القـفـز من الضائقـة إلى الأزمـة 

 


 

عمر العمر
28 October, 2021

 

مغامرة البرهان الرعناء ليست غير نتيجة حتمية لركام من الأخطاء والتفريط من قبل ممن تصدر خشبة صناعة القرار السياسي باسم الثورة. هي في الوقت نفسه خلاصة منطقية لمراكمة مواقف متعمّدة ممنهجة من قبل العسكر وحلفائهم.

أبرز خطايا القادة السياسيين تعاملهم مع اتلك المواقف بحسن الظن والنوايا الطيبة - وفق أفضل الأحكام - وبغفلة وجهالة وسذاجة حسب الرؤية الموضوعية. مسلسل الغفلة بدأ يوم تناسى القادة الجدد تجربة التاريخ فلم يروا في شراكة العسكر مخططا لقطع الطريق أمام الثوار كما حدث في إبريل 1985. خورهم عن مجاراة زحف الجماهير نحو نهايات الثورة حملهم للاختباء وراء شراكة مزعومة تحت لافتات مثل حقن  الدماء واحتواء العنف.

شبقهم إلى المناصب ربما جرفهم إلى ذلك الرواق المظلم. رفاق الشهداء ما وهنوا ولا استكانوا ولا ترددوا عن البذل والتضحية مما جعل تلك الشراكة غير مبرأة من خيانة الثورة وجماهيرها.

***   ***   ***


قصور رؤى القادة فاقدي التجربة والحصافة أعماهم عن تقديم نخبة من حكماء الشعب أصحاب الرؤى و الهيبة والخبرة السياسية  إلى مجلس السيادة.

الجنرالات في المجلس وجدوا أنفسهم مقابل بضعة رجال وامرأتين لا يسد بعضهما نقوص الآخر. هكذا وجد البرهان الدرب ممهداً بالصمت والرضا لاختطاف رأس الدولة برمته. ما من أحدٍ من العاجزين نهض في وجهه ليبلغه إنما هو  واحدٌ بين أنداد متساوين. بينما تتشظى الحاضنة السياسية بالوهن والضعف جدت شراذم اللصوص والفلول في التجمع والتلاحم سراً وعلانيةً وعلى قارعة الطرق القومية  دفعا لمخطط الإنقلاب على الثورة والشعب. بغية تفادي هذه النهاية المحزنة حذرنا كثيرا كتلة الحاضنة السياسية من التوغل في الخلافات. من أجل الحفاظ على المكتسبات المشرّبة بالعرق والدم نادينا بنخبة معززة بالخبرة السياسية في السلطة التنفيذية. كثيرا ما أنتقدنا منهج حمدوك في إدارة تباينات الشركاء الفرقاء. ما كانت أمثولة "

الشراكة النموذجية" مقنعة في حدها الأدنى. لذلك ذهبنا حد المناداة بذهاب حمدوك نفسه من أجل بقاء الثورة.

***   ***   ***


في المقابل نبهنا إلى تباطؤ العسكر حد التواطؤ في التجاوب مع  جماهير الثورة والسلطة التنفيذية بغية تنفيذ شعاراتها وغاياتها. فالعديد من مشروعات القرارات والبرامج لاتزال رهينة تعطيل جنرالات مجلس السياده . هم يتحلون وحدهم  كذلك مسؤولية مظاهر الإنفلات الأمني والتسيب الفاضح  في إستشراء تهريب كنوز الأرض عبر صالات المطارات. المؤسسة العسكرية تستأثر بأكثر من ثلثي مصادر الإقتصاد القومي بينما يجأر البرهان باتهام السلطة المدنية بالفشل في تحقيق شروط الحياة الكريمة للمواطنين. سلام جوبا لم يأت ليعزز مسيرة السلم الإجتماعي بقدر ما جاء ليزيد اندفاع التيار المضاد للثورة. هؤلاء المنادون بإلغاء المحاصصة تناسوا أنه ما تأتى لأحد منهم شغل ما يشغل من موقع لو احتكم الجميع إلى معايير الكفاءة. ذلك من معايب حسن نوايا السياسيين وسوء طوية العسكريين وأباطرة الميلشيات. ذلك يوضح بجلاء كم كان  المخطط الإنقلابي ممنهجا ممرحلا أمام عيون من لا يرى من أصحاب السذاجة  العاجزين عن استيعاب الظرف التاريخي بكل تعقيداته وتشابكاته.

***   ***   ***


 كلهم إنهمكوا في الإنكباب على الإختلاف بين أنواع الأشجار دونما تكليف أنفسهم بالنظرة الشاملة إلى مشهد الغابة الكلي. تلك رؤية لا تنحصر على الخلافات بين الفرقاء المحليين بل  تشمل الأخذ في الإعتبار موقع السودان الجيوبولتيكي لذلك تفرّقت بهم المسالك إلى المهالك. تلك المقاربة تتبدى بوضوح فيما اتسم به أداء الحاضنة السياسية والسلطة التنفيذية تجاه العديد من القضايا الملحة أبرزها تشكيل المجلس التشريعي .

***   ***   ***


تلك الأمراض والأعراض السالبة لا تستوجب القيام بهذه المغامرة الرعناء.فما يحدث يزيد السوء سوءاً كما يتمظهر أمام العالم فالشعب لن يرتضي البتة إدارة عقارب الساعة إلى الشمولية العسكرية. شباب الثورة لن ينسوا رفاقهم الشهداء قرابين الحرية والتقدم. البرهان يقفز من سفينة معطوبة إلى بحر الظلمات. الآن هو يشعر بالنكسة الخانقة والعزلة الضاغطة على كل الأصعدة إذ لا ظهرا أبقى ولا وادياً قطع. الفشل امامه والجماهير وراءه. لو كان البرهان قائد جيش سوداني محنك لرأى في سيول البشر عبر شوارع المدن في الحادي والعشرين من الشهر ما يدفعه لاتخاذ مسار مغاير لهذه المغامرة الخرقاء. عندما شاهد الفريق عبود جموع المتظاهرين في ساحة القصر آثر بناءً على نصيحة عدد من ضباطه التخلي عن السلطة على مواجهة الجماهير بالسلاح ذاك وقتُ كانت المؤسسة العسكرية ذات طابع قومي تجسد أخلاقيات الشعب. الفريق عبود وصحبه كانوا رجالا تفيض بزاتهم العسكرية فحولة ومقيما سودانية في عدادها نكران الذات . عندما رأى سوار الدهب شبح صدام بين الشعب والجيش من أجل بقاء قائده في السلطة لم يتأخر الفريق عن تفكيك ذلك المأزق بإعلاء الوفاء للشعب على الولاء للقائد.  تلك هي المقومات العسكرية السودانية الأصيلة.

***   ***   ***


    ذلك ليس طبع البرهان كما هو حال الجيش ليس حاله . فلا الجيش كما كان ذلك الجيش ولا القائد من طراز أؤلئك الرجال ذوي الشخصية محط الإحترام والبعد القومي واننظرة الإستراتيجية النافذة. فالجيش لم يعد قوامه ضباط وجنود انتماؤهم الخالص للوطن والشعب . كما لم يعد هو حامل السلاح  الوحيد في الوطن. كذلك لم يعد ولاء الضباط والجنود للشعب يعلو فوق الإنتماءات الضيقة. لوكان الزمان والرجال مثلما هما في ما مضى لآثر البرهان عقب تظاهرات الحادي والعشرين من الشهر الجاري الخروج من السلطة إلى مدارج التاريخ.  لكن تلك المسيرات الإستثنائية أبانت للبرهان  وحليفه حميدتي كم هو ضيقٌ الوطن مثلما هو المستقبل أمامهما  .ذلك المأزق حملهما لإرتكاب حماقة  المغامرة االخاسرة  .عبود وصحبه كما سوار الدهب ومجموعته لم يكونوا مهجوسين بالسلطة كما هو حال البرهان وزمرته .  كما لم يكن أولئك ملوثين بالفساد وحملات التصفية العشوائية ومستنقعات دماء الأبرياء فالسلطة في عيون البرهان وحميدتي هي العياذ الحصين الأخير من المطاردات والمساءلة القانونية .

***   ***   ***


بدلاً عن تفريج الضائقة بالحوار من أجل عبور الخلافات أخذت الأزمة تستحكم  حول البرهان وزمرته على وقع هتافات الجماهير الهادرة عبر الوطن وبيانات الإستنكار المتصاعدة في عواصم الغالم. الرجل محاولة  استثمار ورقة حمدوك على الصعيدين المحلي والخارجي بما للدكتور من رصيد لم تفلح أداء حمدوك اتسم بالمهادنه والتحمل الجميل من أجل البلوغ بالمرحلة الإنتقالية إلى الضفة المقابلة بسلام . ذلك نهج جعل الدكتور يشيد بحنكة البرهان قبيل المغامرة لكن هذا الأخير لم يفهم الكلام.. من العسير على البرهان العثور على كفاءات وطنية نيّرة – حتى من بين الأخوان- تضع أياديها في يديه الملوثتين بالفساد والدم تحت هذه المطرقة الثقيلة ليس أمام البرهان غير الركون إلى فئة الناقمين والطفيليين من منسوبي النظام المقتلع والمتشددين منهم. تلك هي خاتمة القفز فوق الواقع إلى المجهول الحديث عن سلطة تمثل ولايات السودان كلام هراء ينضح جهلا وخداعا.

***   ***   ***


استحكام الأزمة يحمل البرهان وحميدتي لممارسة حملات الإذلال والعنف الدفتردارية ضد الشباب لكنهما لن ينجحا في كسر إرادة الشعب أو إخماد جذوة المواجهة والبذل والتضحية الخوض في الدم لم ينقذ كل الطغاة الصغار السبقين عبر التاريخ. الآن يمارس الثوار مع الإنقلابين لعبة الصبر على عض الأصابع وسنرى من يصرخ أولا.  أمام جماهير الثورة تحديات وتعقيدات أكثر مما مضى . من أبرز تلك التحديات كيفية استيعاب قيادات قوى الثورة الظرف الجيوبولتيكي السوداني في لعبة الأمم والتخلي عن السذاجة السياسية والتسلح باليقظة والإرادة الواعية.


aloomar@gmail.com

 

آراء