الكتابة داخل وخارج الهوية .. بقلم: د. أمل الكردفاني

 

كتب هنري ترويا مجد المهزومين ليعبر عن حقبة ما في التاريخ الروسي حقبة نيقولا والثورة الفاشلة التي اعقبتها احكام بالنفي ، وكتب بلزاك النسيبة بت معبرا عن حقبة ما في تاريخ فرنسا ، وكتب حمور زيادة شوق الدرويش ليعكس جدلية لا تنتهي حول حقبة المهدية ، هؤلاء وغيرهم كتبوا من داخل هويتهم .. ولكن اغلب الروائيين لم يكتبوا ليعبروا عن هويتهم فالرواية ليست كتاب تاريخ ولا بحثا انثروبولوجيا او سوسيولوجيا ، فمزرعة الحيوان لجورج اورويل او العطر لباتريك زوسكند او غير ذلك من روايات كانت تكتب من خارج هوية الكاتب ، لتطرح فنا عابرا لحدود القوميات متوجها نحو الانسانية ، يلاحظ ان كثيرا من الروائيين يحاولون جعل الرواية مرآة لهوياتهم ، وهذا قد يثري الرواية من ناحية توثيقية لكن هل هذا هو غرض الرواية؟ قد يكون كذلك فلا احد يملك مسطرة لوضع مقاييس ما على العمل الادبي ، لكن هناك من استطاع الاستفادة من الهوية كمجرد مسرح لتداعيات السرد ، كنجيب محفوظ في اولاد حارتنا ، او اوي في الصرخة الصامتة ، وهناك من لغى الهوية تماما مثل صمويل بيكيت في موت مالون … بحسب مزاجي الشخصي فأنا افضل الروايات التي اما ان تلغي الهوية تماما او على الاقل لا تتوسع او تغرق فيها ، وكلما فقدت الرواية هوية كاتبها كانت اكثر اهتماما وتركيزا على تكنيكات الكتابة والرؤية التي تحوم حول بصر الكاتب ، فالمحاكمة لكافكا او حتى المسخ او مستعمرة العقاب كانت تدور في عالم غرائبي .. ومع ذلك فلم تخلو تأويلاتها كلها من رد الحكمة الروائية الى فلسفة كلية ، كذلك الحال في العمى لسراماغو … فلنلاحظ ان الحياة كلها هنا هي خشبة المسرح الروائي ، لذلك تضطرب كل محاولات الرد الجينيالوجي للرواية نحو مركزية ثقافية معينة.. ربما تكون بؤرة الرواية هي الذات نفسها ، وقد تكون اوسع من الذات بكثير ، وما بين ضيق الذات واتساع الحياة يكون الغموض اللطيف الذي يمنح الرواية مذاقها اللذيذ …=

amallaw@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً