محمد صالح عبدالله يس
يقال ان الجغرافيا الوسيمة تصنع نفسها ويعلو كعبها في سلم الحضارات لكنها ليست صاحبة السمو فالتاريخ هو تاج عزها وصولجانها. تمنح الجغرافيا المكان جماله وحضوره وترسم المدن والأسواق والأنهار والطرقات وتمنح الحياة ملامحهاوحيويتها التي ترى وتحفظ في الذاكرة لكن التاريخ هو الذي يمنح الأمكنة معناها وهوسجل الزمن لحياة الشعوب والاشخاص والامم ويضع على جبينها هيبته ويرفع بعض أبنائها من عابرين للزمن إلى علامات واحداث عصية على النسيان ومن بين أولئك يجيء القمندان مدني مهدي سبيل رجل لم تكن سيرته وظيفة تقلدها واداها ولا رتبة حمل علي كتفيه اثقالها ولا سنوات انقضت من عمره وإنما حياة تداخلت مع صفحات مضطربة من التاريخ السودان الحديث فقد كان عليه الرحمة شاهدا على بعضها وصانعا ماهرا لبعض احداثها وتفاصيلها فهو حاضرا في مفاصل لم تكن تحتمل التردد او ضعف البصيرة فتقدم سرجه يوم تأخرت سروج رفقاءه
ونحن حين نستعيد سيرته فإننا لا نستعيد رجلا من الماضي فحسب فحياته كانت بداية عصر ولكنا نستعيد زمنا كان الرجال فيه يعرفون فيه بما صنعته ايديهم وبما تركوه وراءهم من أثر فمدني لم يكن رقما في سجل الشرطة ولا اسما عابرا في دفتر اليومية وسجلاتها بل كان من جيل رأى في الخدمة العامة مسؤولية وفي الوظيفة امتحانا للضمير قبل أن تكون سلما لتراتيبية الترقي ومن غرائب سيرته أن الأحداث الكبرى كانت كثيرا ما تعترض طريقه حتى ليبدو وكأن التاريخ كان يختار له مواقعه قبل أن تختارها أوامر الخدمة.
لم تكن عودته إلى الخرطوم من جنوب السودان مجرد انتقال لضابط أنهى مأمورية في طرف قصي من البلاد فقد عاد يحمل ذاكرة مثقلة بأحداث الجنوب حيث عاصر تمرد حامية توريت قبيل الاستقلال واقترب من أحداث جسام شهدتها تلك المنطقة ثم جاءت الوقائع المأساوية المرتبطة بتحطم الطائرات في توريت لتضيف إلى سنواته الجنوبية صفحة مثقلة باعباء تاريخية وكانت تلك المرحلة مدرسة ميدانية صقلت خبرته في التحقيق والأمن وإدارة ملفات الأزمات وعرفته بالسودان من أطرافه البعيدة وادرك ماهية جغرافية وتاريخ السودان حيث كانت الأحداث أحيانا تسبق قرارات المركز ولعل الجنوب ترك في شخصيته ما لا تقوله التقارير الرسمية فقد تعلم أن وراء كل حادثة بشراً وحكاية وأن المحقق لا يكفيه أن يقرأ الأوراق بل عليه أن يقرأ الانسان وما وراءه والأمكنة والظروف التي صنعت الواقعة ومن هناك عاد مدني أكثر خبرة وأشد معرفة بتعقيدات البلاد التي عمل في خدمتها
وحين طوى دفاتر الجنوب وعاد بأسرته إلى الخرطوم وجد عاصمة غير التي تركها كانت سنوات الفريق إبراهيم عبود تمضي نحو نهايتها والسياسة قد خرجت من مجالس الصفوة إلى الجامعات والنقابات والشوارع. المقاهي تضج بالأحاديث والصحف تتنازعها الآراء والناس يتساءلون عن مستقبل الحكم، حتى انفجرت ثورة أكتوبر 1964 وسقط النظام العسكري.
وهكذا خرج مدني من اضطرابات الجنوب ليجد نفسه في قلب اضطراب آخر غير أن المسرح هذه المرة كان الخرطوم نفسها وبالنسبة إلى ضابط شرطة كبير لم تكن تلك الأيام أخبارا تقرأ في الصحف فقد كانت الشرطة في قلب التحولات مطالبة بحفظ الأمن بينما تتغير السلطة ويعيد الشارع رسم المشهد السياسي. وكان على رجالها أن يوازنوا بين واجب المهنة وتحولات زمن سريع لم يكن ينتظر أحدا
وفي تلك المرحلة أسندت إليه إدارة البوليس منصب مدير إدارة المباحث الجنائية بالسودان فانتقل من قضايا المديريات والمواقع البعيدة إلى موقع مركزي تتجمع عنده خيوط التحريات والمعلومات القادمة من أنحاء البلاد. ولم تعد أمامه قضية مدينة بعينها بل أصبحت خريطة السودان كلها ميدانا رحبا وفسيحا لمسؤوليته.
وكانت المباحث يومئذ عالما تحكمه دقة المعلومة وفراسة المحقق وذاكرة الملفات وخبرة رجال التحري قبل أن تدخل التقنيات الحديثة إلى العمل الشرطي. وفي هذا الموقع استدعى مدني ما اكتسبه خلال سنواته الطويلة الصبر على التفاصيل وربط أطراف الوقائع والقدرة على قراءة الماورائيات للاحداث وكانت تلك واحدة من المحطات التي انتقل فيها الرجل من ضابط تصنعه التجربة إلى مسؤول كبير يوظف تلك التجربة في صناعة القرار داخل مؤسسة الشرطة
ثم حملته المهنة إلى ما وراء حدود السودان حين أوفد إلى البرازيل لحضور اجتماعات الإنتربول وكانت الرحلة أكثر من مهمة رسمية فقد فتحت أمامه نافذة على العالم الخارجي وعرف ماهية التعاون الشرطي الدولي ورأى عن قرب كيف تتبادل أجهزة الشرطة المعلومات والخبرات وكيف أصبحت الجريمة تتجاوز الحدود وعابرة لها وأصبحت مواجهتها عملا تشترك وتتعاون فيه مؤسسات من دول مختلفة فالامن اصبح بضاعة عالمية يرغب الجميع فيها
وفي تلك الرحلة شيء يلخص مسيرة الرجل كلها فالضابط الذي حمل ملفاته ذات يوم بين توريت ومدن الجنوب وجد نفسه بعد سنوات يحمل أوراق السودان إلى محفل دولي في البرازيل حين ابتعث مدني إلى البرازيل لحضور مؤتمر الإنتربول كان العالم أقل جنونا وصخبا مما نراه اليوم وكان الزمان عاقلا يمضي على مهل فالمسافات أبعد والأخبار ضيعفة السريان والسياسة أقل صخبا وضجيجا وكان السفر نفسه حدثا مهما والبرازيل في المخيلة السودانية بلدا قصيا وراء المحيط يعرف السودانيون شخصا واحدا هو بيليه لاعب الكرة الشهير وبدأت الشرطة السودانية تخطو بثقة إلى رحاب العالمية وفي رحاب الإنتربول اتسعت أمام مدني صورة العمل الشرطي فأدرك أن الجريمة لم تعد حبيسة الحدود وأن ملاحقتها تقتضي يقظة وتعاونا يتجاوزان خرائط الدول
وعاد وهو أكثر إحساسا بعِظم المسؤولية التي تنتظر الشرطة السودانية وضرورة أن تمتلك أدوات تشخيص الجرائم العابرة للحدود وتعقبها وملاحقة مرتكبيها وقد استفاد مدني من هذا المؤتمر وتمكن بمهارته من اكتشاف اكبر شبكة للمجرين سنتحدث عنها في حلقة اخري بدأت حياته المهنية بمعرفة السودان واقاليمه ثم التعرف على العالم غير أن الملفات والمناصب، مهما قالت لا تستطيع أن تروي الرجل كله وهنا يجيء دور المهندس أنور مدني الابن البكر والصندوق الأسود لسيرة والده فقد عاش قريبا منه وسمع منه ما لم يسمعه المؤرخون وكتاب السير وحفظ ما لم تدونه الأوراق وتحفظه السطور والغراطيس واختزن أسماء الرجال وتفاصيل المواقف والحكايات التي مرت بحياة أبيه.
وحكايات أنور ليست رواية منقولة من كتاب وإنما هي ذاكرة البيت فيها مدني الأب والإنسان بعيدا عن الرتبة والزي الرسمي. فالوثيقة تخبرنا ماذا حدث أما ذاكرة الابن فتخبرنا كيف عاش الرجل ما حدث فالوثيقة تحفظ الواقعة والابن يحفظ روحها. وكثيرون ورثوا أوراق آبائهم ومذكراتهم لكن قليلون منهم من استطاعوا فك طلاسمها وربط أحداثها بسياقاتها وأنور من تلك القلة
ومن هنا تصبح شهادته مفتاحا مهما من مفاتيح سيرة مدني فكلما فتح صندوق ذاكرته خرجت منه صورة لضابط الشرطة والأب والصديق والإنسان وكأننا لا نسمع صوت الابن وحده وإنما نقترب من صوت مدني نفسه ذلك الصوت الذي لم تحفظه الملفات وحفظته ذاكرة البيت وربما كانت قيمة هذه الحكايات أنها ترد للرجل ملامحه الإنسانية بعد أن اختزلته الأوراق طويلا في الرتب والمناصب والتقارير الروتينية
كان مدني مهدي سبيل قمرا ذاتي التوهج واللمعان في فضاء الشرطة السودانية لم يستمد نوره من منصب ولا من رتبة وإنما من سيرة صنعت وهجها بنفسها. وكانت هيبته من مواقفه وأخلاقه قبل أن تكون من بريق الزي الرسمي وفي زمن كانت فيه الشرطة مدرسة للانضباط والرجولة وخدمة الناس كان هو واحدا من الذين أضافوا إلى المهنة شيئا من أسمائهم كما أخذوا منها شيئا من مجدها.
ومضت الأعوام وتبدلت الحكومات والرتب والوجوه وبقي الأثر لأن التاريخ لا يحتفظ دائما بمن امتلكوا السلطة وإنما كثيراً ما يحتفظ بمن امتلكوا الموقف حين كان للموقف ثمن وتلك في نهاية المطاف هي القيمة الحقيقية للسير والاخبار كأن تستنطق الرجال من صمت الأوراق وأن تضعهم مرة أخرى في زمانهم ومكانهم وبين الناس الذين عرفوهم.
وهكذا تبقى الجغرافيا جميلة بما صنعت من أمكنة ويبقى التاريخ أسمى بما صنع من رجال وفي حضرة التاريخ لا يكون السؤال أين عاش الرجل ولا أي رتبة حمل ولا كم عاما أمضى في الخدمة وإنما ماذا فعل حين مر بدهاليز وشرفات التاريخ التاريخ
وعند هذا السؤال لا تنتهي حكاية مدني مهدي سبيل بل تبدأ صفحات أخرى من سيرة رجل كلما ظن أن فصلاً من حياته قد اغلق فتح له السودان فصلا جديدا أشد ازدحاما مع مثاقيل حبلي بالأحداث حتى غدت سيرته في جانب منها سيرة وطن كان يتغير أمام عينيه وكان هو واحدا من شهود ذلك التغيير ورجاله
سنتحدث في الحلقة القادمة عن دور القمندان مدني في انقلاب خالد حسين الكد وكيف تعامل معه وكيف افشل مدني الانقلاب ومن موقعه مديراً للمباحث الجنائية فقد كان مدني في قلب واحدة من أدق لحظات البلاد حين أسهم بيقظته وخبرته الأمنية في إحباط محاولة الانقلاب قبل أن تبلغ غايتها
وكان ذلك امتحانا آخر لرجل تعلم أن يقرأ الخطر في إرهاصاته الأولى وأن يسبق الحدث بخطوة حين تكون الدولة على المحك ونواصل
