيةً لزعزعة استقرار السودان، بحُجية قد تختلف قليلاً من الحِجَاج الأميركي، إذ أن الإسرائيليين يخشون في صراعهم مع مصر، من أن السودان القوي سيكون سنداً وظهراً للمصريين، عند نشوب حربٍ إسرائيليةٍ – مصريةٍ، عليه أرادوا ضعضعة الأوضاع في السودان، حتى لا يتفرغ للنهوضِ بأدوارٍ قد تُؤثر في المدى البعيد على القُوة الإسرائيلية المتنامية ضد القوة العربية المُتضعضعة. ولم يخفِ الإسرائيليون هذه الخطط الإستراتيجية، بل أعلنوا عنها في أكثر من تقرير استخباراتي، سرّبته الوسائط الصحافية والإعلامية الإسرائيلية والغربية.
أخلصُ إلى أن الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين، هدف إلى إحداثِ مقاربةٍ في المفاهيم والمصطلحات بين العسكريين والإعلاميين، من أجل تشكيلِ رأيٍّ عامٍ مؤيدٍ للقوات المسلحة، في حالتيّ الحرب والسلم، باعتبارها المؤسسة الوطنية التي ينبغي أن يتوافق عليها السودانيون جميعاً.
وسيشهد اليوم (الثلاثاء)، ختام هذا الملتقى، الذي استمر قرابة الأسبوع تقويماً علمياً لمحصلة التنوير والمحاضرات والندوات والمناقشات، التي جرت في أروقة هذا الملتقى بقدرٍ من الصراحة والوضوح والشفافية. وشهد يوم أمس (الاثنين) تنويراً استخباراتياً مهماً للمشاركين في هذا الملتقى من إعلاميين وعسكريين، قدمه اللواء جمال من قادة الاستخبارات العسكرية، في حضور الأخ الصديق الفريق عماد الدين عدوي رئيس هيئة الأركان للعمليات، والأخ الفريق صديق عامر رئيس هيئة الأركان للاستخبارات، حيث شكل التنوير جانباً معرفياً في كيفية إعداد العمليات العسكرية من خلال تدفق المعلومات عن العدو، وإعداد الخطط القتالية في إطار ما توفر من معلوماتٍ استخباراتيةٍ، تشكل مرئياتٍ مُستقبلية للقادة العسكريين في التخطيط الإستراتيجي العسكري.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قولَ الله تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ”.
وقول أمير الشعراء أحمد بك شوقي:
وَعَلَّمَنا   بِناءَ  المَجدِ    حَتّى    أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا
وَما  نَيلُ   المَطالِبِ  بِالتَمَنّي    وَلَكِن   تُؤخَذُ  الدُنيا   غِلابا
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ     إِذا  الإِقدامُ  كانَ  لَهُمْ رِكابا

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً