تلك الراية الباذخة الشامخة ليست مجرد ألوان صامتة.. بل إنها تعكس تاريخ أمة وأشواق أرض تلتمس إلهاب وتأصيل الوطنية في النفوس تعبيراً عن أحلام الشعوب وارتقاءً بالألون والرموز إلى ما وراء الواقع المُشاهد. تخليداً للذاكرة الجمعية الصائنة للتراب وإذكاءً لروح التوافق والتعاضد والتسامي فوق ما هو صغير.
نستدعي في هذا المقام الأكاديمي الأمريكي ويتني سميث (Whitney Smith) والذي بشغفه وولعه بالرايات والأعلام، قدم مبادرات جمة تكللت بتكوين الاتحاد الدولي لِعِلْمِ الرايات في ستينيات القرن الماضي والذي يعرف اختصاراً بـ ” .“FIVA حيث يهدف الاتحاد وفقاً لمادته الثانية من دستوره إلى توحيد الجمعيات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم التي يتمثل هدفها في السعي وراء علم الرايات/الأعلام ، وهو إنشاء مجموعة من المعرفة حول الأعلام بجميع أنواعها وأشكالها ووظائفها. فضلاً عن تطوير النظريات والمبادئ العلمية القائمة على تلك المعرفة.
فالسودان كان ملهماً له ضمن دول وأمور أخرى. إذ أورد الأكاديمي المذكور في مذكراته أن ذلك الإلهام قد بدأ يخالجه منذ صغره حتى بلغ مداه عندما تواترت أعلام جديدة في سماء العالم في خمسينيات القرن الماضي حيث أشار إلى السودان وإلى غانا اللتان أعلنتا استقلالهما، كما أن مصر وسوريا قد اتحدا في ذلك الزمان فضلاً عن أن هنقاريا قد بدأت خطوات نحو التخلي عن الارتباط الشيوعي في تلك الحقبة. كل ذلك أدى إلى ورود أعلام ورايات جديدة في فضاء العالم تحكي أشواق جديدة لتلك الدول.
واستطرد الأكاديمي بقوله إن شغفه بالأعلام والرايات قد تجلى لاحقاً في العام 1957م عند زيارته لمدينة نيويورك ومشاهدته في مقر الأمم المتحدة أعلاماً خفاقة لستين دولة. تلك الأعلام جعلته يسمى مدينة نيويورك “عاصمة العَلَم”. خلال تلك الزيارة الملهمة قال لبعض رفاقه المهتمين بذات الشأن أنه قد صاغ مفردة جديدة لعِلْمِ الرايات مستمدة من جذر لاتيني. هكذا فقد أدخل ذلك الأكاديمي الشغوف كلمة جديدة في القاموس هي عِلْمُ “الفيكسيلولوجيا” أي عِلْمُ الرايات vexillology” ” والتي تنحدر من الكلمة اللاتينبة “vexillum” التي تعني العَلَمَ أو الراية.
وها نحن في السودان رأينا وعايشنا ونعايش كثرة الرايات والأعلام التي ترفرف فوق سمائنا.. أعلام وقد زاحمت العلم الوطني بألوانه وأبعاده ومواصفاته المعروفة للقاصي والداني.
فهاهي بعض الأحزاب والفرق والجماعات والتنظيمات السياسية والحركات المسلحة، كل وقد اتخذ له عَلَماً. فصارت الراية ترفرف جنباً إلى جنب مع العلم الوطني في المسيرات والمواكب والمناسبات العامة وغيرها. وفي بعض الأحيان لا نرى أثراً للعلم الوطني إلا لماما عند تزاحم الرايات الأخرى.
إزاء كثرة المواكب والمسيرات والاعتصامات من هنا وهناك، هذه دعوة لتخفيف وطأة زحام الرايات الأخرى استصحاباً لروح الوطنية .. تفعيلاً لقانون العلم الوطني السوداني لسنة 1993 “القانون” الذي أورد في مادته التاسعة قواعد صارمة في وضع العلم في المواكب والمسيرات، من حيث موقِعُه وجِهتُه تعظيماً حتى يَيُزَّ ما عداه من رايات لاختلاف الرايتين. فالأولى مظلة جامعة مانعة تشمل الجميع بلا استثناء في حين الأخريات تتقوقع فئوياً فبعضها اتحادياً، ومنها استقلالياً وتلك تتمترس مناطقياً وجهوياً وهذه أيديولوجيا.. وتلك تنادي بالقومية وأخرى بالاشتراكية.. وهكذا تقسيم وقسمة وانقسام.
فمنعاً للخلط والاختلاط جاء القانون المذكور. فبحسبه، فقد أرسل رسالة شافية وافية تصب فيما نطمح إليه. ففي حالة رفع علمٍ آخر مع العلمِ الوطني في أي موكب أو مسيرة، أوجب القانون المذكور أن يُرفع العلمُ الوطني في مقدمة الموكب أو المسيرة من الناحية اليُمنى، على أن يُرفع العلمُ الآخرُ من الناحية اليُسرى. أما إذا تعددت الأعلام الأخرى في أي موكب أو مسيرة ففي هذه الحالة يُرفع العلم الوطني في مقدمة الموكب أو المسيرة في وسط الأعلام الأخرى. فهل ذلك كذلك؟.
نأمل أن يكون وَلَعُنا براية واحدة وعلم واحد لسودان واحد عملاق بلا تشرذم وشقاق. بهذا نكون قد أصبنا نهجاً باتخاذ مبدأ جمع الشمل عنواناً بإلهام نستقيه من الدكتور/ ويتني سميث.
فهلا نعتبر..
د. عارف تكنة
19/أغسطس/2021م
a.takana@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم