أصداء الوعي…
آدم أبكر عيسى..
في العام 1377 للهجرة، بينما كانت أوروبا تهمس بنهضتها القادمة، جلس ابن خلدون في قصره بمصر يكتب للتاريخ قاعدته التي ما زالت تتردد صداها عبر القرون: الظلم مؤذن بخراب العمران، والاجتماع الإنساني لا يستقيم إلا على دعائم العدل. وقبله بأكثر من ألفي عام، حبس أفلاطون أهلَه في كهفٍ عتمة، يرون على جدرانه ظلالاً واهيةً يحسبونها حقيقةً، لا يجرؤون على الالتفات إلى ضوء النهار خلفهم.
⏪كلاهما كان يتحدث عنا.⏩
لأننا في واقعنا السوداني لا نحتاج إلى أفلاطونيين يقودوننا إلى النور؛ نحتاج إلى شجاعةٍ لننظر فيما خلفنا. فنحن نعيش كهفاً مقلوباً بامتياز: ظاهرٌ يتزيّن بالقيم والأخلاق، يتحدث بلغة الوحدة والمصير المشترك، وباطنٌ يتعفّن في أقبح صوره. وكلما ازداد التجميل في ظاهر الكهف، ازدادت في باطنه العتمة، حتى صار نورُ الفسادِ هو الضوءَ الوحيد الذي نعرفه.
⏪التناقض ليس مؤقتاً… إنه بنيتنا..
نردّد القاعدة الذهبية التي جاء بها الفلاسفة والأديان على حدٍّ سواء: «أحبّ لغيرك ما تحبّ لنفسك»، و«عامل الناس كما تحبّ أن تُعامَلوا». نحفظها عن ظهر قلب، لكننا نمارس عكسها في التفاصيل اليومية، بلا وعيٍ ولا مبالاة. فالكراهية عندنا لم تعد موقفاً عابراً تجاه حدثٍ أو خصم؛ إنها متجذّرة في الوجدان، تُطلّ برأسها في كل مناحي الحياة: في الشارع حين يتعطل عرباتنا على خطوط الانتماء لا على إشارات المرور، وفي المؤسسات حين تُقاس الكفاءة بالأنساب لا بالإنجاز، وفي المكوّنات السياسية حين يُختصر الوطن في حزبٍ أو منطقة، وفي العلاقات اليومية حين تُقاطع العائلات عائلاتٍ لجرحٍ قديم لم يشهده الجيل الجديد.
ورغم اتساع الجغرافيا السودانية، وتداخل القبائل والأنساب حتى صار من الصعب على كثيرين تحديد انتمائهم بضيق، لا يزال المجتمع بعيداً كلَّ البعد عن مفهوم الوطن والتسامح. بل إن الكراهية صارت بنيةً نفسيةً واجتماعية لها أدواتها وأسواقها: خطابات تتفاخر بالأنساب وتنابز بها، حتى غدت وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحةً لنشر الغسيل دون أي التزامٍ أخلاقي، مع تفشٍّ واضحٍ لثقافة الانتقام التي تجد في كل أزمةٍ وقوداً جديداً. وحتى أصحاب الأقلام من أهل الصحافة، الذين كان يُفترض أنهم حُماة الضمير، فقدوا مهنيتهم ومصداقيتهم في حلبة المناكفة، فأصبح «الإشعار الأخضر» هو القائد لسوق المدح والذم، يُعلي من شأن حليف اليوم ويهدم من شأن عدو الغد.
وفي خضم هذا كله، تُقلَّل قيمة الإنسان نفسه؛ فكأنه لا يساوي شيئاً إلا بما ورثه من نسب، لا بما يصنعه من خير.
⏪حين يصبح العفاف تهمة.
إن مجتمعاً يصف العفيفَ اليد واللسان بـ«العوير» لأنه لا يأكل من المال العام، ثم ينعت صاحبه بـ«الحرامي» إذا أكل منه لأن مرتبه الحلال لا يكفيه، هو مجتمعٌ محتاج إلى وقفةٍ صادقةٍ طويلة مع نفسه، قبل أن يسأل عن أسباب انهياره.
هو مجتمعٌ لا تُسِرّه الحقيقة، ولا يُسِرّه شيءٌ سوى التغنّي بالماضي دون إنجاز، وتعليق فشله على الآخر: على الاستعمار الذي رحل منذ عقود، وعلى الجيران الذين لهم همومهم، وعلى القدر الذي يُحمَّل ما لا يحتمل. وذاكرته قصيرة، تمحو الصغيرَ بمجرد انتهاء الأزمة، كأن العبرة لا تُستخلَص إلا من ضجيج اللحظة، وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا حين يتكرر، ولا يُتعظ به إلا بعد فوات الأوان.
⏪قمة الهرم… وأدواتها الصدئة.
وفي قمة هذا الهرم الاجتماعي، قياداتٌ أقلّ شأناً ودهاءً مما تُظهر للناس. لم تصل إليه المواهب والكفاءات بالضرورة، بل استفادت من ظروفٍ انقلابيةٍ أو أزماتٍ متتالية وضعتها على رأس الرمح، فإذا بها فاسدةٌ في كل شيء: في القرار، وفي المال، وفي الخطاب، وفي ضميرها قبل كل ذلك.
ويبقى السؤال الملحّ الذي لا يمهلنا تأجيلاً: كيف تتوقف الحروب ونحن نمضي في ذات الظلمات؟ كيف نتعظ من دروس التاريخ وعِبَره دون أن يكون لنا منهاج التسامح؟ ودون أن نُقرّ ، قراراً نهائياً لا شعاراً انتخابياً،بأن المواطنة حقٌّ لا منّة، وأن للجميع حقّ السكن والعيش الكريم، من الخرطوم إلى كادوقلي، ومن بورسودان إلى الجنينة؟
⏪الالتفات إلى الشمس.
يقول أفلاطون إن الخروج من الكهف مؤلم في البداية: فالعين التي اعتادت العتمة تحرقها الشمس. لكنه الخيار الوحيد.
والالتفات إلى الشمس في حالتنا يعني الاعتراف بأننا بحاجة إلى منهاجٍ جديد يقوم على ثلاثة أعمدة: منهاج المواطنة الذي لا يعرف القبيلة ولا النسب معياراً للتفاضل، بل الإنسان بما يقدّم ويحمل من قيم؛ ومنهاج التسامح الذي يحوّل الكراهية الموروثة إلى تعايشٍ واعٍ، لا إلى نسيانٍ سطحيٍّ ينتظر شرارةً جديدة؛ ومنهاج العدل الذي يردّ إلى الإنسان كرامته، فلا يُهان العفيف ولا يُستباح المال العام ولا تُستباح الأرض.
وإلا فإن الظلم، كما قال ابن خلدون قبل قرون، سيظلّ مؤذناً بخراب العمران، وستظلّ الحروب تدور في الحلقة المفرغة ذاتها، يدفع ثمنها الأبرياء جيلاً بعد جيل، حتى يتعلّم أبناؤنا العبرة التي أبينا أن نتعلمها نحن.
فهل نتعلم قبل أن يكون للسؤال معنى؟
