القائمـــــــــــــة .. بقلم: عادل سيداحمد

 

رسينا، أخيراً، أنا و زوجتي العزيزة (آمنة)، رسينا على القائمة المُقتضبة لطلباتنا في العيد، و في ورقة صغيرة إستقرت، لاحِقاً، في جيب الساعة، خطَّت زوجتى بخطِّها الأنيق، لستةَ الأصنافِ، و البضائع المطلوب شراؤُها، حتى يكُون هنالك مظهرٌ من مظاهرِ العيد في البيت، و لو في حدِهِ الأدني.

و ودعتني، إلى (خشم الباب)، تفيض منها مشاعر التضامن و الإشفاق، كأنني ذاهبٌ في سفرٍ مُستطير، أو مقبلٌ على عمليةِ قلبٍ مفتوح… و كان يقف خلف ذلك الإحتفاء الحزين، هو معرفتها و إدراكها عن ظهر قلب: أنني لا أملك المال اللازم، و لن تسعفني المبيعات، سيغلبني، آخر المطاف، الدين و يقهرني الرجال، لا محالة!
و لكن، عزاؤُها، و دافعُها، في آنٍ واحدٍ، كان هو إرادتها الغلابة لجبر خاطر الشُفع، الذين لا يدركوا الحال، و لن يقبلوا الأعذار، مهما كانت درجة لطافتها و قابليتها للبلع.
كنّا قد بحثنا، قبل الخروج، عمّا يمكن بيعه من حاجيات البيت، تخلُّصاً من الفائض، و جلباً لفلوسٍ معدودة، فلم نجد ما هو جاذب للبيع في موسم العيد سوى الحيوانات، المحدودة، التي كانت تشاطرنا الدار و تسهل علينا الحياة، و ثوبان من ثياب (آمنة)، كانت قد أمتلكتهما كهدايا، ضمن ثياب أُخرى، من مغتربين أقارب.
و بيعت السخلة أوّلاً و بسهولة شديدة، و درّت ثلاثمائة جنيه على الفور، تلتها الدجاجات الست و الديك المُرافق، اللذين بيعوا بعد لأيٍ، و أضافوا مائة جنيه أخرى، أمّا الثياب فقد استغرقت مني ساعات النهار كله، لتدر ثمانين جُنيهاً فقط آخر النهار، ليصير المبلغ الإجمالي بحوزتي هو: (أربعمائة و ثمانون جنيهاً، لا غير).
و لمّا لم يكن المبلغ بقادرٍ على الإيفاء باللستة المطبَّقة بعناية و القابعة في جيب الساعة، إذ كان هناك ضمن القائمة كساءٌ للأطفال، و أحذيةٌ، و أغراض لصنع الكعك، و الخبيز…و حلوى، و سُكسُكانيَّة و شعيريَّة… و مُدخلات مُلاح اللُّقمة…
و مع الفاقة و الفقر، فقد كان الجُزء الأخير، من الطلبات، و الخاض بوجبة الفطور… هو الأهم، لأن الناس من حولي كانوا أسوأ حلاً، و لأن العادة جرت، أن: يفطر بعضُ إخوتي و جيراني عندنا، في البيت.
و بتقديرات جديدة، قللتُ فيها الأغراضَ، و أصنافها كمَّاً و نوعاً: إنكمشت جملة الأسعار المدونة على القائمة مبلغ مائتي جنيه… و صارت الفجوة قريبة و لكن، دون أن تدنو، حتى الآن.
و عند ذلك الحد من الجهد، و التنازلات، طرقت دكّان عبد الحميد، و كان على عادته و بشاشته، فأحسن إستقبالي، فسهلت على المهمة، بدوري، و انطلق لساني ليشرح حوجتي لمبلغ ستمائة جنيه تقريبا، و لكنه قال مُصححاً، و هو يضحك:
– ما بتكفيك!
– معي مبلغ من المال.
– و لو…
و اخرج رُزمةً من المال، مكتملة: كما رُبِطت في البنك، من فئةِ العشرين جُنيه، و أوضح و هو يناولني إيّاها:
– دي إتنين ألف، نُصَّها دين هالك، و النصف الآخر دينٌ مستحق… و لكن إلى حين ميسرة.
شكرته، دون مجاملة زائدة، و دونما تزلف و لا كثرة كلام، فقد كانت العلاقة بيني و بينه متينه، و تتحمل استدانة أو طلب مبالغ أخرى. و لكن المبلغ كان كافيّاً، حتى الآن،…!
و رفعت الجلابية، وسط البلد، و أدخلت القروش في جيب العراقي… ثم انطلقت، مبتدئا،ً بسم الله، بأحذية الأولاد، أكرمكم الله…
و من محلٍ لآخر، و من طبليّة إلى طبليّة، إيفاءً للثالوث الجهنمي: السعر، الشكل و المقاس للأحذية… ضاعَ عليّ اليومُ، و أقبلت نسمة المغارب تتهادى، و لكن في تلك اللحظة، و التي هممتُ أن أدفع فيها ثمن الأحذية المُختارة، إكتشفت في تلك اللحظة بالذات، أن جيب الجلابيّة، و من تحته العراقى قد مزقا بموس، حادة في الغالب، و إن الجيب الذي كان يحوي الإتنين ألف: خاوٍ على عروشه.
و كان الشخص الوحيد الذي لن يصدقني فحسب و إنما يحتملني، إحتمالاً، هو آمنة، و ها أنا ذا أعود إلى الدار و في جيبي الأيسر مبلغ المبيعات الأربعمائة و ثمانون جنيها، لتشاركني آمنة، آلام النشلة، و فن الحُواة: و تقليص القائمة من جديد.

amsidahmed@outlook.com
///////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً