الكائن العجائبي .. بقلم: منصور الصويم

انتشر قبل أسابيع قليلة مقطع فيديو قصير، صوره أحد ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، وعرض من خلاله ما وصفه بالاكتشاف الجديد لـ “كائن غريب” في بلاد السودان، وولاية الخرطوم بالتحديد. سأحاول هنا تقريب الصورة التي قدمها مقطع الفيديو القصير لـ “الكائن الغريب” العجيب، مع نقل – بتصرف – لتعليقات صاحب الفيديو عن كائنه هذا. إذن، البداية تظهر كف إنسان تمسك بين أصابعها بشيء غير واضح الملامح، لكنه يبدو مرنا وطريا يتشكل بحسب حركة اليد، ولونه يميل إلى الأبيض مع مساحات شبه بنية منتشرة هناك وهناك. بعد عرض هذا “الشيء” لثوان معدودات يبدأ صاحب المقطع في الحديث وتقديم شرح لما يحمله ويقدمه لجمهور المتلقين.
يقول صاحب المقطع: “هنا أيها السادة، نقدم لكم اكتشافا جديدا، كائن غريب تم اكتشافه اليوم لأول مرة، وكما ترون ها هو يتشكل ويتحرك في يدي كيفما أراد.. انظروا إليه جيدا وتمعنوا، لأنني الآن سوف أكشف لكم عن الأصل الذي تطور منه”. يصمت صاحب الفيديو لهنيهات، يسحب يده خلاله من أمام “كادر” الكاميرا، ثم تعود اليد مرة أخرى وهي تحمل في كفها، شيئا واضحا ومعلوما للجميع؛ لكن صوت صاحب المقطع يتدخل للشرح: “إخوتي كما ترون، هذه “عيشة” قطعة خبز.. انظروا إليها بالله عليكم”، يفرد صاحب المقطع كفه فتبدو قطعة الخبز “العيشة” صغيرة وضائعة بين أصابعه. يواصل حديثه قائلا: “كما ترون، ها هي “العيشة”، وهذا هو حجمها المعروض الآن في المخابز، انظروا”. يحرك صاحب المقطع أصابعه وكفه ويعجن قطعة الخبز لمرة واثنتين فتتحول سريعا إلى ذلك الشيء الغريب العحيب الذي وصفه بـ “الكائن الجديد”، فيضم أصابعه عليه ويغطيه تماما.
التعليقات الأخيرة لصاحب المقطع في نهاية عرضه المبهر هي الأكثر سخرية وألما، إذ يتساءل هذا الرجل الظريف هل يتعامل الناس بجدية مع هذا الشيء باعتباره قطعة خبز، وهل يعتقدون فعلا أنها قد تشبعهم وهي في الحقيقة لا تعدو أن تكون لقمة واحدة قد يتناولها طفل صغير في لحظات دون أن يشبع. يقول ساخرا: “تسمع الشخص يقول ليك أكلت سبعة عيشات الليلة، يا مسكين أنت لا تدري، فأنت أكلت سبع لقمات فقط لا أكثر”.
مقطع “الكائن الغريب” يوضح مبلغ السوء الذي وصل إليه حجم الخبز المعروض الآن في المخابز والأسواق، وإذا أضفنا إلى ذلك الأسعار الجديدة لقطعة الخبز الواحدة “واحد جنيه” سندرك حجم المأساة التي يواجهها المواطنون الأشراف. “واحد جنيه” لـ “لقمة” خبز لا تشبع وليس قطعة خبز “محترمة”. فإلى كم من الجنيهات يحتاح المواطن البسيط حتى يشبع فردا واحدا من أفراد أسرته؟
هذا وضع خطير وكارثي بكل المستويات، وإذا لم تبادر “الحكومة” لوضع معالجات سريعة لهذه الأزمة فإنها وبلا شك بوادر مجاعة سيعاني منها الجميع وستقود الناس حتما إلى الاحتجاج والثورة وهد “المعبد” على الجميع.
يا سادة “المواطن” يكفيه ما يعانيه، التفتوا إليه قليلا وأدوا أدواركم المناطة بكم. قدموا له ما يساعده على الحياة، لا ما يدفعه للكفر بها وبكل شيء.

mnsooyem@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً