الغــريق .. بقلم: محــمـود دفع الله الشيــــــــخ/ المحامى
6 سبتمبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
34 زيارة
كان يخشى البحر…. دائماً فى أحلامه يرى أنه يغرق … إمتنع عن المشاركة فى أى رحلة نيلية ، أو بحرية … لم يسافر قط بطائرة، لإعتقاده أنه سينجو إن إنفجرت ، ولكنه سيسقط فى محيطٍ أو بحرٍ ، وحتماً لهو من الهالكين !.
إبتدأت تلك الفوبيا حين جلس وهو صغيرٌ مع والدته وصديقاتها أمام قارئة الفنجان ……كانت معتادة أن تقرأ لهنَّ الطالع من فناجين القهوة التى يحتسينَها .
ذات يوم أصرَّ الطفلُ أن تسمح له والدته بإحتساء القهوة ، شربها على عجل رغم سخونتها ، مد يده بالفنجان سريعاً للعرَّافة …نظرت للفنجان مليِّاً…… صمتت لفترة … ثم قالت له : ستغدوا ياولدى مديراً كبيراً ،وستكتنز المال ، ولكنك ستنتهى غريقاً ! .
إنتهرتها والدته .. تذَّمرت الصديقات ..إحداهن حسمت الامر بأن قالت : كلنا سنموت ، اين وكيف، لا يهم…. المهم أن نموت أغنياء .
الصبى إبتلع عبارة قارئة الفنجان فى جوفه ، وإختزنها فى عقله ، وبنى أسواراً بينه وبين النيل والبحار والمحيطات .
كبر الصبىُّ، وعمل مصرفياً ببنك عالمى …… تدرَّج فى وظيفته بسرعة هائلة على الرغم من رفضه السفر لآداء كورسات تاهيلية ودورات تدريبية ، كان يستعيض عنها بالدراسة من على البعد بالإنترنت.
حين صار رئيسَ قِسمٍ، تعرَّف عليه كبار عملاء البنك ، صاروا يزورنه فى البنك دون مناسبة ، وتحولت الزيارات إلى المنزل. كانوا (يُغرقونه) بعبارات الثناء والإعجاب بعبقريته وهو فى تلك السن النضرة ، ثم صاروا (يُغرقونه) بالهدايا التى لا ترتبط بمناسبة معينة….. نجح فقط فى أن لا (يغرق) فى شرب الخمر حد الثمالة فى السهرات التى ضمته مع كبار العملاء .
ظل يستلم عمولته أولاً بأول مما يجود عليه العملاء …تطور الأمر، وصار يحدد هو نسبته ، سرعان ما تمت ترقيته ليكون (أصغر مدير) مرَّ على البنك العالمى ، تضخمت ثروته وعمولاته… (غرق ) فى النعيم و(أغرقته) نظرات الحسد.
ذات يوم أصّر شابٌ صغيرٌ على الدخول عليه فى مكتبه ،شاكياً عدم منحه (تمويلاً أصغر) لمشروع دواجن يعتاش منه هو ووالدته المريضة، ومشككا فى تقييم اللجنة التى رفضت طلبه….. طرده بقسوة من مكتبه.. فهو لا يستقبل إلا الكبار.
مرت السنوات ،أتى للبنك مفتشون من البنك المركزى ، فتشوا ونقبوا ثم (أغرقوا) تقاريرهم بعدد مهول من التجاوزات وعمليات المرابحة التى كان يجريها دون ضمانات
أتت الشرطة وإعتقلته من مكتبه …. حين خرجوا كانت هنالك إمراةٌ عجوز فى صالة البنك … إتجهت نحوهم ، كانت دموع الندم (تغرق) عينيه، وقد غمره العرق حتى (أغرق) ملابسه.. حدَّق فى العجوز … عرفها .. إنها قارئة الفنجان !!. صاح فيها : ما الذى أتى بك؟!!!. ……إتجهت نحوه ببطء السنوات التى حملتها على كاهلها .. وقالت له: إتيت لكى أصحح لك النبوءة …. فأنت لن تغرق فى بحرٍ أو محيط ، بل ستغرق فى فسادك !.
ثم صاحت : هيا يا إبنى ! . إلتفت ليرى إبنها الذى نادت عليه…
كان هو الشاب الذى بلَّغ عنه بعد أن بحث فى ملفاته القذرة !.
والذى طرده ذات يوم من مكتبه !!!!.
محـــمــود ،،،،،،،،،، Sent from Yahoo Mail on Android