القروض الربوية ودابة الأرض .. بقلم: ناجي شريف بابكر
23 يونيو, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
119 زيارة
.
.
عدد كبير من النواب البرلمانيين الإسلاميين في الخرطوم، بالأخص نواب كتلة الشعبي كانوا قد اعترضوا علي التعاقد علي قرض كويتي بمبلغ 51 مليون دينا ر كويتي، لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بمنطقة الباقير جنوب الخرطوم.. نفس هؤلاء النواب هم الذين صوتوا لتصدير إناث الأنعام.. كأول سابقة لإهلاك الحرث والنسل، تقوم بها الجمعية التأسيسية منذ معركة كرري.
.
المعروف أن البلاد تعاني من نقص كبير في التوليد الكهربائي للقطاعات الإنتاجية، مما يعد واحدا من المعوقات الأساسية للنهضة الصناعية بالبلاد، وبالتحديد في مواجهة توطين قطاع الصناعات الثقيلة كصناعة الحديد في السودان، وذلك لأن لجوء المصانع للتوليد الذاتي، يرفع تكاليف الإنتاج بصورة باهظة، بمضاعفة النفقات الرأسمالية ونفقات التشغيل في وقت واحد، وبالتالي يتسبب ذلك في إضعاف القدرة التنافسية المقارنة للمنتج المحلي في مواجهة المنتج المستورد، الشئ الذي يزيد معه الطلب علي السلع المستوردة كبديل للمنتجات المحلية باهظة التكاليف. فتقعد البلاد عن النهضة الإقتصادية وتتزايد فيها معدلات العطالة والفقر والفاقة، وتتضاعف عما كانت عليه من قبل.
.
لا يخفي علي أحد في البلاد، ربما عدا الأثرياء والإسلاميين، ما وصلت إليه البلاد من المعدلات المتزايدة للفقر والفاقة، ومن عجز الدولة في مقابلة الإحتياجات الأساسية لذوي الدخول المحدودة.. فقد وصل الفقر حدا إحتلت فيه أخبار رواج تجارة الدجاج النافق وتداوله بأسواق الضواحي، مانشيتات الصحف لعدة أيام متتالية، حيث أن عددا كبيرا من ضواحي الخرطوم قد إنضم سكانها مؤخراً لآكلي الدجاج النافق من شدة الفاقة وضيق ذات اليد.
.
ولأن القائمين علي أمر البلاد والقاعدين بها، لا يعلمون الكثير عن الفقر والفقراء، فبدلا من أن يحمدوا الله أن هؤلاء الفقراء الذين كانوا يتضورون جوعا، قد وجدوا في ذلك ما يقيم لهم أودا وأن يظلوا به علي قيد الحياة. وبدلا من أن يسائلوا أنفسهم وأهليهم عما يدعو الناس للجوء لأكل النافق من الدجاج في مكان الطازج منه، قاموا بدلا عن ذلك بالإعلان عن تنظيم حملات لإبادة الدجاج النافق، بل أشرف السيد وزير الصحة الإتحادية بنفسه علي إلزام مزارع الدواجن بإنشاء محارق في كل مزرعة لإعدام ولائم الفقراء.
.
هؤلاء الإسلاميون الذين يعترضون علي قرض كويتي بسعر فائدة 2% في العام بعد إعفاء لمدة خمسة أعوام ولمهلة سداد تمتد عشرين عاما، بحجة أنه قرض ربوي يحرم علي المسلمين، يتناسون أن دولة الكويت مسلمة وحسنة الإسلام، ويتناسون أن مصارفهم الإسلامية في الخرطوم تفرض هامشا علي التمويل يبلغ 18% في ظاهره ويتجاوز 24% إذا ما خصمنا المقدم والأقساط المدفوعة خلال مدة التمويل، بل وتحشر غارميها من الفلاحين في الزنازين مدي الحياة، في مقايضة فاضحة للحرية مقابل المال..فأيهما أكثر إستغلالا للفقراء وقد حرم الله الربا لما ينطوي عليه من الإستغلال والحوجة..
.
هؤلاء النواب الإسلاميون يتناسون أنهم بإعتراضهم علي هذا القرض، إنما يعترضون علي كل حزم التمويل التنموي، التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي ونادي باريس وصندوق النقد، ولعله من البديهي أن النهضة التنموية لا تتم إلا من خلال القروض والوفورات الرأسمالية الكبيرة. عليه فهم بذلك إنما يريدون أن يظل السودان يراوح مكانه في ظلام دامس وفقر مدقع. بينما تجدهم هم يتجاوزون هذا الواقع وهذا البلاء، بشراء العقارات فيما وراء البحار، ليتنفسوا هواء البلاد التي تأكل الربا، إن كان سعر الفائدة علي القروض التنموية هو الربا، ويحصلون لهم ولأهليهم ولأحبابهم ولزوجاتهم، المتأخرات منهن علي سبيل التحديد، علي جوازات أجنبية. وحينما يجدون ظروف التعليم المتدنية في الداخل تقل عن طموحاتهم وأشواقهم، يرسلون أبناءهم النابغين للدراسة في أعرق الجامعات الأجنبية وأبهظها كلفةً، ولكن بسعر الدولار الحكومي، كل ذلك في نفس الدول الربوية تلك، التي يضنون علينا بأموالها وقروضها التنموية الميسرة..
.
يريدون لنا أن نظل في فقر وذلٍ وظلام دامس، حتى يومٌ تأتي فيه دابة الأرض، التي مازالوا في كتاباتهم المعاصرة ينتظرونها بفارغ الصبر ويرجون أوان حلولها، حتى ذلك الحين نكون نحن وأجسادنا ومصائرنا لهم قربانا يتقربون به زُلفى إلي الله.
.
لقد أخبرتكم يوما أن هؤلاء الناس ضيقو آفاق، وأنانيون حتي الثمالة، يضنون على البؤساء والجوعي بالدجاج النافق منه والطازج، كلاهما، وعلي الناس بالحلول الإنسانية المتاحة، بينما لا حلول ولا نوايا للحلول بجعبتهم البائسة، فهم أثرياء لحد الدهشة، وبخلاءٌ كذلك، بحيث انعدمت العطايا الأنسانية ومبادرات الإحسان في عهدهم، مقارنة مع ما سبقتهم من العهود. أثرياء بحيث يمكنهم قضاء الصيف في أوروبا أو البالم إيلاند وشرم الشيخ وجزيرة لانكاوي في ماليزيا، أما نحن آكلو الدجاج النافق فسنظل وتظل بلادنا في ظلامها الدامس معبدا لهم يتبتلون فيه ويتخذون منه منصة للعروج إلي السماء.
.
إنتهى
nagibabiker@hotmail.com