الضمير المؤدلج .. قراءة في شهادة رفيده ياسين حول مجزرة ميدان النهضة .. بقلم: إبراهيم عثمان

لم تستطع مراسلة قناة اسكاي نيوز الأستاذة رفيدة ياسين أن تقاوم رغبتها في الشهادة عن حقيقة ما حدث في فض ميدان النهضة ، وكلنا نعرف توجهات اسكاي نيوز والمراسلة ، وقد تجلى الضمير المهني في تغطية القناة لإنقلاب تركيا الفاشل وكيف أنها دعمته بخفة مبالغ فيها بكثير من الأكاذيب التي تناقلها أنصار الإنقلاب داخل السودان وخارجه ، ولعل الأقدار قد أنقذت الأستاذة رفيدة من تغطية وشهادة كانت ستكون هذه المرة لمجزرة ميدان تقسيم .
والشهادة كانت بمناسبة مرور عام على المجزرة ، في مقدمة شهادتها كتبت الأستاذة رفيدة ( عن طريق الخطأ قمت بنشر النسخة الأولى قبل مراجعة تفاصيلها و تصحيحها و اعتمادها مهنياً و إنسانياً ) . لسوء حظي لم أطلع على النسخة الأولى و لكني إعمالاً لحسن الظن سأفترض أن النسخة الثانية تختلف عنها فقط في تدقيق الوقائع توخياً للحقائق المجردة وحدها وحذفاً للإستطردات الموحية و أحكام القيمة . مع ملاحظة أن المراجعة بغرض (تصحيح الشهادة واعتمادها مهنياً ) مفهومة ومستساغة ، لكن غير المفهوم هو تصحيحها ( لإعتمادها إنسانياً ) ، فالمقام مقام شهادة بالحق فهل النسخة الأولى من شهادتها كانت أقل إنسانيةً فصححتها لتحافظ على صورتها وتقلل من من احتمالات الإتهام بالإنحياز أم أنها كانت أكثر إنسانية فصححتها حتى لا تثير غضب النظام وأنصاره ، والإنسانية يفترض أنها معطى مسبق لا يحتاج للمراجعة والتصحيح واعادة الإعتماد . و في ختام شهادتها كتبت الأستاذة رفيدة ( ما تلا الفض من مبالغات و اتهامات و أكاذيب لأي طرف يدفعني لعدم تصديق التاريخ طالما يتم تشويهه بتزوير الحقائق التي عايشتها بنفسي ) و في متن الشهادة وردت كلمة الضمير عدة مرات ، و المقدمة و الخاتمة تعدنا بأن ما بينهما توجد شهادة طرف ثالث محايد يسرد الحقائق المجردة دون إنحياز لهذا الطرف أو ذاك ، و أن شهادتها ستكون واضحة و بعيدة عن الجمل الموحية التي تمتلئ بأحكام القيمة السلبية أو الإيجابية في حق أي طرف من الأطراف ، طبعاً من الصعب أو المستحيل تقريباً تجنب ذلك تماماً فطبيعي أن تكون رواية حدث أو تفصيلةٍ ما في مصلحة هذا الطرف أو ذاك ، ليس هذا ما أقصده ، و لكن ما أقصده هو الجمل الإستطرادية التوصيفية التي لا علاقة مباشرة لها بمجرى الأحداث ، و أقصد أيضاً ألا يكون هناك توجه واحد ينتظم كل الشهادة من أولها لآخرها ، و لكن سرعان ما يتبخر هذا الوعد – الذي كان سيخشاه الطرفان بسبب الإنحياز الأيديولوجي المعروف للشاهدة “سيخشاه الإخوان” وبسبب الوعد بتحكيم الضمير”سيخشاه النظام” – عندما نكتشف بأنه لم ترد في الشهادة بكاملها ( حقيقة ) واحدة قد يتضرر منها الطرف الحكومي ، فكل ما ذكرته لا تنكر الحكومة أي جزء منه ، فالشهادة بكاملها لم تخرج عن الرواية الحكومية بل في بعض ألأجزاء قد تكون أكثر حدة وانحيازاً منها فالحكومة بعد الفض لم تظهر كميات ضخمة للسلاح الخفيف و الثقيل الذي تحدثت عنه (الشاهدة) بشكل أوحى بتكافؤ الجهتين ، و قد ذكرت الكاتبة رفيدة أنها قبل يومين من الأحداث كانت تشم رائحة توتر قادم فكتبت ( اقتربت الساعة و انتشر العسكر ) و لا أظن أن الكاتبة كانت ستعنون مقالها بهذا العنوان لو أن المعتصمين في ذات المكان و الزمان كانوا ممن تتعاطف معهم .
لندخل إلى تفاصيل المقال الشهادة :
١/ العنوان : رفعت الشاهدة شهادتها إلى مرتبة الحقائق فلم تكتب مثلاً “شهادتي ….” أو “بعض الحقائق ..” رغم انها اعترفت في نهاية المقال بأن شهادتها جزئية ، و أيضاً تبنت الشاهدة منذ العنوان مصطلحات النظام :
حقائق : حقائق و ليس شهادة .
فض : و ليس أي كلمة أخرى بريحة الدم الذي فاح من حروف شهادتها .
معركة : منذ العنوان شهادة بأن المعتصمين غير سلميين و أن هناك معركة حقيقية شبه متكافئة دارت .
أنصار الإخوان : ليسو المعارضون للنظام بمختلف توجهاتهم
٢/ توزيع الأدوار بين أطراف المجزرة :
(( أ )) الجيش و الشرطة :
– في أي مرة تحدثت فيها الشاهدة عن إطلاق نار من قبل الجيش و الشرطة كانت حريصة على ذكر أنهم كانوا يفعلون ذلك رداً على مصادر النيران .
– ركزت على تكرار التذكير بأن الجيش و الشرطة قاما بما عليهما من إلقاء المنشورات و الدعوة عبر مكبرات الصوت لفض الإعتصام سلمياً ، و هذه حقيقة طبعاً ، و لكنها تكررت في سياق يقول بأنهما قاما بما عليهما .ولا أظن أن (ضمير) الكاتبة كان سيجعلها تكرر هذا التذكير لو أن ذات الشئ حدث لفض الإعتصامات قبل الإنقلاب .
– نفد صبرهم ( بمعنى أنهم صبروا كثيراً ) بعد سقوطهم قتلى واحداً تلو الآخر ( = إطلاق النار كان دفاعاً عن النفس و بعد صبر طويل )
– ( كان يشعر صغار العساكر و الضباط أنهم باتوا هدفاً مستباحاً بدافع انتقام أنصار الإخوان ) و الجملة توحي بأنه كانت هناك فترة كان الضباط و العساكر يُقتَلون أثناءها و لا يردون حتى وصلوا لمرحلة الشعور هذا ، لا أدري كيف شعرت الأستاذة سهيلة بشعورهم هذا ، و لم تحدثنا بأي تفصيل عن تلك لفترة التي كان الضباط و العساكر يقتلون واحداً تلو الآخر و لا يردون في جمل مستقلة و اكتفت بذكرها كعبارات عامة عندما تحدثت عن تبريرات الرد التي جعلت قوى الأمن تطلق النيران بكثافة . ولم توضح ما تقصده ب ( بدافع انتقام أنصار الإخوان ) ، هل تقصد أن الإعتصام نفسه كان انتقاماً لعزل مرسي أم انتقامهم لعمليات القتل المروع التي تحدث أمامهم ؟
– لم تذكر الشاهدة مشاهداتها لجثث العساكر و الضباط التي جعلت (صبرهم ينفد ) و جعلتهم “يشعرون” بأنهم ( باتوا ( هدفاً مستباحاً )، كان يمكنها أن تحدثنا عن عدد الجثث التي تمكنت من رؤيتها بدلاً من هذا الخلط المتعمد و اللغة المضمخة بالدم و التي تكاد تصور أن الدم الذي سال في ذلك اليوم كان مناصفةً بين قوات الأمن و المعتصمين .
– ( الأمن كان يلقي الغاز المسيل لفض الإشتباك بين المواطنين و المعتصمين ) الأمن الذي يغلق كل المداخل و يعرض كل الداخلين إلى التفتيش هذا الأمن لم يأتِ بالمواطنين / البلطجية هؤلاء معه و هو حقاني و طيب و لم يستعن بهؤلاء و لم ينصرهم في اعتدائهم على المعتصمين بل فرقهم بالغاز ، يا له من أمن مثالي لا مثيل له !
(( ب )) الطرف الثالث / البلطجية :
– كانت حريصة على التأكيد عدة مرات على أنها لا تعرف لأي جهة يتبعون .
– الرصاص المنهمر من المباني المجاورة انقسمت شهادتها حوله إلى قسمين : قسم شهدت بأنه من مناصري الإخوان ، و قسم آخر تعمدت فيه تجهيل الجهة التي يتبعون لها ، و ليكون التجهيل مقنعاً فإنها تُجهِّل أيضاً الجهة المستهدفة برصاصهم حينما تقول إن الملثمين المجهولين كانوا يطلقون النار على مكان الإشتباك بين المواطنين و المعتصمين .
– لم يرد في شهادتها أي ذكر للقناصة الذين كانوا يصيبون المعتصمين في منتصف الميدان و هم غير مسلحين والذين نقلت التلفزيونات صور حية لمقتلهم .
– لم تورد أي حكم قيمة سالب يتناول الطرف الثالث هذا أو ينسب له جريمة في حق المعتصمين . بل شهدت لهم بأنهم كانوا يقولون بأنهم يدافعون عن بلادهم و يواجهون الإرهاب .
– لم ترد في الشهادة أي احتمالات لأن يكونوا “بلطجية ” مدفوعون من السلطة أو ميليشيات تابعة لها .
(( ج )) المعتصمون :
امتلأت الشهادة من أولها لآخرها بأحكام القيمة السلبية في حق المعتصمين إما في كلمات مباشرة أو جمل موحية و الأمثلة كثيرة :
– لم تحتوِ الشهادة على أي حالة شهدت فيها الشاهدة بأن المعتصمين فعلوا شيئاً مع ذكر الأسباب التي دفعتهم لذلك ، لم تضعهم أبداً في أي جزء من الشهادة في موقع رد الفعل .
– كانوا يؤذنون للفجر في غير وقته .
– طردوني سابقاً من الميدان الآخر و خشيت أن أكون هدفاً سهلاً في وسط الزحام ( المعنى لا تستغربوا فهم قد يقتلوني لمجرد أنني قلت ذات يوم أن أعدادهم تتناقص )
– لم يكن الإعتصام سلمياً كما يدعي البعض .
– كثير من المعتصمين بسطاء ( تم استغلالهم ) من قبل الإخوان
– ( بعضهم يدافعون من منطلق ديني بحت ( معتقدين ) أن الموت من أجل هذه القناعة شهادة ستأخذهم إلى “جنات النعيم ” ) و لم ترد إضافات تحمل الغمز من طرف خفي كهذه عندما كان الحديث عن “قوى الأمن/المواطنين/الطرف الثالث/البلطجية” .
– ( بعضهم كانوا أسر بسيطة باحثة عن المأوى و المأكل و المشرب و الملبس ! )
– ( كانوا يصدقون ما يُقال لهم دون نقاش كما القرآن لأنه بالنسبة إليهم الحقيقة التي لا يعرفون غيرها )
– ( المجموعة المتحكمة ( المنتمية تنظيمياً للإخوان ) كانت على درجة عالية من التدريب “العسكري و الأمني” و السياسي )
– ( الإصرار على الإعتصام كان من أجل “الوصول إلى الحكم” ، و كانوا يقولون و “يصدقون” قدرتهم على تحقيق ذلك “النصر المبين” ) السخرية الواضحة في آخر كلمات الإقتباس هذا تكشف عن حكم و موقف و ليس مجرد شهادة .
