الفقر حالة ذهنية .. بقلم: عبدالعليم شداد
10 أبريل, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
53 زيارة
الطعام والامن هما الحاجتان الضروريتان للإنسان الطبيعي ليؤدي دوره في الحياة, ثم تأتي بعدهما حاجات يفرضها المجتمع علي افراده ترتبط بطريقة تفكيرهم وتطلعاتهم وطريقة معيشتهم, ويشمل ذلك نوعية طعامهم وطريقة اعداده وكيفية تناوله, شكل ملابسهم التي يلبسونها ونوعية البيوت التي يسكنون فيها من ناحية تأثيثها ومستوي فخامتها, نوع ومستوي التعليم الذي يلبي التطلعات, والكثير من الحاجات التي تتغير وتزداد بحسب المؤثرات التي تؤثر علي المجتمع والتي تنمو وتنشا بصورة طبيعية وعلي قدر الحاجة في الوضع العادي, اما في هذا العصر فهنالك عناصر جديدة اصبحت تتحكم في رغبات الناس وتفرض عليهم هذه الحاجات من أهمها وسائل الإعلام والدعاية التلفزيونية.
ان الطعام الكافي ليعيش الانسان بصحة جيدة هو طعام سهل يسير متوفر, مثل الذي كان يعيش عليه السودانيون فيما مضي, طعاما بسيطا في تركيبته واصنافه, يتكون في غالبيته من الحبوب الطبيعية واللبن وما توفر من الخضار, لم يكن الناس يعرفون شيئا عن (البيرغر والبيتزا) وانواع الفطائر والحلويات والاطعمة المصنعة وأشكال الطعام الغريبة التي تقدمها برامج طبق اليوم. ولكن الناس يعودون الي ذلك الطعام البسيط بعد ان تصيبهم الامراض, يعودون اليه بعد ان تصيبهم أمراض السكر والقلب والضغط وارتفاع الكولسترول, عندها فقط يتخلون عن الاصناف الغريبة من الطعام ويعودون الي طعام اجدادهم, يعودون اليه لكي يعيشوا ولا تزداد أمراضهم, فمن يأكل هذا البسيط الرخيص من الطعام هو من يأكل طعاما صحيا, ولكن وسائل الاعلام تحرضنا علي الاطعمة المصنعة والغريبة بتخويفنا من (نقص التغذية) ولكنها لا تحدثنا عن الامراض الناتجة بسبب الافراط في التغذية (التغذية الزائدة) او بسبب الاغذية المصنعة مثل الدقيق والمعلبات والسكر وغيرها, وقد ثبت ان الامراض الناتجة عن التغذية الزائدة هي الاكثر شيوعا كأمراض القلب والاوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والسرطان ومرض السكر والكولسترول, امراض لم يكن يعرفها اجدادنا عندما كانوا يعيشون علي البسيط القليل من الغذاء. لقد كانت حياتهم سهلة بسيطة ولكن هذه البساطة لم تعجب القادة السياسيين والمتعلمين فاحتقروها وفتحوا الباب للإعلام ليحتقرها فاحتقرها الشعب, ولايزال (ناس) التلفزيون يعرضون علينا في كل ليلة بشرا لا يشبهوننا لا في عاداتهم ولا اخلاقهم ولا طريقة حياتهم, بشر اسمهم (الممثلون), تظهر نساءهم ورؤوسهن مكشوفة يتحدثن عن الحب والعمل وتحقيق الذات, يأكلون من موائد بها اصنافا كثيرة تفوق حاجتهم, ويسكنون في بيوت بدت لنا عجيبة أول الامر, في البداية كنا نظن ان هذا عالم خيالي نشاهده لنستمتع بالقصة , ثم اصبحنا نفكر مثلهم, ثم صرنا نتنافس لنعيش مثلهم ونأكل مثلهم بعد أن تغيرت ثقافتنا وصرنا مقتنعين تماما بان هذه هي الحياة السعيدة التي يجب ان نحياها, فاحتقرنا بيوتنا الواسعة الجميلة التي كنا ننام فيها ليلا وسقفنا فيها هو السماء بنجومها الجميلة, وتغيرت احتياجاتنا ومعاييرنا في الحياة, واصبحت احتياجاتنا لا نهاية لها وأسواء من كل ذلك الشعور السيء بالإحباط والنقص والحرمان الذي يجتهد الكثير من الكتاب وقادة الرأي علي تعميقه في النفوس ويعزز ذلك الكثير من القادة السياسيين الذين استسلموا لهذا النهج بتصريحاتهم السالبة التي لا ينتبهون لإثارها المخربة, فاصبحنا في مفهومهم فقراء لأننا لا نعيش بالطريقة التي رأوها عند غيرنا.
والحقيقة انه يمكننا ان نقول ان هناك نوعين من الفقر, فقر حقيقي وهو وضع خاص لأفراد داخل المجتمع وقد يكون وضعا مؤقتا أو مستديما, وفقر حرمان وهو حالة ذهنية تصيب المجتمع نتيجة لتغيير حدث في اسلوب حياة افراده أو نتيجة لوجود دوافع تدفعهم أو تحرضهم علي تغيير اسلوب حياتهم فتصبح لديهم احتياجات يكونون علي قناعة تامة بانه في حال عجزهم عن الحصول عليها فان حياتهم صعبة قاسية, واذا كان نقص المال هو السبب في هذا العجز اصبحوا مقتنعين تماما بانهم فقراء, والحقيقة ان معظم السودانيين الذين يتم تصويرهم اليوم علي انهم فقراء وتم اقناعهم بذلك هم في الحقيقة من الاغنياء وخاصة اولئك الذين يعيشون في اطراف السودان ويملكون الابل والبقر والغنم والارض الزراعية التي ينتجون منها ما يكفيهم ويزيد, ويملكون بيوتا واسعة من الطين او القش, صحيح انهم لا يملكون اموالا كثيرة ولا يتكلمون الانجليزية ولا يسكنون في بيوت اثاثها من الخارج ولا يأكلون اطعمة مصنعة, ولكن الذي لا خلاف عليه انهم يملكون بيوتهم والقوت الذي يفيض عن حاجتهم. ان مفهوم الفقر يختلف باختلاف البلدان والثقافات ولا يوجد اتفاق دولي لتعريف الفقر, ولكن عالميا تعرفه الدول الصناعية بانه تدني الوضع السكني و الصحي والمستوي التعليمي وانخفاض استهلاك الغذاء وعرف البنك الدولي الدول الفقيرة بانها الدول التي ينخفض فيها دخل الفرد عن 600 دولار في السنة. وفي الاسلام الفقير هو من لا يملك حاجته ولا يقوي علي كسب ما يسدها والمسكين افضل حالا منه, و كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يستعيذ من الفقر وقد أغناه الله تعالي من فضله ولكنه كان جوادا كريما كثير الانفاق يعيش ويأكل مثل اصحابه بالرغم من الاموال التي كانت تأتيه.
وان مما يؤسف له ان معظم القادة السياسيين والمتعلمين في السودان علي قناعة تامة بان حياتنا التي نحياها هي ليست الحياة التي نستحقها بعد ان رأوا أو عاشوا بين مجتمعات اخري, فأصبح همهم ومقياسهم للفقر هو ان نعيش مثل تلك المجتمعات, ولذلك فهم لا يعملون علي تصحيح المفاهيم ووضع الامور في نصابها الصحيح, وان السير علي هذا الدرب معناه دفع ضعاف النفوس دفعا للسير في طريق الفساد للحصول علي المال الذي يجعلهم يعيشون الحياة التي زينها لهم الاعلام غير الرشيد وسيدفع ذلك الكثيرين لكراهية بلدهم وطريقة معيشتهم . فلا بد من ثورة في المفاهيم لتصحيح مفهوم الفقر وتشكيل مفهوم مناسب للحياة الكريمة يتناسب مع مستوى الاقتصاد وقدرته علي تحمل طلبات الناس, مع ملاحظة ان الثقافة السودانية اليوم تقوم علي التقليل من قيمة السكن في الارياف فكم من مرة نسمع احدهم يسخر من قرية اخر او يفتخر احدهم بانه من سكان المدينة ابا عن جد, مع العلم بان السودان ليس بلدا صناعيا يستلزم ان يتكدس الناس فيه في المدن, فلا داعي لان نزين حياة المدن والمهن الحديثة ونحتقر الريف ومهنه. في ظني ان هذا هو نهج الاسلام الذي يجعل الناس سعداء راضين شاكرين في كل احوالهم. فالسعادة لا علاقة لها بكمية المال الذي تكسبه بل بالكيفية التي تعيش بها وملاءمتها لوضعك وظروفك, وما نحتاج اليه هو النظام وحب الاتقان, اتقان بيوت القش والطين لتكون اجمل وانظف, اتقان تربية الحيوان واتقان الزراعة وتجويدها, اتقان كل الاعمال واحسانها, والتعليم الذي نحتاجه هو تعلم الاخلاق العظيمة وحب الخير للناس ومعرفة النعمة التي بين ايديهم وشكر الله تعالي عليها. فنحن لا نريد حواجز نفسية بين ابناء البلد الواحد بسبب المال, ولا نريد ان نكون مثل امريكا او روسيا او دول الخليج, اننا نريد ان نكون مثل انفسنا, نريد ان ننتشر في السودان ونعمر ارضه, ولا يعمر الارض انسان محبط ساخط غاضب.
Shedad77@gmail.com