منبر نور
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
الصناعة التي تبدأ من السوق لا من المصنع
كيف نعرف ما يحتاجه الناس قبل أن نستثمر في إنتاج ما قد لا يجد مشتريًا؟
قد يبدو منطق التنمية الصناعية واضحًا للوهلة الأولى: نمتلك أرضًا، ونبحث عن التمويل، ونشتري المعدات، ونقيم المصنع، ثم نبدأ الإنتاج ونبحث عن الأسواق. وقد يبدو هذا الترتيب طبيعيًا، بل ضروريًا في نظر من يرى أن التصنيع هو الطريق الأقصر للخروج من التخلف الاقتصادي.
لكن التجربة الاقتصادية تضع أمامنا سؤالًا مختلفًا: هل يكفي أن ننجح في إنتاج السلعة حتى نكون قد أنشأنا مشروعًا ناجحًا؟ أم أن النجاح يبدأ قبل شراء الآلات، حين نعرف بدقة ما الذي يحتاجه الناس، وما الذي يستطيعون شراءه، وما البدائل التي يستخدمونها، ولماذا قد يفضلون منتجًا على آخر؟
إن المصنع الذي لا يعرف سوقه قد يتحول إلى مبنى مرتفع التكلفة، ومعدات تتآكل قيمتها، وعمال ينتظرون التشغيل، ومخزون يتراكم في المستودعات. أما المشروع الذي يبدأ من حاجة حقيقية فقد ينطلق بورشة صغيرة، ثم يتوسع تدريجيًا كلما أثبتت التجربة أن هناك طلبًا مستدامًا على ما ينتجه.
ليست المسألة دعوة إلى التخلي عن الصناعة أو تأجيل الاستثمار في المصانع، وإنما إعادة ترتيب التفكير الاقتصادي: لا نبدأ بالسؤال عن المصنع الذي نستطيع بناءه، بل عن الحاجة التي نستطيع تلبيتها بكفاءة، ثم نحدد المصنع المناسب لها.
هذه هي نقطة انطلاق إصدارنا لهذا المقال من «منبر نور»، في حوار بين كتابين يضيئان جانبين متكاملين من القضية: كيف يشارك المستخدم في ابتكار ما يحتاجه، وكيف تنتقل القيمة الاقتصادية من نموذج أعمال إلى آخر عندما تتغير حاجات السوق.
حين يصبح المستهلك شريكًا في الابتكار
في كتابه Democratizing Innovation، الصادر عن مطبعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2005، يطرح الاقتصادي والباحث في الابتكار إريك فون هيبل فكرة تستحق التأمل: ليست الشركات وحدها مصدر الابتكار، فالمستخدمون أنفسهم قادرون على تطوير المنتجات وتعديلها وابتكار حلول لمشكلاتهم.
يقع الكتاب في 216 صفحة وتكمن أهميته في أنه ينقل المستخدم من موقع المتلقي الذي ينتظر ما تقرر الشركة إنتاجه إلى موقع الشريك الذي يمكن أن يسهم في تحديد خصائص المنتج وتطويره.
قد يلاحظ المزارع أن أداة زراعية متاحة لا تناسب طبيعة أرضه، فيعدلها أو يبتكر بديلًا أقل تكلفة. وقد يكتشف صاحب ورشة أن قطعة غيار مستوردة تتعطل كثيرًا، فيصمم بديلًا أبسط وأكثر ملاءمة للظروف المحلية. وقد تعرف المرأة التي تدير مشروعًا غذائيًا منزليًا أن المستهلكين يريدون عبوات أصغر، أو طريقة حفظ مختلفة، أو منتجًا يمكن استخدامه دون تجهيزات إضافية.
هذه المعرفة لا توجد دائمًا في تقارير الإدارات أو مكاتب التصميم؛ فقد تكون موزعة بين آلاف المستخدمين الذين يواجهون المشكلات يوميًا.
والدرس الاقتصادي هنا أن السوق ليس مجرد مكان لبيع الإنتاج بعد اكتماله، بل مصدر للمعرفة التي ينبغي أن تسبق الإنتاج وترافقه. وكلما استطاعت المؤسسة الإصغاء إلى المستخدمين واختبار أفكارها معهم، زادت فرصتها في إنتاج سلعة تحل مشكلة فعلية بدل أن تكتفي بتكرار ما تنتجه المصانع الأخرى.
ولا يعني ذلك أن المستهلك يعرف دائمًا الحل التقني الأفضل، أو أن كل رغبة يعبّر عنها تتحول إلى طلب مربح. فالمستخدم قد يصف المشكلة بدقة لكنه لا يستطيع تصميم الآلة التي تعالجها، وقد يرغب في سلعة لا يستطيع دفع ثمنها. وهنا يأتي دور المهندس والاقتصادي والمصمم والمستثمر في تحويل المعرفة المتفرقة إلى منتج قابل للإنتاج والتسويق.
إن العلاقة المثمرة ليست علاقة مصنع يأمر وسوق يطيع، بل علاقة تعلم متبادل: المستخدم يكشف الحاجة، والمنتج يقدم الحل، والتجربة تختبره، ثم تعود النتائج لتصحيح التصميم.
ليست كل مبيعات دليلًا على خلق القيمة
أما الكتاب الثاني، فهو Value Migration: How to Think Several Moves Ahead of the Competition، لأدريان سلايووتسكي، الصادر عن Harvard Business School Press عام 1996، في 327 صفحة
يركز الكتاب على انتقال القيمة الاقتصادية من نماذج أعمال تفقد قدرتها على تلبية احتياجات العملاء إلى نماذج أخرى تقدم لهم منفعة أكبر أو أكثر ملاءمة.
والمقصود بالقيمة هنا ليس مجرد ارتفاع سعر السلعة أو انخفاضه، وإنما قدرة النشاط الاقتصادي على خلق منفعة يقدّرها العميل، وتقديمها بطريقة تتيح للمؤسسة الاستمرار وتحقيق عائد معقول.
قد يكون هناك مصنع يمتلك معدات جيدة، وعمالًا مهرة، وخبرة طويلة، لكنه يواصل إنتاج سلعة لم تعد تلائم احتياجات المشترين. وفي المقابل، تظهر مؤسسة أصغر لا تملك الأصول نفسها، لكنها تفهم تغير الطلب وتقدم المنتج بحجم أو جودة أو طريقة توزيع أكثر ملاءمة.
مع مرور الوقت، قد تنتقل الحصة الأكبر من السوق إلى المؤسسة الثانية، ليس لأنها تمتلك بالضرورة آلات أفضل، وإنما لأنها بنت نموذجًا أقرب إلى ما يريده العميل.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين امتلاك القدرة على الإنتاج والقدرة على خلق القيمة. فقد ننجح في إنتاج سلعة بتكلفة مرتفعة، ثم نكتشف أن المستهلك يستطيع الحصول على بديل أرخص أو أكثر ملاءمة. وقد نستثمر في طاقة إنتاجية كبيرة بينما يكون الاختناق الحقيقي في النقل أو التخزين أو التعبئة أو الصيانة أو الوصول إلى الأسواق.
ولا تعني هذه الفكرة أن كل مشروع كبير معرض للفشل، أو أن المشروعات الصغيرة أكثر كفاءة بطبيعتها. بل تعني أن حجم الاستثمار لا يعوض ضعف فهم السوق، وأن جودة نموذج الأعمال لا تقل أهمية عن جودة الآلات.
حين نضع الكتابين في حوار واحد، تظهر أمامنا نتيجة مهمة: كتاب فون هيبل يساعدنا على فهم كيف نكتشف الحاجة ونبتكر استجابة لها، بينما يساعدنا كتاب سلايووتسكي على فهم لماذا قد تتراجع قيمة نموذج إنتاجي كان ناجحًا في الماضي. وبين الفكرتين تقع مهمة التخطيط الصناعي: أن نصمم مشروعات تتعلم من السوق، وتستجيب لتحولاته، ولا تفترض أن الطلب سيبقى كما كان يوم اتخاذ قرار الاستثمار.
منطق المصنع ومنطق الحاجة
لنتصور مجتمعًا يحتاج إلى منتجات غذائية محفوظة، ومواد بناء، وأدوات زراعية، وقطع غيار، وخدمات صيانة. أمام المستثمر عدة طرق للتصرف.
قد يبدأ بتقليد مصنع قائم في مكان آخر، وينقل تصميمه إلى البيئة المحلية، ثم يبحث عن مشترين بعد اكتمال المشروع. وقد يبدأ، بدلًا من ذلك، بمسح احتياجات السوق، ويحدد المنتجات التي يعتمد الناس على استيرادها أو يحصلون عليها بتكلفة مرتفعة، ثم يدرس إمكانية إنتاجها محليًا.
في الطريق الثاني، لا يكون السؤال الأول: كم تبلغ تكلفة إنشاء المصنع؟ بل: ما المشكلة التي سيحلها؟ ومن سيشتري المنتج؟ وما حجم الطلب الذي يمكن الاعتماد عليه؟ وما السعر الذي يستطيع المشتري تحمله؟ وما تكلفة الإنتاج والتوزيع والصيانة؟ وهل تتوافر المواد الخام والطاقة والمهارات اللازمة؟ وهل توجد بدائل منافسة، محلية كانت أم مستوردة؟
هذه الأسئلة لا تقلل من أهمية دراسة الجدوى؛ إنها تجعلها أكثر واقعية. فدراسة الجدوى التي تبدأ من تكلفة المعدات وحدها قد تكون دقيقة في حساب الإنشاء، لكنها ضعيفة في تقدير فرص البيع. أما الدراسة التي تبدأ من السوق فتختبر العلاقة بين الطلب والإنتاج والتكلفة والقدرة التنافسية قبل أن تربط المشروع باستثمار يصعب استرداده.
والسوق المقصود ليس مجرد عدد السكان أو حجم الاحتياجات العامة. فالناس قد يحتاجون إلى منتج ولا يملكون القدرة الشرائية لشرائه بالسعر المطروح، وقد توجد حاجة كبيرة إلى سلعة لكن توزيعها على مناطق بعيدة يجعل تكلفة وصولها مرتفعة. وقد يكون الطلب موسميًا، أو متقلبًا، أو مرتبطًا بقدرة المؤسسات العامة على الشراء.
لذلك ينبغي التمييز بين الحاجة الاجتماعية والطلب الفعلي والطلب الممكن تنشيطه. الحاجة الاجتماعية تقول لنا ما الذي ينقص المجتمع، والطلب الفعلي يكشف ما يُشترى بالفعل، أما الطلب الممكن فيساعدنا على اكتشاف فرص جديدة إذا تغير السعر أو تحسنت الجودة أو توافرت وسائل تمويل وتوزيع مناسبة.
وهنا يمكن أن يتعاون القطاع العام والقطاع الخاص والجامعات والجمعيات المهنية في جمع المعلومات واختبار المنتجات وتقدير فرص السوق، بدل أن يعمل كل طرف بمعزل عن الآخرين.
السودان: السوق الذي ينبغي أن نقرأه قبل أن نبني له
في السودان، تتسع قائمة الاحتياجات بفعل اتساع البلاد، وتنوع البيئات، وتضرر قطاعات الإنتاج والخدمات، والحاجة إلى إعادة الإعمار. لكن اتساع الحاجة لا يعني تلقائيًا أن كل مصنع جديد سيكون مربحًا، أو أن كل سلعة مستوردة يمكن إحلالها بمنتج محلي دون تكلفة إضافية.
المطلوب هو أن نقرأ السوق السودانية قراءة عملية، تبدأ من حياة الناس والمؤسسات، ومن حركة السلع بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ومن المشكلات التي يواجهها المزارع والتاجر والصانع والمستهلك.
في القطاع الزراعي، على سبيل المثال، لا يكفي أن نقرر إنشاء مصنع لمعالجة محصول معين لأن إنتاجه متاح. علينا أن نعرف الكميات التي يمكن توفيرها بانتظام، وتوقيت الحصاد، والمسافة بين مواقع الإنتاج والمصنع، وتكلفة النقل، ومواصفات المنتج الذي يحتاجه المشتري، وفرص التخزين والتصنيع والتسويق.
وقد تكشف الدراسة أن المصنع الكبير ليس الخيار الأول، وأن وحدة معالجة صغيرة بالقرب من مناطق الإنتاج أكثر جدوى في البداية. وقد تكشف في حالة أخرى أن تجميع الإنتاج من عدة مناطق، مع إنشاء مركز للتخزين والفرز والتعبئة، هو الخطوة التي تسبق التصنيع وتجعله ممكنًا.
وفي مواد البناء، قد لا تكون الفرصة في إنشاء مصنع جديد بالضرورة؛ فقد تكون في تحسين جودة المنتجات القائمة، أو تطوير خدمات النقل والتوزيع، أو تصنيع أجزاء يحتاجها قطاع البناء بصورة مستمرة. وفي الصناعات الغذائية، قد يكون النجاح مرتبطًا بالتعبئة والحفظ وضبط الجودة واستقرار الإمداد بقدر ارتباطه بخط الإنتاج نفسه.
أما قطع الغيار والأدوات الزراعية، فيمكن أن تبدأ الفرصة من قائمة دقيقة بالأجزاء التي تتكرر الحاجة إليها، وتطول مدة الحصول عليها، وترتفع تكلفة استيرادها أو صيانتها. بعد ذلك يمكن اختيار المنتجات التي تسمح المعرفة الفنية والمواد المتاحة بإنتاجها محليًا بجودة مقبولة وتكلفة منافسة.
هذه أمثلة على مسارات للفحص وليست أحكامًا مسبقة بجدوى مصانع بعينها. فكل فرصة تحتاج إلى بياناتها ودراستها الفنية والمالية والتسويقية.
إن السودان لا يحتاج إلى استنساخ الخريطة الصناعية لاقتصاد آخر، بل إلى بناء خريطته الخاصة انطلاقًا من موارده واحتياجاته ومهاراته وقيوده اللوجستية. وقد يتشابه منتجان في الاسم، لكن تختلف جدواهما جذريًا بسبب اختلاف الطاقة والنقل والمواد الخام وحجم السوق والقدرة الشرائية.
كيف نختبر السوق قبل أن نجمّد رأس المال؟
يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى منهج عملي يبدأ صغيرًا ويتوسع بالدليل.
تبدأ الخطوة الأولى بتحديد مشكلة ملموسة: سلعة تتأخر، أو منتج مرتفع التكلفة، أو خدمة غير متاحة، أو جودة لا تلبي حاجة واضحة. ثم يجري الحديث مع المشترين المحتملين، لا لسؤالهم فقط عما يرغبون فيه، بل لفهم ما يشترونه حاليًا، وكم يدفعون، وما المشكلات التي يواجهونها، وما الذي قد يجعلهم يغيرون المورد أو المنتج.
بعد ذلك تُصاغ فرضية تجارية واضحة. مثلًا: هل يستطيع منتج محلي أن يقدم قطعة غيار محددة بسعر منافس وجودة مناسبة، مع توفيرها في وقت أقصر؟ وهل سيقبل المشترون دفع السعر الذي يغطي التكلفة ويتيح استمرار الإنتاج؟
ثم يأتي الاختبار الأولي، الذي قد يكون نموذجًا تجريبيًا أو دفعة محدودة أو إنتاجًا تعاقديًا لدى منشأة قائمة. والهدف ليس تحقيق أرباح كبيرة في هذه المرحلة، وإنما اكتشاف الأخطاء بأقل تكلفة ممكنة. فقد يكتشف المنتج أن السوق يحتاج إلى حجم مختلف، أو أن العبوة غير مناسبة، أو أن العيب الفني أهم من فرق السعر، أو أن المشتري يفضل عقد توريد منتظمًا بدل شراء كميات كبيرة مرة واحدة.
وبعد الاختبار، تُراجع الأرقام: عدد المشترين الذين أبدوا استعدادًا فعليًا للشراء، وتكرار الطلب، والهامش المتاح بعد احتساب التكاليف المباشرة وغير المباشرة، واحتياجات رأس المال العامل، ومخاطر انقطاع المواد الخام والطاقة، وقدرة المشروع على الوفاء بالتسليم والجودة.
إذا دعمت النتائج التوسع، يمكن زيادة الطاقة الإنتاجية تدريجيًا. وإذا كشفت عن خلل، يمكن تعديل المنتج أو تغيير السوق المستهدف أو وقف المشروع قبل استنزاف الموارد. فالتراجع المبكر عن فكرة ثبت ضعفها ليس هزيمة اقتصادية؛ قد يكون أفضل قرار اتخذه المستثمر.
ولا يصلح هذا النهج لكل المشروعات بالدرجة نفسها. فبعض الصناعات الثقيلة والبنية التحتية تحتاج إلى استثمارات كبيرة ودراسات طويلة واتفاقات شراء مسبقة، وقد لا يمكن اختبارها بمنتج صغير. لكن حتى في هذه الحالات يمكن اختبار عناصر من الطلب، وإجراء دراسات سوق مستقلة، والحصول على تعاقدات مبدئية، ومراجعة السيناريوهات قبل اتخاذ القرار النهائي.
فكرة منبر نور: اقتصاد الإصغاء إلى السوق
من الحوار بين الكتابين، نقترح مفهومًا نراه جديرًا بأن يصبح جزءًا من التفكير التنموي: اقتصاد الإصغاء إلى السوق
ليس المقصود به أن نترك مستقبل الاقتصاد لتقلبات الطلب اليومية، ولا أن نختزل التنمية في رغبات المستهلك القادر على الدفع. فالمجتمع يحتاج أحيانًا إلى استثمارات استراتيجية لا يظهر عائدها التجاري كاملًا في البداية، كما أن التعليم والصحة والبنية الأساسية والبحث العلمي قد تتطلب تدخلًا عامًا طويل الأجل.
المقصود هو أن نجعل المعرفة المتجددة باحتياجات الناس والمنتجين والمؤسسات عنصرًا أساسيًا في قرارات الاستثمار، وأن نربط السياسات الصناعية بالتعلم والتجريب وتقييم النتائج.
في هذا الاقتصاد، لا تُقاس جودة المشروع بعدد الآلات التي اشتراها أو مساحة الأرض التي شغلها فحسب، بل بقدرته على حل مشكلة، وخلق قيمة مضافة، وتوفير عمل منتج، والاستمرار في مواجهة المنافسة. ولا يُقاس نجاح السياسة الصناعية بعدد المصانع التي أُعلن عنها وحده، بل بعدد المشروعات التي دخلت الإنتاج الفعلي، ووجدت مشترين، ورفعت الإنتاجية، واستطاعت أن تتعلم وتتطور.
ويقتضي ذلك بناء قواعد بيانات عن المنتجات والاحتياجات والأسعار والتكاليف والقدرات المحلية، وتشجيع المؤسسات على إشراك المستخدمين في تطوير المنتجات، وربط مراكز التدريب والجامعات بمشكلات الإنتاج الفعلية، ومساعدة المشروعات الصغيرة على اختبار أفكارها قبل تحمل أعباء التوسع.
كما يقتضي تغيير طريقة النظر إلى دراسة الجدوى. فالدراسة ليست وثيقة تُكتب لإقناع جهة التمويل بالموافقة على مشروع سبق اختياره، بل أداة مستقلة لاختبار ما إذا كان المشروع يستحق أن يُنفذ، وما البدائل الأفضل، وما الشروط التي تجعل الاستثمار قابلًا للنجاح.
رأي استشاري:
لا تموّلوا الآلة قبل أن تختبروا الحاجة
في تقديرنا، يمكن أن تستفيد برامج إعادة الإعمار والتنمية الصناعية في السودان من إنشاء مسار مؤسسي لتحديد الفرص الإنتاجية واختبارها قبل تمويلها. يبدأ المسار برصد المشكلات المتكررة في الأسواق، ثم يجمع المنتجين والمشترين والخبراء لتحديد المنتجات الممكنة، ويتيح تجارب محدودة، ويقيم النتائج وفق معايير معلنة، قبل الانتقال إلى تمويل التوسع.
وينبغي ألا يتحول هذا المسار إلى طبقة بيروقراطية جديدة، بل أن يكون وسيلة لتقليل المخاطر وتسريع القرارات الجيدة. ويمكن أن تتعاون فيه المؤسسات التمويلية والجامعات والغرف المهنية والقطاع الخاص، مع نشر نتائج التقييم بما يسمح بالتعلم من المشروعات الناجحة والمتعثرة.
والأهم أن يكون قرار التمويل مستقلًا عن حماسة صاحب الفكرة أو جاذبية عنوانها. فقد يكون المشروع محبوبًا اجتماعيًا لكنه غير قادر على تغطية تكاليفه، وقد يكون صغيرًا في بدايته لكنه يفتح مجالًا واسعًا للتشغيل والتوسع. وتظل الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والفنية هي الفيصل، لا مجرد الرغبة في إقامة منشأة جديدة.
الخلاصة: المصنع نتيجة، وليس نقطة البداية
إن الصناعة ليست جدرانًا وآلات وخطوط إنتاج فحسب؛ إنها علاقة متجددة بين المعرفة والحاجة والقدرة على الإنتاج. وكلما بدأ الاستثمار من فهم السوق، ازدادت فرص أن تصبح الآلات أدوات لخلق القيمة، بدل أن تتحول إلى أصول تنتظر من يشغلها.
يعلّمنا فون هيبل أن المستخدمين يحملون معرفة يمكن أن تفتح أبواب الابتكار، ويذكّرنا سلايووتسكي بأن القيمة لا تبقى بالضرورة حيث كانت، بل تنتقل إلى من يفهم تغير احتياجات العملاء ويستجيب لها. ومن جمع الفكرتين نستخلص أن المشروع الصناعي الناجح لا يكتفي بالسؤال: ماذا نستطيع أن ننتج؟ بل يسأل أيضًا: لمن ننتج؟ ولماذا سيشتري منا؟ وكيف سنظل قادرين على تلبية حاجته عندما تتغير الظروف؟
وفي بلد مثل السودان، حيث تتعدد الاحتياجات وتشتد المنافسة على الموارد المحدودة، يصبح هذا السؤال أكثر من مسألة إدارية؛ إنه جزء من حماية رأس المال العام والخاص، وتوجيه الاستثمار إلى ما يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.
قد يبدأ الطريق إلى الصناعة من مصنع ضخم، وقد يبدأ من ورشة أو تجربة صغيرة أو حوار مع مزارع أو تاجر أو مستهلك. لكن نقطة البداية التي لا ينبغي إغفالها هي فهم الحاجة التي نريد تلبيتها.
فليس المطلوب أن نبني مصنعًا ثم نبحث له عن سوق؛ المطلوب أن نفهم السوق، ثم نبني المصنع الذي يستحقه.
مراجع المقال
- Eric von Hippel, Democratizing Innovation, MIT Press, 2005، 216 صفحة
- Adrian J. Slywotzky, Value Migration: How to Think Several Moves Ahead of the Competition, Harvard Business
- School Press
عبد العظيم الريح مدثر
مؤسس منبر نور البحثي *
