“الفاشر”، وتعني في السودان الأوسط، وإلى حدٍّ ما في سودان وادي النيل، مجلس الشورى. وفي ما وصل إلينا من وثائق وأخبار تاريخية، أن اللفظ كان معروفاً في سنار ودارفور وودّاي، بل وأبعد من ذلك، وكان يطلق على مجلس شورى السلطان، متى ما انعقد وأينما انعقد، بما يتناسب مع حال الدولة التي غلبت عليها البداوة في نشأتها، في ممالك السودانين الأوسط والشرقي، التي كانت جائلة متنقّلة لم تتأسّس لها قاعدة مُلك(عاصمة)، إلا بعد مراحل لاحقة من التطوّر، فمتى ما استقرّت الممالك، وحيثما استقرّت الممالك، استقرّ معها “فاشر السلطان”، ونمت حوله قاعدة المُلك وعاصمة الدولة.
وفي صحائف التاريخ وآثاره المكتوبة، أن السلطان محمد بن أحمد بكر “تيراب” (١٧٥٢-١٧٨٧م.) الذي نصب فاشره أول الأمر في ( ريل)، ثم في (شوبا) ثم استقرّ فاشره، في خاتمة المطاف في (قرلي)، في نواحي جبل مرة، معقل عصبيته من بطن “كيرة” وقبيلة “فور”. ثم أتى من بعده ابنه السلطان عبد الرحمن الرشيد(١٧٨٧-١٨٠٢م.)، فأقام “فاشره” على الضفة الشمالية من خور “تندلتي”. وفي فاشر تندلتي هذا دارت قصص وحكايات وأوهام وأخيلة رواها محمد بن عمر التونسي(١٧٩٠-١٨٥٧م.)، وقيّدها في كتابه ( أو تقريره الاستخباري): “تشحيذ الأذهان، بسيرة بلاد الغرب والسودان”، وهو الكتاب الذي حققه (محمود خليل عساكر وآخرون)، وصدرت أولى طبعاته بالقاهرة سنة ١٩٦٥م، تحت عنوان أحلّت فيه كلمة العرب، محلّ الغرب، مجاراة لدعوة (القومية العربية) أيام الرئيس جمال عبد الناصر. ومن أمثال دارفور التي تضفي على مفهوم”الفاشر” أيّاً كانت دلالته، هيبة ووقاراً قولهم: “أبو جنقور في فاشر ولا زول”، والجنقور هو الهِدْم الخلق البالي، أي لا احترام ولا تقدير لمتواضع في مظهره وملبسه في الفاشر.
نمت المدينة حول فاشر تندلتي، وبلغ “فاشر السلطان” أوجه في عهد علي دينار (١٨٥٦-١٩١٦م.)، آخر السلاطين، الذي أعاد بناء القصر وملحقاته من مسجد جامع، ومجمّع لسكنى الوزراء والمستشارين، وردهات، وقاعات، وحدائق وقصور للضيافة. ثم طغى اسم الفاشر على المدينة بكاملها، ولم يبق لاسم تندلتي ذكر إلا في بعض صحائف التاريخ. وللكلمات، في بقائها وتطور دلالاتها، رزق مكتوب وحظ مسطور من الذيوع والبقاء، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ولم تكن لفظة “الفاشر” حكراً على دارفور، كما يبدو، فثمة آثار لها باقية في السودان النيلي، ومن ذلك الميدان الواقع في الجهة الشمالية من (حلة الخندق)، المتّصل بالنهر، الذي يعرف حتى يومنا هذا باسم “الفاشر”، وهو ميدان واسع عريض متّصل بالضفة اليسرى لنهر النيل، وكان يُتّخذ إلى بدايات القرن العشرين، مستودعاً للبضائع المجلوبة من مصر، عبر النيل، والقادمة من كردفان ودارفور، عبر صحراء بيّوضة. هل كانت لفظة “الفاشر” معروفة بهذا المعنى الاصطلاحي في أسواق السودان النيلي الكبرى، في بربر والدامر وشندي وسنار؟ لست موقناً من ذلك وإن كنت لا أستبعده.
ومن الآثار المكتوبة الباقية للفظة، ما أورده كاتب الشونة في قوله: “إن أولاد محمد، لما أخذوا الخيل، وقفوا بالفاشر”، وفي هذا ما يرجّح لدينا أن سنار كان لها “فاشرها”، مثل سائر مدن السلطنة الزرقاء.
ومن التراث الشفوي الذي أبقى على لفظة “الفاشر” حيّة في الأذهان والوجدان، (ملحمة أولاد أبو جويلي)، التي يغنيها المغني السوداني (محمد الأمين)، وفيها:
غنّي وشكِّري يا ام قرقداً سايح
من دار كردفان جانا الشناع فايح
في الفاشر الكبير طلّعوا الصايح
دقّوا الجوز عديل أصله العمر رايح..
وبقدر ما توثق هذه المناحة للفظة “الفاشر”، توثّق لتقليد “الصايح”، وهو تقليد قديم في قرى سودان وادي النيل لنعي الموتى، بأن يعتلي الناعي( الصايح) ظهر حمار، يجوب القرى ويرفع صوته قائلاً: الحي الله، والدايم الله، فلان ود فلان مات في حقّ الله، وهو الحي الدايم..
ومن أمثالهم: “المكتولة (المقتولة) ما بتسمع الصايحة”.
وغاية ما يقال، إن لفظة “الفاشر” تطورت في دلالتها، فغلبت عليها في وادي النيل دلالة المكان( الميدان) على دلالة الحال( انعقاد جلسة الشورى)، ثم هجرها الذوق العام بفعل تأثير لغة المدينة والدولة الحديثة “الرسمية” التي اصطنعت أسماء ومصطلحات معرّبة ومترجمة من اللغة الأجنبية في غالب الأحيان، فغدت “النقعة” “ساحة شعبية”، وغدا “النفير” “عوناً ذاتياً”، وأضحى “عدّ الغنم” “عدّاً للفرسان”، فتأمّل!
أما في السودان الأوسط، فإن اللفظ على احتفاظه بدلالته الأولى ( انعقاد مجلس الشورى)، ظلّ حيّاً في لغة الناس نابضاَ منتجاً.
وفي سهل (البطحا) الذي يتوسط جمهورية تشاد، تنصرف دلالة اللفظ إلى جلسة الشورى، أو الاجتماع المنعقد لحلّ مشكلة والنظر في نازلة، وممّا يقال: إن فلاناً سوّى “فاشر”، أي جمع وجوه القوم، من أجل التشاور في أمر جلل. وانعقاد “الفاشر” ممّا تؤرّخ به الحادثات، وممّا يطلق اسماً علماً على مولود ولد ساعة انعقاده.
ومن الألفاظ القريبة من “الفاشر” لفظاً ومعنىً، “المشور” الحاضر في التراث المغربي، وتذهب في دلالتها إلى الموقع الجامع للقصر الملكي، أو “دار المخزن”، وما يحيط به من مجمع سكني، وقصر للعدالة ومسجد وقصور ضيافة، وحدائق ملكية، وحمامات. والأصل في اسم “المشور”، كما تجمع المصادر، أن يدلّ على المكان الذي يعقد فيه السلطان اجتماعه مع وزرائه ومستشاريه للتشاور في شؤون الدولة والرعية.
هل اللفظان، “الفاشر” و”المشور”، ينتميان لأرومة مشتركة، ويقتبسان من مشكاة واحدة؟ لست على يقين من ذلك، فعلى ما في كليهما من تطابق في المعاني، وتشابه في التطوّر الدلالي، وتقارب في مخارج الحروف وصفاتها، فإن المرء لا يجسُر، ضربة لازب، في هذه المرحلة من البحث، على ترجيح هذا الاحتمال.
وفوق كلّ ذي علم عليم.
د. مصطفى أحمد علي،
الرباط، أغسطس ٢٠٢١م.
alkhandagawi@yahoo.fr
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم