كنت عزيزَ الجانبِ بقدامى الأصدقاء
بألوانٍ من الإيناس والمسامرة ظلوا يكتنفونني كلما استحضرتهم بفرقعات من صنائع الحواة، يحدثها احتكاك إصبعي الوسطى والإبهام حين يستدعيان من هم في حكم الغياب: أنْ كونوا، فيلبِّي الصحاب النداء، ويلتئم شملهم بعد أن كانوا مشتَّتين كآرابِ الطيرَ، الّتي فرَّقها النبيّ إبراهيم على رؤوسِ الجبالِ بأمرِ ربِّه، ثم ناداها من الموتَ، فإذا هي تامةً صائتةً مكسوّةً بالريش تأتيه سعيا*. وبتقدمِ الوقتِ يدبُّ في نفوسِ المستحضَرين دبيبُ المللِ والنعاسِ والتثاؤبِ، وينفشَّى بينهم التوق إلى الغيابِ، فيتبخّرون من حولي، كفقاعاتٍ من الأحلامِ في آخرِ الليل.
متلفعاً بكساء الكآبةِ قاتمِ الألوان يحلّ مساءُ الشتاءِ، فيشرع قدامى الأصدقاء في التوافدِ آحاداً كأنّهم قطراتُ ماءٍ تستحلبه ذاكرتي من كلّ جهات الريح.
ينسلّون إلي الدار، في خفّةِ الأشباحِ، دون أن يُفتَحَ لهمُ البابُ، منسربين إلى البهو الذي تموج فيه الذكريات،
تنبعث من أركانه في خفوت أغنية ” السنديانة الحمراء” **، تضمَّخه أعواد نَدِّ متقدة، وتضيئه قناديلِ شمعدانِ موشاة ِالنورِ في قصيّ الزوايا والأركانِ بظلالٍ تتنفّس بعيداً عن الأنظار خلفَ الستائرِ المسدلةِ على عالمها المحكم الانغلاق. تلك الظلالُ أو الأردية السود السابغة من قمّة الرأس إلى أخمص القدمين، هي في واقع الأمر كلّ مايمكن رؤيته من ملامح مختفين، يقضون سحابة يومهم في استنساخِ المنشورات الممنوعة، والتنادي همساً بالأسماء الحركيّة والهويات المستعارةٍ.
يتّخذون مقاعدهم إلى مائدةِ العشاءْ كإخوة سواسية ليس بينهم آمر ولاناهٍ٬ ولارئيس ولامرؤوس، أطهاراً من أدواء الأثرة وحبّ التسلّط ومراكمة الثروات والجري وراء الشهوات، يتحلّقون بمقعد صاحب الزمان أول صورة للإنسان الجديد الذي خلع ثعبانية إهابه القديم الذي شكلته عصور هيمنة الملكية الخاصة، وتحرر من كثافة المادة حتى تسامى وشَفّ، فأصبح لايُرَى، مُغيِّباً معه إمتيازات السلطة إلى الأبدّ، صاحب الزمان الحاضر الغائب الذي لايُرَى منه سوى مقعده الخالي، مثلما لايُرَى من المختفين سوى ظلالهم المتحركة.
وعند الفراغِ من الطعامِ والشرابِ والجدالِ الحامي وتلاوةِ الشعر والمؤانسةِ (كل ذلك كان مزاجه كافورا)، نهبُّ جميعاً قارعين بحماسة يخرق صوتها الجهير قواعد التأمين الخاصة بالحفاظ على سريّة المخبأ وصيانته من كيد الأعداء الطبقيين، حماسةٍ تنتفض فيها تحت ترسُّبات الزمنِ جلجلةُ أصواتِنا القديمةِ الثملى بنشيدِ الأُمميةِ، قارعين مترعَ الكؤوسِ بنيذِ الصداقةِ الخالدةِ والرفقةِ الوفيّة.
لكنّهم بالأمس غابوا، فتركتُ آنيةَ الطعامِ وأقداحَ الشرابِ في موضعها دون أن تُمسُّ، حائراً فيما قد تكونُه عِلَّة الغيابِ المفاجيءِ الذي لم يسبقه انذارٌ: هل تراهم يئسوا من طول المسافة الهائلة التي تفصلهم عن المخبأ، ففتحوا بوابة الدنيا، وأوصدوها وراءهم بعد الخروج، أم هي نسور المقادير استفردت بهم وتخطَّفتهم دفعةً واحدةً، أم هي الأنواء عطَّلتْ مقدمهم، أمِ هي السُبُلُ تقطّعتْ بهم في رمالِ فلواتٍ،
أو في مجاهلِ أدغالٍ، أو في شعابِ جبالٍ مكسوّةٍ بجوخِ الثلوج، أوفي أعالي بحارٍ تستثير حساسيةَ أمواجِها المُفرطةِ رياحُ الشتاءِ، أم يكون يهوذا الإسخريوطي المبعثرُ الذِكر كرمادِ ميت تذروه الرياح في كلّ الجهاتِ، قد أوشى بهم إلى حرَّاسِ ملوكٍ وحُكّامٍ غِلاظٍ شِدادٍ، فانحبسوا عنِّي في عينِ اللحظةِ التي انطوتْ فيها كفُّه المرتعشةُ على فتنةِ ثلاثين من الفضة ملوّثةِ بخيانةِ الأصدقاءِ، قدامى أصدقائي الّذين خلتْ مقاعدهم إلى مائدةِ العشاءْ؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم