باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 25 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم برسي
إبراهيم برسي عرض كل المقالات

العيالاتية… ما الذي أخافنا في غلاف كتاب لم يصدر بعد؟

اخر تحديث: 25 أغسطس, 2026 10:23 صباحًا
شارك

إبراهيم برسي

حدث شيء طريف، ومزعج في الوقت نفسه، مع كتابي “العيالاتية”.

الكتاب لم يصدر بعد.

أعمل عليه منذ أكثر من عامين، وما زلت أراجع مادته، وأضيف إليها وأحذف منها، وأعيد النظر في بعض أبوابه ومصطلحاته وطريقة معالجة الشهادات والحكايات التي وصلتني. حتى الغلاف الذي أثار كل هذا الضجة ليس غلافًا نهائيًا، وإنما تصميم أولي طُرح للنقاش، وقد نصحني أكثر من صديق وفنان ومصمم، لأسباب فنية في المقام الأول، بإعادة النظر فيه، وهذا ما أفعله الآن.

ومع ذلك، وجدت نفسي خلال الأيام الماضية أمام مشهد يدعو للتأمل: أناس في مواقع التواصل الاجتماعي يناقشون كتابًا لم يقرأوه، ويستنتجون مقاصده، ويحددون جغرافيته، ويكيلون السباب لمؤلفه وبعضهم ذهب أبعد من ذلك وحدد حتى أجندته السياسية، وللأسف بينهم اسماء محسوبة علي الفضاء الثقافي.

بدأ الأمر من صورة الغلاف.

ظهرت في التصميم بعض قباب أم درمان ومعالمها، فقيل إن الكتاب يحصر الظاهرة في أم درمان. وقرأ آخرون الصورة باعتبارها إشارة إلى الشمال النيلي، بينما ذهب فريق آخر إلى أن القباب تعني أنني أربط الظاهرة بالإسلام والمسلمين. ثم ظهرت قراءة أكثر إثارة للدهشة تقول إن الكتاب نفسه ربما يخدم أجندة سياسية غرضها إلهاء الناس عن قضايا أكثر أهمية.

ولا أريد هنا أن أصادر حق أحد في نقد التصميم. بعض النقد الذي وصلني أفادني فعلًا، خاصة الآراء الفنية التي نبهتني إلى أن الصورة قد تقول شيئًا لم أقصده. وهذه ملاحظة أحترمها؛ فالكاتب يعرف ما يدور في رأسه، أما القارئ فلا يرى إلا ما وضع أمامه. وإذا كان التصميم يسمح بهذا القدر من الالتباس، فربما تكون المشكلة في التصميم نفسه، لا في الذين قرأوه بطريقة مختلفة.

لكن نقد الغلاف شيء، ومحاكمة كتاب كامل من خلاله شيء آخر.

أم درمان بالنسبة إليّ لم تكن في التصميم متهمة، ولا هي مسرح الكتاب الوحيد. اخترتها بوصفها مدينة التقت فيها جهات السودان وثقافاته ولهجاته وطبقاته الاجتماعية، وكثيرًا ما قيل عنها إنها “السودان المصغر”. او “كرش الفيل” ومع ذلك، إذا كان الغلاف قد أوحى بأن الظاهرة محصورة فيها أو في الشمال النيلي، فوجب علي أن أوضح أن مادة الكتاب نفسها تقول عكس ذلك.

حتى الآن جمعت أكثر من ٢٨٠ اسمًا وحكاية وواقعة من أقاليم وبيئات سودانية مختلفة، ومن مجالات شديدة التنوع: الفن، والرياضة، والسياسة، والثقافة، والدين، والعمل العام، إلى جانب شخصيات لم يكن لها أي حضور معروف في الحياة العامة.

وأقول هنا “٢٨٠ اسمًا وحكاية وواقعة” بحذر شديد. فهذا الرقم لا يعني أن لدي قائمة تضم ٢٨٠ متهمًا ثبتت إدانتهم. المادة متفاوتة بطبيعتها: فيها شهادات مباشرة، وفيها روايات شهود، وفيها وقائع وصلت إلى القضاء أو الصحافة، وفيها أسماء التصقت بها حكايات في الذاكرة الشعبية ولم تصل إلى درجة الإثبات التي تسمح بتحويلها إلى اتهام. والتمييز بين هذه الطبقات واحد من أصعب ما أواجهه في الكتاب، وربما أهم ما سيحدد قيمته في النهاية.

والكتاب لا يتحدث عن أم درمان وحدها، ولا عن الشمال النيلي، ولا عن المسلمين، ولا عن مجموعة إثنية أو دينية بعينها.

إنه يحاول الاقتراب من ظاهرة عرفتها مجتمعات سودانية مختلفة، وإن اختلفت أشكالها ودرجات حضورها وطرق السكوت عنها من مكان إلى آخر.

والمادة التاريخية التي وقفت عليها خلال البحث جعلتني أكثر حذرًا من ربط الظاهرة بجغرافيا واحدة. ففي عام ٢٠٢٣ نشرت المؤرخة البريطانية Willow Berridge دراسة موسعة ضمن كتاب Ordinary Sudan, 1504–2019، رجعت فيها إلى دار الوثائق السودانية وأرشيف السودان بجامعة درم ” Durham University ” ومذكرات ووثائق قانونية من فترة الحكم الثنائي. ومن أكثر ما لفتني وجود ملف رسمي في محفوظات السكرتير الإداري يحمل ببساطة عنوان “Sodomy”، وتعود معظم أوراقه إلى عامي ١٩٢٥ و١٩٢٦. أي أن الدولة الاستعمارية كانت تتداول المسألة إداريًا وقانونيًا قبل قرن كامل من نقاشنا الحالي.

وفي إحدى مذكرات عام ١٩٢٥ أشار حاكم مديرية بربر H. C. Jackson إلى ممارسات في بورتسودان وسواكن، وذكر أن بعض التجار كانوا “يتخذون صبيانًا بدل العشيقات”. وهذه لغة وثيقة استعمارية يجب التعامل معها بكل حذر، لأنها لا تخبرنا بأعمار هؤلاء الصبية بدقة ولا بطبيعة الرضا أو الإكراه، لكنها على الأقل تكسر الادعاء بأن الحديث عن هذه الظاهرة وُلد حديثًا أو أن جغرافيته تنحصر في أم درمان أو الشمال النيلي.

والأكثر إثارة أن الملف نفسه يشير إلى مقالات كانت تُنشر في صحيفة “حضارة السودان” في عشرينيات القرن الماضي وتتناول ما كان يسمى آنذاك “اللواط” بوصفه مسألة اجتماعية تستحق النقاش. لم تصلنا، بحسب Berridge، النصوص الأصلية لكل تلك المقالات، وما نعرفه عن بعضها ورد عبر ملخصات موظفي الإدارة الاستعمارية، ولذلك لا يصح أن نتعامل معها كما لو كانت بين أيدينا كاملة. لكن مجرد وجود هذا السجال يخبرنا أن المسألة لم تكن غائبة تمامًا عن المجال العام السوداني كما قد نتصور اليوم.

وهنا ربما ينبغي أن أوضح شيئًا ظل غائبًا عن كثير من النقاشات التي دارت حول العنوان نفسه.

“العيالاتية” كما أستخدمها في هذا الكتاب لا تعني “الرجل كثير العلاقات بالنساء”، ولا علاقة لها بذلك المعنى الشائع في بعض البيئات العربية. الكلمة في السياق الذي أتناوله مرتبطة برجال يستهدفون الصبية والقاصرين الذكور جنسيًا، مستفيدين أحيانًا من فارق السن أو القوة أو المكانة أو السلطة التي تجعل الطفل أو الصبي عاجزًا عن الرفض أو الإفلات.

لكن البحث نفسه جعلني أكثر تشددًا في ضبط المصطلحات. فكلمة “اللواط” في المصادر القديمة كانت سلة كبيرة وفضفاضة، وضعت داخلها أحيانًا العلاقة الجنسية الرضائية بين رجلين بالغين، والاعتداء الجنسي، والعلاقة بين بالغ وقاصر، وحتى التعبير الجندري المختلف. وبعض الوثائق الاستعمارية التي رجعت إليها تخلط هذه الأشياء بوضوح. لذلك لا أتعامل مع المثلية الجنسية بين بالغين باعتبارها مرادفًا للاعتداء على الأطفال، ولا أتعامل مع كل معتدٍ على صبي باعتباره مثليًا، ولا أستخدم “البيدوفيليا” مرادفًا لكل اعتداء على قاصر. هذه فروق قد تبدو لغوية، لكنها في الحقيقة فروق أخلاقية وعلمية أساسية.

وهذا تحديدًا ما يجعل الموضوع عندي أبعد ما يكون عن الطرافة أو حكايات المجالس.

نحن أمام تاريخ من الاعتداءات التي تحولت بعض وقائعها، بمرور الزمن، إلى حكايات يتداولها الناس بالضحك، بينما حمل ضحاياها آثارها سنوات وربما أعمارًا كاملة، وانعكس ذلك بشكل سالب تصرفات الضحايا تجاه انفسهم وبالتالي تجاه المجتمع.

وكلما توغلت في المادة، بدا لي أن المسألة لا تخص أفرادًا منعزلين فقط، وإنما تكشف شيئًا عن البيئات التي تسمح أحيانًا بحدوث الاعتداء ثم تساعد، عمدًا أو خوفًا أو عجزًا، على دفنه.

وقد وصلتني روايات وشهادات من فضاءات اجتماعية مختلفة تمامًا: من بعض الخلاوي التي يُحفظ فيها القرآن، ومن المدارس وداخليات الطلاب، ومن بيئات عسكرية ومعسكرات، ومن أوساط كرة القدم والرياضة، ومن مجتمعات فنية، ومن الأحياء والأسواق، ومن بعض البيئات التي تقوم فيها علاقات القوة على الفتوة والبلطجة.

وأقول “بعض” عن قصد.

لا أتهم الخلاوي، ولا المدارس، ولا الجيش، ولا الوسط الرياضي أو الفني بوصفها مؤسسات منتجة لهذه الممارسة. ذلك سيكون تعميمًا سخيفًا وظالمًا. ما يهمني هو السؤال عن الأماكن التي يلتقي فيها القاصر مع شخص أكبر منه يملك عليه سلطة ما: سلطة الشيخ، أو المدرس، أو المشرف، أو المدرب، أو المسؤول، أو الأكبر سنًا، أو الأقوى جسديًا، أو صاحب النفوذ داخل المجموعة.

وهنا وجدت أن ما وصلني شفاهيًا لا يقف وحده. هناك مادة علمية وقضائية وصحفية سودانية منشورة تؤكد أن الاعتداء الجنسي على الأطفال ليس مجرد حكايات تتناقلها المجالس.

في دراسة للدكتورة ناهد محمد الحسن نشرت عام ٢٠١٦، وشملت ٢٨٢ طفلًا وصلت حالاتهم إلى مراكز الشرطة ووحدات حماية الأسرة والطفل في ولاية الخرطوم خلال أربعة أشهر من عام ٢٠١٢، كان ٨٨.٣ في المائة من المعتدين من خارج الأسرة، لكنهم لم يكونوا غرباء في معظم الحالات، شكّل الجيران وحدهم ٤٤ في المائة، وأشخاص المحيط الاجتماعي ١٧.٤ في المائة. الغرباء تمامًا كانوا أقلية. هذه الأرقام لفتتني لأنها تنقل السؤال من صورة “المجرم الغريب” إلى دائرة أكثر إزعاجًا: الشخص الذي يعرفه الطفل ويطمئن إليه المحيط من حوله.

والفئة العمرية الأكثر حضورًا في الدراسة كانت بين الخامسة والعاشرة، كما وجدت حالات تعرضت للاعتداء أكثر من مرة. ومعنى ذلك بالنسبة إليّ ليس أن نحول كل جار أو معلم أو قريب إلى متهم، وإنما أن نفهم أن الثقة نفسها قد تكون، في بعض الحالات، جزءًا من البيئة التي تسمح للمعتدي بالاقتراب.

فالمكان في حد ذاته لا يرتكب الجريمة.

لكن بعض الأمكنة قد توفر شروط الصمت حولها.

الداخلية مثلًا مكان مغلق، وكذلك المعسكر والخلوة وبعض البيئات الرياضية. وحيث تجتمع الإقامة المشتركة، وفارق السن، والتراتبية، والخوف من العقوبة أو الطرد أو الفضيحة، يصبح السؤال عن حماية الأصغر والأضعف سؤالًا لا يمكن تجاهله.

وربما لهذا بدأت أرى، كلما تقدمت في العمل، أن “العيالاتية” ليس كتابًا عن جغرافيا الاعتداء بقدر ما هو كتاب عن جغرافيا السلطة. الخلوة والمدرسة والداخلية والملعب والمعسكر والسوق والحي تختلف في كل شيء تقريبًا، لكنها قد تتشابه في لحظة واحدة: حين يصبح في المكان شخص يملك سلطة، وفي مواجهته صبي لا يملك القدرة نفسها على الرفض أو الكلام أو الهرب.

والحديث عن بعض الخلاوي، مثلًا، لم آتِ به من خصومة مع الدين ولا من رغبة في التشهير بمؤسسة قديمة في المجتمع السوداني. الصحفي السوداني فتح الرحمن الحمداني أمضى قرابة عامين في تحقيق استقصائي بدأه عام ٢٠١٨، ودخل متخفيًا إلى ٢٣ خلوة في مناطق مختلفة من السودان، ثم نشر عمله بالتعاون مع BBC News Arabic. وثّق الضرب والتقييد والحبس، وقال إن بعض الأطفال الذين تحدث إليهم أخبروه بتعرضهم للاغتصاب أو لأشكال أخرى من الاعتداء الجنسي. والمفارقة التي تهمني هنا أن الحمداني نفسه اتُهم أثناء عمله بأنه جزء من “مؤامرة غربية لمهاجمة التعليم الديني”. كأن سؤال حماية الطفل يتحول بسرعة، عند البعض، إلى سؤال عن الدفاع عن المؤسسة.

ثم جاءت وقائع وصلت إلى المحاكم نفسها. ففي مارس ٢٠٢٢ أدانت محكمة الطفل بالفاشر شيخ خلوة في منطقة أمبرو بشمال دارفور، وحكمت عليه بالسجن خمسة عشر عامًا في قضية اعتداء على أطفال من تلاميذ الخلوة. لا تجعل هذه القضية الخلاوي متهمة، لكنها تجعل حذف الخلاوي من أي بحث جاد في الظاهرة، خوفًا من الحساسية الدينية، ضربًا آخر من ضروب التستر الذي أحاول أصلًا مساءلته. ⁠

وفي المدارس أيضًا توجد وقائع قضائية منشورة؛ منها حكم صدر في القضارف عام ٢٠١٢ بحق معلم أُدين باغتصاب تلميذ في الصف الأول بمرحلة الأساس. ومرة أخرى، لا تجعل جريمة معلم واحد التعليم متهمًا، لكنها تذكرنا بأن الوظيفة المحترمة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، وأن المهنة ليست دليلًا على البراءة ولا على الإدانة.

وفي الوسط الرياضي توجد بدورها قضايا وصلت إلى القضاء. ففي عام ٢٠١٨ أيدت محكمة الاستئناف بالخرطوم حكمًا في قضية مدرب كرة قدم أُدين باغتصاب طفل واستدراجه وابتزازه بالصور وإيصاله إلى أشخاص آخرين، وكانت عمليات الاستدراج مرتبطة بمحيط ملعب لكرة القدم في بري. هذه ليست حكاية فلكلورية، وإنما واقعة قضائية منشورة، وهي تفسر لماذا لا يمكنني، وأنا أتحدث عن علاقات السلطة والوصول إلى الصبية، أن أتجاهل بعض البيئات الرياضية لمجرد أن ذلك قد يزعج أحدًا.

وفي الأحياء والأسواق أيضًا، توجد حكايات مختلفة؛ بعضها متعلق برجال عرفهم الجميع، وبعضها ارتبط بأماكن بعينها، وبعضها بقي في ذاكرة جيل كامل بينما لم يدخل قط إلى سجل رسمي أو تحقيق أو محكمة.

وهنا يأتي دور المنهج الفلكلوري الذي استعنت به في الكتاب.

فجزء كبير من تاريخ هذه الظاهرة لم يُكتب. بقي في الألقاب، والنكات، والحكاوي، والعبارات التي يتناقلها الناس، والقصص التي يعرفها الحي كله ثم لا تجد لها سطرًا واحدًا في الأرشيف.

لكن الحكاية الشعبية ليست عندي دليل إدانة.

هذه نقطة شديدة الأهمية.

كون عشرين شخصًا يروون قصة عن رجل لا يجعلها حقيقة تلقائيًا. لكنه يجعل وجود الرواية نفسها مادة تستحق البحث: لماذا التصقت به؟ من أين جاءت؟ هل توجد شهادة مباشرة؟ هل هناك ناجٍ أو شاهد؟ هل تتكرر القصة من مصادر مستقلة؟ وما الذي أضافته الذاكرة الشعبية إليها مع مرور الزمن؟

وقد تعلمت مع الوقت أن أسأل كل حكاية تقريبًا أربعة أسئلة: من رواها؟ ومتى ظهرت؟ وهل تتقاطع مع مصدر مستقل عنها؟ وماذا تثبت فعلًا؟ أحيانًا لا تثبت الحكاية أن الرجل ارتكب ما نُسب إليه، لكنها تثبت شيئًا آخر لا يقل أهمية بالنسبة للباحث في الفلكلور: أن المجتمع كان يمتلك اسمًا لهذه الممارسة، ويتداولها، ويضحك منها أو يخاف منها أو يسكت عنها. وهذا في ذاته جزء من تاريخنا الاجتماعي.

لهذا حاولت قدر استطاعتي أن أميز بين ما يمكن توثيقه، وما جاء في شهادة مباشرة، وما رواه ناجون أو شهود، وما بقي في منطقة الحكاية المتداولة التي لا أملك أخلاقيًا أن أحولها إلى اتهام.

والكتاب ليس محكمة جنائية.

أنا لا أملك ذلك الحق، ولا أدّعيه.

لكن هناك وقائع وشخصيات لم تُحاكم يومًا، إما لأن المجتمع لم يكن يملك اللغة التي يسمي بها ما حدث، أو لأن الضحية كانت أضعف من أن تتكلم، أو لأن المعتدي كان أكبر مقامًا من أن يُمس، أو لأن الأسرة اختارت “السترة”، أو لأن الناس حول الواقعة إلى نكتة وانصرفوا.

وهؤلاء يمكن أن يخضعوا، بعد كل هذه السنوات، لشيء آخر: المساءلة الاجتماعية والأخلاقية.

ليس المقصود أن نحاكم موتى أمام محكمة متخيلة، وإنما أن نتوقف عن منح الماضي حصانة لمجرد أنه أصبح ماضيًا.

ما كان أذى يظل أذى، حتى إذا لم تكن اللغة القديمة تسميه كذلك.

وهنا أيضًا أحتاج إلى توضيح أمر آخر.

الأسر ليست متهمة بجريرة أفرادها.

لا أؤمن بذنب ينتقل من الأب إلى الابن، ولا بعار يجب أن يحمله أحفاد شخص بسبب ما فعله قبل عقود. ذلك ظلم جديد لا يقل قبحًا عن الظلم الذي نحاول كشفه.

لكن بعض الحالات التي وصلتني تطرح سؤالًا أصعب: ماذا نفعل حين تعرف الأسرة بما يحدث، ثم تتستر على المعتدي أو تهدد الضحية أو تحمي اسمها الاجتماعي على حساب الطفل؟

هنا لا تصبح الأسرة كلها “مذنبة”، لكننا نكون أمام منظومة صمت ساعدت على استمرار الأذى.

وهذا جزء مهم جدًا من الكتاب.

من أكثر المواد التي غيرت نظرتي إلى المشروع شهادات الناجين والشهود.

أمامها تفقد الحكايات الشعبية خفتها تمامًا.

قد يضحك الناس وهم يتذكرون رجلًا كان مشهورًا في الحي بملاحقة الصبية، وقد يتحول اسمه إلى لقب ونكتة تتناقلها الأجيال، لكن في الطرف الآخر من الحكاية قد يكون هناك إنسان حمل تلك اللحظة في جسده وذاكرته عقودًا طويلة.

وهذه المسافة بين ما يتذكره المجتمع ضاحكًا وما يتذكره الناجي متألمًا هي، في تقديري، من أهم الأسئلة التي يحاول الكتاب الاقتراب منها.

وربما لا يوجد ما يذكّرنا بخطورة صمت الصبية أكثر من بعض الأرقام الحديثة. فقد وثقت اليونيسف منذ بداية عام ٢٠٢٤، وسط حرب السودان، ٢٢١ حالة اغتصاب لأطفال في تسع ولايات، وكان ٣٣ في المائة من الناجين صبية. واليونيسف نفسها نبهت إلى أن الأولاد يواجهون وصمة وتحديات خاصة في الإبلاغ وطلب المساعدة. لا أستخدم أرقام الحرب لإسقاطها على تاريخ الكتاب كله، فالسياق مختلف تمامًا، لكن الرقم يزعزع افتراضًا اجتماعيًا ظل طويلًا يحجب الصبي الضحية عن النظر: الاعتداء الجنسي ليس تجربة تخص الإناث وحدهن، وصمت الذكور لا يعني غياب ما وقع عليهم⁠.

أما القول إن الكتاب يستهدف الإسلام والمسلمين بسبب ظهور القباب في الغلاف المقترح، فأجد صعوبة في فهمه.

وجود بعض الوقائع داخل خلاوي تحفيظ القرآن لا يجعل الخلوة متهمة، تمامًا كما أن وجود وقائع داخل مدرسة لا يجعل التعليم متهمًا، ووجودها داخل معسكر لا يجعل المؤسسة العسكرية مسؤولة عنها كلها، ووجودها في الوسط الرياضي لا يجعل الرياضة مصدرًا لها.

الكتاب يبحث عن الإنسان حين يمتلك سلطة على إنسان أضعف منه، وعن الطريقة التي تعامل بها المجتمع مع هذه السلطة عندما تحولت إلى اعتداء.

وإذا كانت بعض البيئات الدينية جزءًا من المادة، فمن غير المقبول حذفها خوفًا من اتهام الكتاب باستهداف الدين، مثلما سيكون من غير المقبول تضخيمها لإيهام القارئ بأن الظاهرة دينية.

الحقيقة لا تحتاج إلى هذا ولا إلى ذاك.

بل إن البحث التاريخي قادني إلى مفارقة ربما تكون أقدم من الجدل الذي أثاره الغلاف نفسه. يبدو أن لهذه الظاهرة تاريخًا موازيًا هو تاريخ إلقائها على الآخرين. بعض موظفي الاستعمار البريطاني حاولوا في عشرينيات القرن الماضي ربطها بالمصريين أو بالميراث العثماني والمدن الساحلية، بينما تكشف الدراسات الأنثروبولوجية أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير. كأن أسهل طريقة للتعامل مع الأمر كانت دائمًا أن نجد جماعة أخرى نضع الظاهرة في حوشها ثم نغلق باب حوشنا علينا.

أما جنوب السودان السابق، فله سياقه الاجتماعي والتاريخي المختلف، فما حدثني عنه بابكر بدري في إيطار حديثنا عن هذا المشروع وما توفر لدي من روايات يشير إلى أن الظاهرة، بالشكل الذي يتناوله الكتاب في الشمال وبعض مناطق السودان، لم تكن تحمل التاريخ الاجتماعي نفسه هناك، وأن صورًا منها انتقلت أو اتسعت في فترات لاحقة عبر الاحتكاك والهجرة والحرب وتحولات المدن. وهذه نقطة ما زلت أتعامل معها بحذر، لأنها تحتاج إلى مادة أكثر من مجرد الانطباعات أو الروايات الفردية.

وقد أصبحت أكثر حذرًا بشأن هذه النقطة تحديدًا بعد الرجوع إلى الأدبيات الأنثروبولوجية. ففي دراسة كلاسيكية نشرها E. E. Evans-Pritchard عام ١٩٧٠ عن الزاندي، سجل وجود علاقات جنسية بين محاربين شبان وصبية في مجتمع الزاندي قبل الحقبة الأوروبية، ورفض صراحة الفكرة التي كانت تنسب هذه الممارسة إلى العرب. والزاندي جزء أصيل من التاريخ الاجتماعي لجنوب السودان. وهذا لا يعني أن ما وصفه Evans-Pritchard هو الظاهرة نفسها التي أسميها في الكتاب “العيالاتية”، ولا أنه كان دائمًا اعتداءً بالمعنى القانوني الحديث؛ فالسياق الأنثروبولوجي مختلف وتحتاج مادته إلى قراءة نقدية. لكنه يعني شيئًا واحدًا على الأقل: لا أستطيع علميًا أن أقول ببساطة إن كل أشكال العلاقات الجنسية بين الذكور انتقلت إلى الجنوب من الشمال. وهذا مثال على السبب الذي يجعلني أراجع ما أكتبه باستمرار كلما ظهرت أمامي مادة جديدة.

وتشير دراسة Berridge كذلك إلى كتابات أنثروبولوجية قديمة عن بعض مجتمعات جبال النوبة سجلت أنماطًا من العلاقات والتعبير الجنسي والجندري لم تكن مطابقة للنموذج الاجتماعي السائد في الشمال النيلي. وأنا أتعامل مع هذه الكتابات بحذر لأن لغتها ونظرياتها تحمل الكثير من مفاهيم زمنها الاستعماري، لكنها تظل كافية لإسقاط فكرة مريحة جدًا مفادها أن هذه الأمور تخص منطقة واحدة أو ثقافة واحدة أو دينًا واحدًا في السودان.

وكل هذا جعلني أعيد النظر حتى في الطريقة التي أقرأ بها الوثيقة القديمة. فالمصدر ليس بريئًا لمجرد أنه موجود في الأرشيف. الموظف البريطاني الذي يكتب عن “رذيلة مصرية” كان يحمل معه صراع الإمبراطورية مع مصر، والأنثروبولوجي الذي يكتب عن “الانحراف” يحمل مفاهيم عصره، والصحفي قد يحمل موقفه، والذاكرة الشعبية تضيف وتحذف مع مرور الزمن. لذلك فإن وجود المرجع لا يعفيني من نقده؛ على العكس، يبدأ عملي الحقيقي عند السؤال: من كتب؟ ومتى؟ ولماذا؟ ومن كان غائبًا عن الرواية؟

أما الحديث عن “أجندة سياسية” ترمي إلى إلهاء السودانيين، فقد كان أغرب الانتقادات بالنسبة إليّ.

لا أعرف لماذا يجب أن تتوقف الكتابة عن المجتمع لأن لدينا حربًا.

إذا انتظر الكاتب السوداني انتهاء السياسة والحرب والأزمات الاقتصادية حتى يكتب عن الجسد والطفولة والذاكرة والعنف الاجتماعي، فقد لا يكتب أبدًا.

الطفل الذي تعرض لاعتداء قضية.

والشاب الذي حمل أثره في صمت قضية.

والمجتمع الذي ضحك من المعتدي أو خاف منه أو تستر عليه قضية.

واللغة التي حولت جريمة إلى طرفة قضية.

والأماكن التي يفترض أن تمنح الطفل تعليمًا أو تربية أو رياضة أو حماية ثم يفشل بعض القائمين عليها في حمايته، قضية أيضًا.

لا تحتاج كل قضية سودانية إلى أن تمر أولًا عبر بوابة السياسة حتى تصبح جديرة بالكتابة.

وربما أكثر ما أثار اهتمامي في هذه الضجة كلها أنها أضافت، من حيث لا يقصد أصحابها، فصلًا صغيرًا إلى فكرة الكتاب نفسها.

كتاب عن المسكوت عنه أثار كل هذا الكلام قبل أن يتكلم.

كتاب عن الأحكام الاجتماعية جرى الحكم عليه من صورة غلاف مقترحة.

كتاب عن الوصمة تعرض للوصم قبل أن يصل إلى المطبعة.

وكتاب يسأل لماذا نخاف من بعض الحكايات، جعلنا غلافه وحده نخاف مما قد يقوله.

واللافت أن ردود الفعل هذه نفسها تشبه شيئًا وجدته في التاريخ الذي أقرأه للكتاب. مرة تُدفع الظاهرة نحو مصر، ومرة نحو “التركية”، ومرة نحو المدينة، ومرة نحو جماعة اجتماعية أخرى؛ واليوم يكفي أن تظهر قباب أم درمان في تصميم غلاف حتى يصبح السؤال: هل تتهم أم درمان؟ هل تتهم الشمال؟ هل تتهم المسلمين؟ ربما ظل السؤال الأسهل دائمًا: لمن ننسب العار؟ بينما السؤال الأصعب، والذي يعنيني في الكتاب، هو: ماذا حدث للصبي، ومن عرف، ومن سكت، ولماذا؟

أنا ممتن للنقد الذي نبهني إلى مشكلات الغلاف، وسأغيره إذا اقتنعت أن تصميمًا آخر يخدم الكتاب بصورة أفضل. وممتن كذلك لكل سؤال جاد جعلني أراجع مصطلحًا أو فكرة أو طريقة عرض.

بعد أكثر من عامين من العمل، ما زلت أتعلم من المادة التي بين يدي.

ما زلت أحذف وأضيف.

وما زلت أشك، وهذا في رأيي صحي أكثر من اليقين.

لكن لي رجاء بسيط ممن يريد أن يحاكم “العيالاتية”:

انتظروا الكتاب أولًا.

حين يصدر، اقرأوه.

اختلفوا معي في المنهج، وفي الأسماء، وفي المرويات، وفي تفسير الظاهرة. اسألوني لماذا قبلت شهادة ورفضت أخرى. ناقشوني في حدود الفلكلور والتاريخ الشفاهي. اسألوني عن حق الناجي في الكلام وحق المتهم في ألا يُدان بلا بينة. قولوا إنني أخطأت إذا أخطأت، وإنني عممت إذا عممت، وإنني ظلمت شخصًا إذا فعلت.

هذا كله حق مشروع.

وسيكون من حق القارئ أيضًا أن يسألني عن المراجع التي بنيت عليها ما هو أبعد من الذاكرة الشفاهية. لهذا لم أكتفِ في عملي بالحكايات والأسماء التي جمعتها؛ رجعت إلى دراسات عن التاريخ الاجتماعي والجنس في السودان، وإلى الأدبيات الأنثروبولوجية القديمة مع نقدها، وإلى دراسات سودانية عن الاعتداء الجنسي على الأطفال، وإلى وقائع قضائية وتحقيقات استقصائية وتقارير عن حماية الطفل. لا تجعل هذه المراجع الكتاب معصومًا من الخطأ، لكنها، في ظني، تضع مسافة ضرورية بين البحث وبين الونسة، وبين الحكاية وبين الادعاء بأنها حقيقة.

أما الآن، فالذي بين أيدي الناس ليس “العيالاتية”.

إنه مجرد غلاف مقترح لكتاب لم يصدر بعد.

وربما تكون المفارقة الأكثر سودانية في هذه الحكاية كلها أنني، بعد أكثر من عامين من البحث وجمع أكثر من ٢٨٠ اسمًا وحكاية وشهادة، ما زلت لا أزعم أنني فهمت الظاهرة كلها.

بينما استطاع بعض الناس، من صورة واحدة على فيسبوك، أن يفهموا الكتاب كله، ويحددوا جغرافيته ودينه وأجندته السياسية أيضًا.

وهذه، في حد ذاتها، حكاية تستحق أن تُروى

zoolsaay@yahoo.com

Author
إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
المحاولة الفاشلة لاغتيال حسني مبارك.. معلومات لم تنشر من قبل
بيانات
الهيئة العليا للحكم الذاتي لجنوب دارفور: بيان رقم (4): إعلان موقف من اتفاقية فتنة مسارات سلام جوبا
منبر الرأي
السقوط المدوي لمصداقية الحارث إدريس
منبر الرأي
الكذب عند الكيزان… عقيدة لا فكاك منها
منشورات غير مصنفة
الويل للمثقفين الكذبة، اصل ازماتنا!! .. بقلم: حيدر احمد خير الله

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

اقتصاديات الجيوش والأجهزة الامنية وبشائر الانهيار الاقتصادي .. بقلم: سنوسي عبدالله ابوجولة (السنوسي ابو الوليد)

السنوسي أبو الوليد
منبر الرأي

تراجع صفاء الفحل عن ما فعلته مع الاعتذار للتوم هجو .. بقلم: بشرى أحمد علي

طارق الجزولي
منبر الرأي

هل يزور اوباما السودان؟! السعودية كسبت معركة اليمن وخسرت حرب ايران .. بقلم: حسين التهامي

حسين التهامي
منبر الرأي

حالة الممارسه الديمقراطيه الاميريكيه في سباق الرئاسه .. بقلم: د. الحاج حمد محمد خيرالحاج حمد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss