بقلم: د. محمد محمود الطيب
تأتي نتائج امتحان الشهادة السودانية في السنوات الأخيرة لتدق ناقوس الخطر وتكشف عن اختلال هيكلي عميق في مجتمعنا؛ حيث أصبحت قوائم الأوائل والمتفوقين شبه حصرية لطلاب المدارس والقطاع الخاص الاحتكاري. لم تعد هذه النتائج مجرد مؤشر للتفوق الأكاديمي أو الاجتهاد الفردي، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لطبقية مقيتة تُقسّم المجتمع السوداني إلى فئتين: فئة تملك القدرة المالية لشراء تعليم نوعي، وأخرى مغلوبة على أمرها تُدفن مواهب أبنائها تحت ركام المدارس الحكومية المنهارة والمهملة.
عندما نادى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بمقولته الخالدة: «التعليم كالماء والهواء، حق لكل مواطن»، لم يكن يستعرض بلاغة لفظية، بل كان يؤسس لفلسفة لبناء الدولة الوطنية الحديثة؛ فلسفة تنظر للتعليم باعتباره خدمة عامة وحاجة حيوية لا ينبغي الاستثمار فيها كسلعة تجارية. وقد تجسد ذلك عملياً عندما تولى وزارة المعارف وقاد ثورة مجانية التعليم، مدركاً أن تجريد التعليم من البعد التجاري هو الضامن الوحيد لتكافؤ الفرص وبناء المواطنة المتساوية.
إن الخطر الحقيقي لخصخصة التعليم وتسليعه لا يقتصر على الآثار الاقتصادية المباشرة المتمثلة في استنزاف المداخيل الشحيحة للأسر وجشع المافيا التعليمية التي تتكسب من حق أصيل، بل يتعداه إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتعميق الفوارق الطبقية. فالتعليم الحكومي المجاني كان عبر التاريخ السوداني -في عهود مدارس كـ”حنتوب” و”خورطقت” و”وادي سيدنا”- يمثل البوتقة الوطنية التي تجلس فيها كافة أطياف المجتمع على مقعد واحد؛ حيث يدرس ابن الموظف بجوار ابن العامل والزراع، مما يخلق وجداناً مشتركاً وحساً وطنياً جامعاً. أما اليوم، فإن السلعنة كرست لتنشئة شريحة جديدة ينتابها شعور بالأنانية وضعف الانتماء الوطني، لشعورها التلقائي بأن ما نالته من معرفة وتفوق كان نتيجة مقابل مالي دفعه آباؤها، وليس منّة أو خدمة قدمتها لها الدولة.
حتى أعتى الأنظمة الرأسمالية واقتصادات السوق لم تفرط في مجانية التعليم العام (من الروضة وحتى الثانوي)، لإدراكها الجازم أن بناء رأس المال البشري الكفء هو المحرك الأساسي للتنمية والنمو الاقتصادي المستدام. إن ترك التعليم العام تحت رحمة آليات السوق الحرة والتكسب التجاري يُعد قصر نظر اقتصادي يؤدي إلى هدر طاقات هائلة من العقول والمهارات لدى أبناء الفقراء والمهمشين.
إن العودة الشجاعة لنظام مجانية التعليم العام ودعمه حكومياً عبر توفير ميزانيات حقيقية وتدريب المعلمين وإعادة تأهيل البيئة المدرسية، ليست خياراً رفاهياً أو شعاراً عاطفياً، بل هي الخطوة الأولى والأساسية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي الشامل. فبدون مدرسة حكومية مجانية وقوية تصهر أبناء الوطن الواحد وتضمن تكافؤ الفرص، سنظل ندور في حلقة مفرغة من التهميش والغبن الاجتماعي والتفكك الوطني. لقد حان الوقت لتصحيح هذا المسار وإعادة التعليم إلى مكانته الطبيعية.. حقاً أساسياً كالماء والهواء.
