يبدو لكثير من المراقبين ان الصراع السورى المسلح بين المعارضة والحكومة والذي امتد لما يقارب السبع سنوات قد بلغ نهايته وان الحرب الضروس التى شملت سوريا قد وضعت أوزارها او كادت ، وبغض النظر عن توقعات المراقبين والمحللين او حتى الدول سواء أكانت فى محيط الإقليم او على مستوى العالم فان النصر كان حليف بشار الأسد وحلفاءه الذين اداروا المعركة بشيء غير قليل من الحنكة عسكرية كانت او دبلوماسية او سياسية ، فبعد ان كانت المعارضة المسلحة على مرمى حجر من العاصمة دمشق دارت موازين القوى على الارض ثلاثمائة وستون درجة وأصبحت المعارضة التى كانت ترى سقوط دمشق رأى العين – أصبحت – فى شهور قلائل فلولا تبحث عن مجرد طريق ينقلها الى بر الأمان حتى ولو كان ذلك بإبرام اتفاقا مع عدو الامس نظام بشار للأسد . فجب البحث بعد ذلك عن السبيل الذى تستطيع به الدولة السورية بسط حكمها على التراب السورى ، وذلك ان سبع سنوات من الحرب الضروس بكل تبعاتها الثقيلة تلك لن تكون غير عقبة كئود على طريق الحكم الرشيد ، فعلى اسوأ الفروض فان إعادة الأعمار للبيوت والنفوس- على السواء – التى دمرتها تلك الحرب يحتاج الى كثير من الحكمة واقل موجبات تلك الحكمة هى ضرورة التفاف الشعب السورى كله حول القيادة والوثوق بها وهو امر يحتاج الى تضحيات جسيمة ليس من جانب النظام وحده بل من جانب الشعب الذى ذاق الأمرين موتا وإصابات ولجوء ونزوحا .
نريد فى هذه العجالة ان ندلو بدلونا حول سبل الخروج من تلك الاذمة ونبادر بالقول ان العدل والحق هما السبيل الى ذلك الخروج والعدل الحق الذى نعنيه هنا هى العدالة الانتقالية التى يجب ان تكون مرحلة حاسمة ولازمة للوصول الى تصالح كامل بين الشعب والسلطة
ليس ضربا من الخيال أن نقترح سبيل يحقق العدل والحق على نظام دانت له السيطرة بقوانيين الحرب على عدوه ، وليس من السذاجة ان يقوم النظام السورى بعد كل تلك المعاناة بإدخال نفسه طواعية فى نفق المحاسبة والعدالة والحقيقة ولكن حكم الدولة فى حالة السلم ليس كحكمها فى حالة الحرب وإعادة تأهيل شعب بكامله ليس امرا تقوم به القوانيين والأوامر او حتى سلطة الدولة بكل ما تحمله من ذهو بالانتصار وفرحة بالفوز، انما هو شىء تعمل فيه النفوس شهر بعد وعام اثر عام حتى تصل الى نهاية يندمج فيها الشعب تحت راية الدولة يفرح المنتصر بانتصاره ويرض المهزوم بهزمته وتصبح النفوس بعد ذلك راضية عما تحقق , فماهى العدالة الانتقالية التى يجب ان يدخلها النظام ضمن آلياته لتأهيل الدولة السورية كلها مما مرت به خلال سبع سنوات حسوما.
أول ما نشير اليه هو ان العدالة الانتقالية تطبق فى حالة الانتقال من الحكم الشمولى الى الحكم الديمقراطى كان بذلك بثورة شعبية عارمة ام عبر انقلاب عسكرى ولكن الأمر فى سوريا مختلفا فى العديد من جوانبه حيث لا يوجد انتقال حقيقى من شمولية الى ديمقراطيه ولم تكن هنالك ثورة شعبية او انقلاب عسكرى ولكن الذى دعانا الى القول بتطبيق العدالة الانتقالية على الوضع فى سوريا هى الجرائم المروعة التى تم ارتكابها ضد المدنيين اثناء تلك الحرب ونحن نحسب ان جوهر العدالة الانتقالية هو الانتقال من مرحلة الحرب الى مرحلة السلم عبر المصالحة والعقاب عدلا من ناحية وحقا من ناحية اخرى
لم يكن من السهولة بمكان الوصول الى إجابات شافية لمعضلات العدالة فى مرحلة انتقال السلطة حيث تطفو على السطح قضايا جوهرية أخلاقيا وقانونيا وسياسيا، وغالبا ما تتنازع الرغبة الأخلاقية بمعاقبة المذنب مع معطيات الواقع السياسي الذى يفرض ارساء دعائم الوحدة الوطنية من جهة مع المتطلبات القانونية للدولة الديمقراطية من جهة ثانية ويبقى الظفر بالمعركة على السلطة ايسر بكثير من اقامة العدل . من هذا المنطلق يجب على النظام السورى البحث عن صيغة يتلاءم بها مع مجموع الناس الذين سحقهم الصراع المسلح الدامى على مدى سبع سنوات وليس أفضل صيغة من تلك التى تسمى العدالة الانتقالية وذلك بالتركيز على مزيج من الإنصاف المحدود بضوابط قانونية والاعتراف الرسمى بالحقيقة حيث تبشر سياسات الحق والعدل بان تكون بديلا لنقيضين لا يجتمعان العقاب العنيف وسلوان الماضى ، فتقدم مقاربة العدالة الانتقالية شيئا من العدالة يقوم مقام العدالة الوحشية او الغياب التام للعدل .
لا بد ان بعضا من أركان النظام السورى يدور فى تصوره إخضاع كل الاماكن اتى شكلت حاضنة شعبية للثورة السورية المسلحة وتلقينها – من بعد- درسا قاسيا بحيث لا تفكر فى العودة مجددا الى مثل هذا السلوك ، ويمثل هذا الانتقام العنيف الذى لا يورث الا المرارات والضغائن من جانب قسم كبير من الشعب نوعا من المحفز الى موجة أخرى من الثورة العنيفة التى يقودها اناس يائسون فتصبح صراعا مسلحا ليأخذ دورته مرة اخرى ، لهذا فيجب على آخرين فى معية الحاكم التفكير فى الدولة السورية والعمل على إعادة بناءها وتأهيلها ليس من جانب البنية التحتية المدمرة فقط ولكن فى جانب الوحدة الوطنية المسحوقة بنزوح الشعب ولجوئه لمن ترك داره ، وبانكسارات الموت والجوع والفقر والمرض والإعاقة لمن بقى فى مكانه
العدالة الانتقالية التى نرى أنها يمكن ان تكون مخرجا مناسبا للوضع القائم الآن فى سوريا تبنى على الاعتراف الواضح من كل اطراف النزاع فى سوريا بالانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولى الانسانى اثناء الصراع الدامى بين الحكومة والمعارضة وهذا الاعتراف يبنى على جانب قانونى هو تأكيد الكثير من المنظمات المعنية على وقوع تلك الانتهاكات على نطاق واسع إثناء تلك الحرب ودعوة تلك المنظمات لإنشاء محاكم دولية لمحاسبة المتهمين عن تلك الانتهاكات او احالة الأمر برمته الى محكمة الجنايات الدولية تحت البند الثانى من المادة 13 من ميثاق روما اما الجانب الاخلاقى فيتمثل فى رد الاعتبار لكل أولائك الضحايا الذين كانوا محل تلك الانتهاكات الفظيعة واقل ما يجب لهم هو العمل على محاكمة الأشخاص المتهمين عن ارتكاب تلك الانتهاكات . وعليه فان إضلاع العدالة الانتقالية تتمثل فى الاعتراف بوقوع تلك الانتهاكات وتقديم من قاموا بارتكابها الى محاكمات عادلة .
لا ندعى بان النظام السورى او حتى المعارضة المسلحة من الشفافية بحيث تقوما بمحض اردتيهما بإنشاء محاكم لمحاكم نفسيهما ولكن التعويل حول هذا الامر يكون على المنظمات الحقوقية الدولية والدول المؤثرة على النظامين السورى والروسى حيث لا امل مطلقا فى مجلس الأمن طالما ان الفيتو الروسى حاضرا لحماية أولائك الذين كانوا سببا فى النصر الكبير فى نهاية الأمر ، وعلى هذا فان الضغوط التى تمارسها المنظمات الحقوقية المختلفة يمكن ان تشكل سببا فى اتجاه النظام والمعارضة فى سوريا للقيام بعمل ما لمحاسبة منتهكى القانون الدولى الانسانى اثناء الحرب وحينها يجب وضع العدالة الانتقالية على طاولة البحث كمخرج معقول لترميم ما فعله الدهر بسوريا اولا ولمحاسبة المتهمين عن ارتكاب تلك الانتهاكات الجسيمة والتى لا يجب باية حال من الاحوال ان تمر دون محاسبة وعقاب
الأمر الأخير الذى نريد الإشارة اليه هو ان المعارضة السورية لن تقف عند حد هذه الهزيمة العسكرية فى الميدان ولابد ان يكون لديها بدائل للمقاومة تستطيع بها ملاحاة
السلطات حتى لا تهنأ بهذا النصر وهو شئ يدعوا الى التنادى للجلوس سويا لوضع آلية العدالة الانتقالية موضع البحث ثم التنفيذ
najisd2013@hotmail.com
//////////////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم