العلمانيون والديقراطية .. عبد الإله بلقزيز نموذجاً .. بقلم: إبراهيم عثمان
من كثرة ما كتب الدكتور عبد الإله بلقزيز عن المثقفين وعلاقتهم بالسلطة وأدوارهم والممكن والممتنع منها ، ومن كثرة ما شخص من أمراضهم ، غلب على ظني أنه سيكون أبعدهم عن الوقوع في الأمراض التي شخصها ، فالرجل خبير بتلاعبات المثقفين ، و صاحب موهبة استثنائية في تطويع الكلمات ونحت بعضها وتحميلها بالمضامين المدهشة ، واستطاع في كتبه مقاربة عدة قضايا إشكالية بوعي كبير ، وقدم أطروحات جديدة في العلاقة بين كثير من الثنائيات المتضادة ،مثل المعرفي والأيديولوجي في الفكر العربي ، والأصالة والمعاصرة ، والعلمانية والإسلام ، والمعارضة والسلطة ، وتمكن بمهارة من معالجة العلاقة الملتبسة بين الإلتزام السياسي والإلتزام المعرفي الأكاديمي . كتب بلقزيز كتابه القيم ( نهاية الداعية ، الممكن والممتنع في أدوار المثقفين ) فأجاد وأبدع حتى ظننت أنه أبداً لن يكون تحت أي ظرف من الظروف أحد جنود “الميليشيات الفكرية” التي لا تجادل الآخر بالحجة بل بسيف المنع والبتر والحظر ، وأن رصيده المعرفي الضخم سيعصمه من أن يكون جزءاً من (( الفوبيا الثقافية ، والحرب الأهلية الفكرية ، ووعي الفتنة ، والوعي المحارب، والأقطاع المعرفي ، والهوس الرسولي للمثقفين ، والنزعة الخلاصية الطوباوية … إلى آخر ما تحدث عنه وعالجه من ظواهر مرضية )) ، وأنه بوعيه المتقدم لن يكون من ضمن الذين يقومون ب ((“تحويل المجال الفكري إلى مقاولة”)) ، وأن التزامه الذي يجاهر به ويفتخر لن يجعله (( يدفع ثمناً باهظا من دوره الفكري والمعرفي والثقافي فيهبط به من معناه كمالك لرأسمال رمزي -هو المعرفة- إلى مجرد ناشط سياسي … ، إلى داعية )) . وكنت أظن أن انتقاده للدور “فوق الثقافي” عند المثقفين ( = الدور الإستعلائي الرسولي الدعوي كما سماه ) ، سيعصمه من أن يكون داعية بإمتياز بل داعية مدلس يبيع للجمهور الأكاذيب والأوهام ، ومن الوقوع في إزدراء الآخر والأفتراء عليه والإنتقاص منه وتأييد الإقصاء التام له ما لم يتب و يمشي على صراط القوميين العلمانيين المستقيم ولا ينافس على سلطة ولا يمارسها ، فالسلطة المطلقة من حق الدولة ومرشحيها للإنتخابات !
تحدث الرئيس التونسي المنصف المرزوقي عندما حدث الإنقلاب في مصر حديثاً سلبياً عن النظام المصري الجديد وطريقة تعامله مع المعارضين ، وطالب بإطلاق سراح الرئيس مرسي ، فكتب بلقزيز مقالا نارياً بعنوان ( مصر التي لم تغنِّ بعد “إنما للصبر حدود” ) يلوم فيه النظام المصري على عدم محاسبته لهذا الرئيس الذي لم نسي شروط وقيود المنصب الذي يتقلده ولم ينس أنه ناشط حقوقي ، والطبيعي عند بلقزيز هو (( أن هذا المنصب، وهو نصاب سياسي مجرد في الدولة، يفرض قِيَمَهُ على من يتقلده لا العكس )) ، ثم وضح تفسيرا محتملاً لعدم الرد المصري على تطاول الصغير المطعون في شرعيته المنصف المرزوقي ( أي والله حوى المقال طعناً في شرعية وصول المرزوقي إلى منصب الرئيس ) على الكبيرة مصر وثورتها ورئيسها الديمقراطي ذو الشعبية الكاسحة ، فسر ذلك بقوله (( ولعل مصر تَعْرف كيف ترد ومتى ترد، دفاعاً عن ثورتها ومكتسبات شعبها، أكثر مما يعرف الحريصون عليها من خارجها . بل لعلها تأخذها عزة النفس بحيث لا تلتفت إلى الصغار، أو تؤجّل محاسبتهم إلى حين، أو تتركهم إلى ضمائرهم إن كان فيهم بقية من ضمير )) . هل لاحظت كلمة “ضمير” في آخر الإقتباس ؟ كم تحتاج من الغفلة وخفة العقل لتتفق مع بلقزيز بأن غياب الضمير هو ما جعل المرزوقي ينسى أنه رئيس (مشكوك في شرعيته) ويتصرف كناشط حقوقي ويتحدث عن الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ؟
لا توجد تعليقات
