طاهر عمر
قلنا في مقالنا السابق إن هابرماس كانطي بامتياز، لذلك يسهل فهم فكره في الفعل التواصلي لمجتمعات قد تحققت فيها أفكار عقل الأنوار وأفكار الحداثة كالمجتمعات الغربية. وبالتالي طرح الفعل التواصلي في مجتمع تقليدي كحال المجتمع السوداني تفصلنا عنه عتبتان، لأن المجتمع السوداني التقليدي لم يبلغ بعد نصاب النزعة الإنسانية، بل إن أغلب نخبه ما زالت تتحدث عن المؤالفة بين العلمانية والدين أو محاولة المساومة بين يسار سوداني رث وأحزاب يمين غائص في وحل الفكر الديني تمثله أحزاب اللجوء إلى الغيب.
في مثل حالة الفكر السوداني التقليدي تصبح محاولة طرح الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية أماني ورغبات تفصلنا عن مقامها قرون. وأجدى تمهيد الطريق لها أولًا بطرح أفكار كانط في مشروعه النقدي وإنزالها على أرض واقع النخب السودانية بعيدًا عن استسهال الأمور كما هو سائد وسط كثير من النخب السودانية.
فكثير منهم يظنون بأحزابنا التقليدية ومثقفنا التقليدي ومؤرخنا التقليدي يمكننا تحقيق الديمقراطية الليبرالية، وبالمناسبة هذه واحدة من المحن السودانية وكظاهرة تحتاج لدراسة لمعرفة أسبابها، ولكن من يدرسها؟ أين فلاسفتنا وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين السودانيين غير التقليديين والمؤرخين غير التقليديين؟
انتبه كثير من المثقفين العرب، وهم بالمناسبة في مرحلة متقدمة جدًا إذا ما قارنهم بالمثقفين السودانيين التقليديين فيما يتعلق بفهمهم للفارق الهائل بين الحضارة الغربية المنتصرة على الحضارات التقليدية، ومن ضمنها الحضارة العربية الإسلامية التقليدية.
بل حاولوا جسر الهوة الهائلة التي تفصل بين الحضارة الغربية المتقدمة والحضارة العربية الإسلامية التقليدية، ومنهم من كشف عن شوقه لظهور كانط عربي أو نيتشه عربي أو سبينوزا عربي أو توكفيل عربي؛ بفكرهم الجديد يمكن كنس البنى الثقافية التقليدية المتجذرة في قاع المجتمع العربي ومعادية للحداثة.
فانتظار المثقفين العرب لكانط عربي دلالة على أن أفكار كانط ومشروعه النقدي هي قاعدة لا بد منها وبساط أحمر تسير عليه أفكار الفعل التواصلي لهابرماس، لهذا السبب قلنا في مقالنا السابق إن طرح أفكار هابرماس في الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية لن تبلغ النصاب إلا عندما تسبقها أفكار كانط في مشروعه النقدي.
على كل حال، كثر من المثقفين العرب المنتظرين لكانط العربي أو سبينوزا العربي لم يزعجهم أو يعكر صفوهم افتخار ماكس فيبر بالحضارة الغربية إلى درجة يظهر فيها الازدراء للثقافات التقليدية وبأنها عجزت عن تحقيق ما حققته الثقافة الغربية. بل أخذوا منه عقلانيته من دراسته لأدب النظريات الاقتصادية وتاريخ الفكر الاقتصادي.
وأخذوا منه فكرة كيف رأى ماكس فيبر في البروتستانتية عقلانية الرأسمالية نتاج تقشف أتباع البروتستانتية، وعكسهم رجال الدين الإسلامي في شرههم للمال والنساء، لذلك لم ينتج عنهم غير شهوة السلطة وسطوة الاستبداد كما قال عنهم ماكس فيبر، ومن يريد أن يتحقق من شهوة السلطة وسطوة الاستبداد فدونه تاريخ كيزان السودان خلال ثلاثة عقود كالحة.
وبالمناسبة، ماكس فيبر استدل على عقلانية الرأسمالية لأنها لم تظهر بعد في المجتمعات التقليدية، وكذلك أقول إن أفكار كانط أيضًا لم تظهر بعد في مجتمعنا السوداني التقليدي، ولهذا السبب قلت إن طرح الفعل التواصلي تفصلنا عنه عتبتان.
قد يسأل سائل: وما دخل ماكس فيبر بكانط؟ وهنا وجب التوضيح أن ماكس فيبر له دور كبير في فتح الطريق لأفكار النيوكانطية. وكذلك لماكس فيبر دور كبير لفتح الطريق لفلاسفة وعلماء اجتماع لتجاوز أفكار فلسفة التاريخ التقليدية وفتح الطريق إلى فلسفة التاريخ الحديثة.
أو قل فتح الطريق من تاريخ الفلسفة إلى فلسفة التاريخ التي تبحث عن مسيرة معادلة الحرية والعدالة وتفسيرها لمسيرة ظاهرة المجتمع البشري، وهي مفتوحة على اللانهاية في مواجهة مجتمعات حديثة تمسك مشاكلها المتجددة بتلابيب بعضها البعض، ومن هنا جاء مفهوم الإنسانية التاريخية والإنسان التاريخي، ومنها يصير عقل الأنوار والحداثة في صيرورته وانفتاحه على اللانهاية بلا قصد ولا معنى، بعكس غائية ولاهوتية ودينية الحتميات واليقينيات.
ماكس فيبر وفلسفته وعلم اجتماعه فتحتا الباب لتجاوز أفكار كل من ماركس وأوجست كونت ودوركهايم، وبالتالي انفتح الباب للشك بدلًا من يقينيات الماركسية وأفكار الوضعية المنطقية، وكذلك تجاوز أفكار دوركهايم، وكلّه بفضل النيوكانطية، وبغيابها من ساحة الفكر السودانية، ها هي أحزاب اليقينيات والحتميات على قفا من يشيل في ساحة الفكر السودانية التقليدية. وبعد كل هذا، ألم يتضح أن الفعل التواصلي شرطه فهم أنثروبولوجيا كانط؟
فغياب أفكار أنثروبولوجيا كانط من ساحة الفكر السودانية، بسببه نجد أن المفكر السوداني لا يتحرّج من أن يبحث عن دور للدين في السياسة السودانية كما حاول عبد الخالق محجوب، وأخلص له محمد إبراهيم نقد، وسار في خطه، وتبعه بعلمانية محابية للأديان كنتاج لجهوده في حوار حول الدولة المدنية، في وقت نجد مثل عالم الاجتماع الفلسطيني هشام شرابي يرى مثل جهود عبد الخالق محجوب في بحثه عن دور للدين في السياسة، وكذلك يرى علمانية محمد إبراهيم نقد المحابية للأديان، ما هما إلا أفكار من انكسرا في خنوعهما ومهادنتهما للخطاب الديني التقليدي.
لهذا السبب قلنا إن الساحة الفكرية السودانية إذا كانت مشبعة بأنثروبولوجيا الليبرالية وأنثروبولوجيا كانط، لما ظهرت فيها محاولات يائسة لعبد الخالق محجوب في بحثه عن دور للدين في السياسة، ولا ظهرت علمانية محمد إبراهيم نقد المحابية للأديان.
وللأسف تجد بعدهما، بعد زمن طويل، من يسير في نفس خط سيرهما المنتكس، وأقصد هنا محاولات الحاج الوراق وكمال الجزولي واشتراكهما في لجنة تخليد فكر الإمام الصادق المهدي، وهو أقرب لرجل الدين من السياسي المدرك للفلسفة السياسية المعاصرة. لمثل هذه المسيرة المتسكعة جاء رفضنا، وفي نفس الوقت تأكيد قولنا إن الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية تطلب من كل قارئ بأن يكون كانطيًا أولًا.
إجابة عمانويل كانط على سؤال: ما التنوير؟ قد أصبحت زادًا للمجتمع الأوروبي في قطعه لتجربة الوجود بضمير إنساني، وفتحت الباب للنزعة الإنسانية. ويمكن ملاحظتها في التغيير الهائل بين أفكار البابا بيوس التاسع ووثيقة عصمة البابا وتسلّط الكنيسة وهيمنتها على ما يتعلق بالإيمان والأخلاق، وأن السلطة مصدرها الله وليس الشعب، ورفضها للحداثة والعلمانية، وكذلك رفضها لفصل الدين عن الدولة، ورفضها للديمقراطية الليبرالية، ونلاحظ أثر التغيير الهائل بين وثيقة عصمة البابا وبين وثيقة الفاتيكان 2، وجاءت كأنها لم تسمع بوثيقة عصمة البابا بيوس التاسع 1870.
أما لقاء هابرماس بالبابا راستينغر 2004، وتأكيد البابا على فصل الدين عن الدولة، وحديثه بلا لكن عن العلمانية والديمقراطية، وأن مصدر السلطة الشعب، هو ما يوضح لك أهمية ودور فلسفة كانط، وأنها شرط يسبق طرح الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية في مجتمع تقليدي مثل الشعب السوداني، أعتى مثقفيه التقليديين ما زالوا ينادون بالمؤالفة بين العلمانية والدين.
المهم في الأمر يمكننا أن نرجع لعنوان مقالنا، وفيه هذه المرة وضعنا بجانب هابرماس كلود ليفي شتراوس لسبب واحد ومهم، وهو أن كلود ليفي شتراوس على الدوام يفتخر بشكل دائم بأن أستاذيه هما كل من ميشيل دي مونتين، سيد القرن السادس عشر، قرن الإنسانيين بلا منازع، وكذلك عمانويل كانط، ومثلما يفتخر كلود ليفي شتراوس بأستاذيه، كذلك يفتخر عمانويل كانط بأستاذه ميشيل دي مونتين.
ومن هنا تأتي أهمية أفكار الفلاسفة الإنسانيين الكبار أمثال عمانويل كانط ومونتين، وخاصة أن ساحتنا السودانية كاسدة فيما يتعلق برواج فكر الإنسانيين الكبار. ولهذا السبب لا يظهر فيها بوضوح، وأقصد ساحة الفكر السودانية، أن فلسفة كانط شرطًا مهمًا يسبق فلسفة الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية.
يلتقي كلود ليفي شتراوس مع يورغن هابرماس بأنهما استبدلا الميتافيزيقا والبحث عن الجوهر المطلق بنماذج اللسانيات لفهم الثقافة والأنظمة الاجتماعية كبنى رمزية متكاملة تهتم بالعلاقات التبادلية وليس الجوهر. في دور اللغة كبديل للميتافيزيقا، استطاع كلود ليفي شتراوس أن يتجاوز التفسيرات الميتافيزيقية، وكذلك تجاوز المنهجية التاريخية التي تبحث عن أصل مطلق أو غاية روحية للظواهر البشرية.
وبالتالي تصبح الأنظمة البشرية كلغات، وعليه تصير الظواهر الثقافية كالأساطير وقرابة الدم وأنظمة الزواج باعتبارها لغات أو أنظمة إشارات تملك بنية خفية ومنطقًا داخليًا صارمًا ينظمها، ومن هنا جاء تجاوز كل من هابرماس وكلود ليفي شتراوس للميتافيزيقا.
وهنا وجبت الإشارة لواحد من أهم المفكرين في العالم العربي، وأقصد محمد أركون في محاولاته بأن يدفع باتجاه أن تكون اللغة بديلًا للميتافيزيقا، مثلما نجدها في منهجي كل من هابرماس وكلود ليفي شتراوس. وبالتالي يتضح تسلح محمد أركون بمنهج يستبدل الميتافيزيقا باللغة في نقده لمشروع نصر حامد أبو زيد، ولذلك، وبسبب ضعف المنهج وغياب فلسفة الإنسانيين، تصبح فكرة طرح الفعل التواصلي دون أن تسبقها أنثروبولوجيا كانط في مجتمع تقليدي مثل المجتمع السوداني مسألة لا فائدة منها.
اعتبر محمد أركون أن استخدام نصر حامد أبو زيد للعلوم اللغوية والسيميائية كان جزئيًا ومحدودًا، ولم يصل إلى النقد اللساني الشامل الذي يفكك البنى العميقة للأسطورة والمقدس، كما رأيناه في أفكار كل من هابرماس وكلود ليفي شتراوس.
من نقد محمد أركون لمشروع نصر حامد أبو زيد، رغم شجاعته وتوضيحه أن مشروع أبو زيد ناقص في مناهجه، ربما يظهر سبب من الأسباب التي حاولنا توضيحها، أن الساحة السياسية ما زالت تقليدية وهشة في تراكيب هيكلها الفكري، ولم تستطع تحمّل طرح فكر الفعل التواصلي والعقلانية التواصلية قبل أن تهضم أفكار عمانويل كانط في أنثروبولوجيا الليبرالية.