– انقسام حاد داخل الميدان بشأن الإنصراف أو المقاومة .
– ( أزمة ثقة “حتى” لدى قوى الأمن التي كانت تشتبه في عدم سلمية المعتصمين و تتوقع منهم الغدر بإيقاع قتلى بين صفوفهم ) يا لهؤلاء المعتصمين الأشرار الذين لا يثقون في بعضهم البعض ! و يا لحنية قوات الأمن التي كانت تخاف على المعتصمين من أنفسهم أو قل من أشرارهم !
– جعلوا “صبر” قوى الأمن ينفد بالإغتيالات التي طالتهم “واحداً تلو الآخر”
– ( أنصار الإخوان أصابهم “الجنون” و “فقدانهم لبوصلة ضبط ردود أفعالهم” )
– ( منطق الدفاع عن أنفسهم أكبر من دورهم الحقيقي في بسط الأمن من حولهم )
– ( الرصاص كان ينطلق “بغزارة” من أسلحة “خفيفة و ثقيلة” من داخل مقر الإعتصام )
– ( خلال الطريق شاهدنا العشرات من أنصار الإخوان الملتحين تحت “قبضة الأمن” و في الأرض كمية كبيرة من فوارغ الرصاص لأسلحة مختلفة ) بمعنى ربما يكون هذا رصاص أنصار الإخوان
– ( أي لحظة استسلام قد تقودني و زملائي إلى نهاية رخيصة برصاصة مجهولة لم يعترف بإطلاقها أحد ) و هي محاولة لإثبات – بخلاف الحقيقة و الحصيلة النهائية لعدد القتلى – أن القتل كان كثيراً و متساوياً لدرجة أن يتساوى احتمال موتهم بهذا الرصاص أو ذاك ، رصاص المعتصمين المبادرين بالعنف أو رصاص الذين نفد صبرهم !
– بعض الجرحى كانوا محاصرين داخل الإعتصام و هي لا تدري من المتسبب في حصارهم ، رغم شهادتها في مكان آخر على المحاولات الحثيثة من قبل المعتصمين لإنقاذ الجرحى .
– غابت أي مشاهد إنسانية في شهادتها تحرك العاطفة تجاه مظلوم من المعتصمين أو نافد صبر أو شاعر بأنهم أصبحوا أهداف مستباحة بسبب انتقام قوات النظام .
– تعامل قوى الأمن مع المعتقلين بشئ من القسوة كان بسبب هتافاتهم المعادية .
– لم تورد كلمة عن فوزهم في الإنتخابات و إنما تحدثت عن التمكين بينما الحقيقة أنهم لم يكونوا متمكنين من أي شئ فبرلمانهم محلول و رئاستهم مكبلة و حكومتهم لا يمثلون فيها أغلبية ولا حتى الربع و أهم الوزراء تباهوا بعد الإنقلاب بأنهم لم يكونوا يطيعون الرئيس ، بل بعضهم هم من عزلوا الرئيس المنتخب .
هذه حوالي 20 ملاحظة عن شهادتها في الجمل التي تحدثت فيها عن المعتصمين و كلها تتهمهم و تتتحامل عليهم ، لنترك جانباً ( أكاذيب ) الطرف الذي يدافع عن المعتصمين ، فالشاهدة لم تقصِّر في تفنيدها واحدة وراء الأخرى مع بعض السخرية و التوصيفات التي تستخف بخلفياتهم الإجتماعية و اعتقاداتهم و أعمالهم ، فهل تستطيع الأستاذة رفيدة ياسين أن تدلنا على مثال واحد لحقيقة من حقائقها يمكن أن تفنِّد كذبة من كذبات النظام المصري و أنصاره أو تصحح مبالغة من مبالغاتهم ؟ خاصةً و أنها وعدتنا بأن شهادتها ستكون ضد الكذب و المبالغات (من جميع الأطراف) ؟


salaby2013@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً