القطط السمان والأزمة الاقتصادية .. بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين
24 يوليو, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
106 زيارة
في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد كثر الحديث عن الفساد وعن القطط السمان، خاصة مع استمرار ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وحصول الهزات الارتدادية لهذا الارتفاع المتمثلة في ارتفاع الاسعار وركود الأسواق، وما تلاه من اجراءات السيطرة على السيولة بتقييد السحب النقدي وتبديل العملة فئة الخمسين جنيهاً؛ لم تتوالى الازمات فقط لارتفاع اسعار العملات الاجنبية مقابل الجنية لكن شهدنا ازمة وقود خانقة، وأزمة مواصلات، ونذر ازمة فشل الموسم الزراعي، وازمة كهرباء، وحاليا نشهد ازمة خبز لا ندرى هل هي حقا بسبب انقطاع الكهرباء ام بسبب آخر متعلق بعدم وجود احتياطي نقدى كما حدث في أزمة الوقود. وفي خضم هذه الازمة الاقتصادية الخانقة خرجت علينا الصحف والوزراء باحاديث مثيرة عن الفساد وكأن الأزمة سببها الوحيد هو الفساد علماً بأن الفساد قديم جداً وليس حديثاً ارتبط فقط بموازنة 2018م والازمة الحالية، ايضاً صُمت آذاننا بنظريات المؤامرة، وتهريب الذهب دون النظر الي اسباب التهريب وسبل تهريبه. وأرى أن اثارة غبار الفساد وقططه السمان مقصودة حتى تمر الأزمة مرور الكرام وننسى ونقع في ازمة اخرى، ودون ان يتحدث احد عن الازمة وأسبابها الحقيقية ودون الاعتراف بأن الازمة الاقتصادية سببها سياسات الحكومة الخاطئة والمترددة سواءً الاقتصادية او النقدية؛ وظل المواطن في دائرة الأوهام المفرغة التي تبيعها الحكومة بدءً من النفي المغلظ بأن السودان لن يتأثر بالحظر الاقتصادي الامريكي مطلقاً، ثم سمعنا من نفس المسئولين أن السودان تأثر جداً بالعقوبات الامريكية والحصار الاقتصادي وذرفنا الدموع لإقناع الادارة الامريكية بذلك، ثم سمعنا أن رفع الحصار الاقتصادي الامريكي سوف يمطر السماء علينا ذهباً، ولم نستطيع بل لم ندرك ونفهم أن انسياب التحويلات والمعاملات البنكية مرتبطة بقائمة الارهاب الامريكية وقيودها؛ ثم سمعنا أن السودان لن يتأثر بانفصال الجنوب مطلقاً واننا اعددنا العدة ولدينا كثير من مربعات انتاج البترول التي سوف تدخل الخدمة وهي مبشرة جداً، والآن اعترفنا بأن انفصال الجنوب شكل ازمة كبرى لاقتصادنا، وفرحنا ايما فرح باتفاق فرقاء الجنوب الذى سوف يجلب الاستقرار لجنوب السودان ومن ثم سوف يتدفق البترول عبر الشمال وايراداته رغم ان هناك شكوك كبيرة في استمرار فرقاء الجنوب في اي اتفاق ويتضح ذلك في السعي لتمرير مشروع حظر بيع السلاح للجنوب وبعد توقيع اتفاق الخرطوم. ايضا كان سعى الحكومة للاستفادة اقتصادياً من الانضمام الى تحالف حرب اليمن لكن وقعت الحكومة فريسة لتجاذب سياسي افقدها الكثير من الدعم.
إن قضية الاقتصاد السوداني تنحصر في ضعف الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع النفقات العامة وبالتالي ازدياد مؤشر العجز الكبير في الموازنة، ايضا قضية الاستيراد غير المرشد، واهمال قطاعات الانتاج الزراعي والحيواني والصناعي؛ فمثلاً كانت الزراعة في عام 1995م تسهم بنحو 59 في المائة من عائدات الصادرات من غير ايرادات البترول، بينما لم تتجاوز مساهمة هذا القطاع الهام نسبة 22 في المائة في عام 2014م. اما قطاع الانتاج الحيواني لم تتحسن مساهمته في عائدات الصادرات سوى بنسبة 6 في المائة حيث كانت نسبة مساهمته في عام 1995م نحو 21.4 في المائة بينما وصلت في عام 2014م فقط 27.7 في المائة. واذا اخذنا انتاج القطن نجده أسهم خلال الفترة 1968-1970م بنسبة 68 في المائة بينما تدنى اساهمه للفترة 1990-2002م الى 26 في المائة وهذا مؤشر سيء على اعتبار انه محصول نقدي. وأثبتت بعض الدراسات أن القطاع الزراعي كان مؤثراً في الناتج المحلي تأثيراً جيداً وان هذا القطاع كانت حجم صادراته أعلى من الصادرات الحيوانية. ونشير هنا الي نقطة مهمة جداً، وهي انه لم يتم استغلال عائدات البترول في تنمية وتحسين القطاعات الاخرى مثل القطاع الزراعي وقطاع الانتاج الحيواني والصناعي، بحيث تكون مؤهلة للمساهمة بصورة اكبر في زيادة الناتج المحلي الاجمالي؛ وذكر الدكتور عبدالوهاب عثمان رحمه الله في كتابه منهجية الاصلاح الاقتصادي في السودان، أن الاعتماد الكامل على موارد البترول في تمويل إنفاق الدولة يعرض الاقتصاد الوطني الى هزات وأزمات اقتصادية حادة وغير مأمونة العواقب بسبب التذبذب والتقلبات التي تتعرض لها موارد البترول بسبب التقلبات الدورية المعتادة في أسواق النفط دولياً [فضلا عن اسباب أخرى كما حدث بقيام الحرب في جنوب السودان التي اوقفت تدفق البترول عبر السودان]. من هذا العرض يتضح ان ارجاع الازمة الى الفساد فقط ليس صحيحاً والتعويل على حملة محاربة الفساد في حل الأزمة يعتبر ضرباً من الخيال.
لن تستطيع الحكومة الحد من الأزمة الاقتصادية تدريجياً في ظل احجام المقرضين عن اقراض السودان، إلا من خلال اعادة تنمية قطاع الزراعة والاستفادة من محاصيله النقدية، وتطوير الانتاج الصناعي والاهتمام والتركيز على الصناعات التحويلية لمنتجاتنا الزراعية والحيوانية، تعزيز التنافس في القطاع الصناعي وتحسينه لمواجهة المنافسة العالمية، وتحسين البيئة المحفزة والجاذبة للاستثمار، وتأهيل قطاع الثروة الحيوانية وانشاء المسالخ الحديثة وتحديثها باستمرار والمحافظة على معايير الاداء العالمية وتوفير الخدمات البيطرية وتوعية المنتجين وتطوير اسواقنا بالتوسع نحو اسواق جديدة غير تقليدية. ايضاً السيطرة على السيولة النقدية بالحد من طباعة العملة غير المنضبط لمواجهة التزامات الحكومة، واصلاح النظام المصرفي. إن انخفاض أسعار النفط ومخاطر الاقتتال في جنوب السودان تحتم على الحكومة وضع برنامج إصلاحات عميق يهدف إلى ترشيد النفقات العامة دون إرهاق محرك النمو والاستثمار العام ودون المساس والتأثير على المرتبات والصحة والتعليم ودعم الوقود، واتخاذ الحوكمة سبيلاً لتعزيز قدرات التحكم في الإصلاحات الاقتصادية وتنفيذها، كما فعلت بلدان مثل ماليزيا وإندونيسيا والهند، وإنشاء هيئة رسمية تتمتع بالصلاحية اللازمة لتسريع الإصلاحات وازالة الصعوبات التي تعترض إنجازها والتصدي للازمات عند حدوثها.
الصيحة: 23/07/2018
omarmahjoub@gmail.com
////////////////////