لم تكن الحرب حدثاً منفصلاً عن المسار السياسي الذي صاغته “الكتلة الديمقراطية”، بقدر ما جاءت امتداداً لأزمة أعمق في مفهوم السياسة ووظيفتها، وكاشفة عن طبيعة الاصطفافات التي سبقتها ومهدت للمشهد الذي انفجر لاحقاً في 15 أبريل 2023، ومع اندلاع الحرب فقدت كثير من الشعارات التي رافقت ذلك المسار قدرتها على إخفاء تناقضاته، إذ لم يعد الحديث عن استكمال السلام أو توسيع قاعدة المشاركة، كافياً أمام واقع أصبحت فيه الدولة نفسها ميداناً للصراع، والسلام أداة للوصول إلى السلطة، والسياسة هامشاً يتحرك تحت سلطة البنادق، وأمام هذا الواقع سقطت تلك الشعارات أمام حقائق الممارسة السياسية وأصبحت مضامينها نفسها موضع مساءلة، “أي دولة يمكن حمايتها حين تصبح مؤسساتها رهينة لموازين القوة؟ وأي سلام يمكن استكماله حين يتحول من مشروع لإنهاء أسباب الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج أسباب الصراع وإدارة المصالح داخل بنية السلطة؟
وإذا كانت السياسة في جوهرها امتحاناً للأخلاق حين تتعارض المبادئ مع المصالح، فإن مسار “الكتلة الديمقراطية” يقدم نموذجاً مكثفاً لتحول السياسة من فعل يستهدف تحرير المجتمع إلى وسيلة للتكسب وحيازة النفوذ والامتيازات، فقد نشأت الكتلة تحت مسمى يوحي بالتوسيع والانفتاح غير أن ممارساتها السياسية ومسارها العملي أظهرا أن المقصود بتوسيع المشاركة لم يكن توسيع قاعدة الفعل الديمقراطي، بقدر ما كان توسيع دائرة القوى المناهضة للتغيير والداعمة لمخططات المؤسسة العسكرية، وهنا يتجاوز التناقض داخل “الكتلة الديمقراطية” حدود التنوع الطبيعي الذي يميز التحالفات السياسية، فالإسلاميون والحركات المسلحة والقوى التقليدية والمجموعات محدودة الحضور والتأثير، لم يجمعهم تصور متماسك لطبيعة الدولة التي يريدون بناءها ولا مشروع واضح للديمقراطية والعدالة، بقدر ما جمعتهم الحاجة إلى إعادة ترتيب مواقعهم داخل سلطة مضطربة، لا سيما أن غياب المشروع الجامع لم يكن مجرد نقطة ضعف في بنية التحالف وإنما مثل أحد شروط بقائه، لأن المشروع يفرض تعريفاً واضحاً للمبادئ والغايات بينما تسمح المصلحة بتأجيل التناقضات ما دامت المنافع المشتركة قائمة، وحين تفقد السياسة معناها الذي يتجاوز مصالح الفاعلين فيها، تتحول الدولة من مشروع عام يملكه الشعب إلى مساحة تتنافس عليها النخب وتغدو “حماية الدولة” كلمة حق يراد بها باطل وشعاراً يستدعى لتغطية معادلة سياسية غايتها حماية المواقع والمصالح داخل السلطة لا إعادة بناء الدولة على أساس الحرية والعدالة وإرادة مواطنيها.
وعندما انقلب الجيش على السلطة المدنية في أكتوبر 2021، مثلت “الكتلة الديمقراطية” حاضنة سياسية للانقلاب، وقدمته بوصفه “تصحيحاً للمسار” لا قطعاً لمسار الانتقال، غير أن ما جرى لم يبدأ لحظة إعلان الجيش قراراته العسكرية، وإنما سبقته عملية تمهيد أعادت صياغة المشهد على نحو جعل التدخل العسكري يبدو مخرجاً من الأزمة، إذ أسهمت “الكتلة الديمقراطية” في تطبيع فكرة أن السياسة المدنية عاجزة وأن المجتمع منقسم وأن المؤسسة العسكرية هي الجهة الوحيدة القادرة على إنقاذ الدولة، ولم يتوقف دور “الكتلة الديمقراطية” عند مجرد اتخاذ موقف سياسي مؤيد للجيش، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام في صناعة المناخ الذي جعل الانقلاب العسكري قابلاً للتسويق بواجهة مدنية، وجعل الارتداد عن المسار الديمقراطي يبدو استجابة للفوضى لا جزءاً من صناعتها، وهنا تتجاوز خطورة الدور المدني حدود تأييد الحكم العسكري إلى الإسهام في منحه غطاء سياسياً، فالانقلابات لا تحتاج إلى القوة المسلحة وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى خطاب سياسي يمنحها المبرر ويعيد تقديم الاستيلاء على السلطة بالقوة باعتباره حلاً لأزمة لا خروجاً على قواعد السياسة نفسها.
وبعد مضي أكثر من عام على انقلاب أكتوبر، عارضت “الكتلة الديمقراطية” الاتفاق الإطاري الذي وقع في ديسمبر 2022 بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي، ووصمته بالثنائية والإقصاء، والاعتراض على أي اتفاق سياسي حق مشروع لا سيما إذا كان عاجزاً عن تمثيل المجتمع أو معالجة جذور الأزمة، غير أن قيمة الموقف السياسي لا يصنعها الاعتراض وحده، وإنما يكشفها البديل الذي يطرحه المعترض والقوى التي يراد فتح الطريق أمامها، وما يفضي إليه ذلك الموقف من نتائج خصوصاً حين ينتقل الخلاف من ساحة للتنافس بين البدائل إلى صراع يهدد وجود العملية السياسية نفسها.
واتخذت “الكتلة الديمقراطية” من ذلك الموقف مدخلاً لبناء تصور سياسي وضع القوى المدنية والثورية في خانة الخصم، وفتح المجال للتحالف مع القوى المناهضة للتغيير والمرتبطة بالنظام البائد، ومنح المؤسسة العسكرية موقعاً فوق العملية السياسية، وهو ما لم يكن توسيعاً للمشاركة بقدر ما كان إعادة تعريف لها وفق مقاييس وتصورات المكون العسكري، وبما يعيد ترتيب المجال السياسي من حوله لا من حول مشروع التحول المدني الديمقراطي.
ويدافع قادة “الكتلة الديمقراطية” عن مواقفهم باستدعاء مفردات ومصطلحات مثل، هيبة الدولة والحفاظ على الجيش ومواجهة الإقصاء السياسي، غير أن هذه المفردات حين تفصل عن مضمونها الديمقراطي تصبح ستاراً يحجب السؤال الأهم عن طبيعة الدولة التي يراد حمايتها .. “هل الدولة هي المؤسسة المسلحة وحدها، أم منظومة المواطنة والقانون والحقوق والمؤسسات؟ وهل تصان هيبتها بإخضاع الجيش لسلطة الدولة المدنية، أم بمنح المؤسسة العسكرية سلطة سياسية فوق الدولة والمجتمع؟”.
فالدولة ليست ثكنة كبيرة والجيش ليس مرادفاً للوطن، وتكتسب المؤسسة العسكرية قيمتها الوطنية حين تكون جزءاً من الدولة وخاضعة لدستورها وقانونها، لكنها تتحول إلى مصدر خطر على الدولة نفسها حين تنتقل من حمايتها إلى الوصاية عليها، كما أن هيبة الدولة لا تبنى بإسكات المجتمع أو إخضاعه وإنما بقدرتها على حماية الحقوق وإنفاذ القانون ومحاسبة من يخرقه أياً كان موقعه أو زيه أو سلاحه، وحين يدفع المواطن إلى الاختيار بين الفوضى والاستبداد، تكون السياسة قد أخفقت في إحدى أهم وظائفها، وهي بناء دولة تجعل الحرية والنظام ممكنين معاً، بدلاً من التضحية بأحدهما بذريعة حماية الآخر، فالمعادلة التي تجعل الاستبداد ثمناً للاستقرار ليست حلاً لأزمة الدولة وإنما إعادة إنتاج لها بصورة أخرى، لأن النظام الذي لا تحرسه الحرية يتحول إلى إخضاع مثلما أن الحرية التي لا يحميها القانون تصبح عاجزة عن بناء دولة.
ومن هنا يفقد خطاب “حماية الدولة” معناه ما لم يشمل حماية الدولة من عسكرة السياسة واقتصاد الحرب، وشبكات المصالح التي تنمو في غياب الرقابة والمساءلة، فالدولة التي تختزل في جهاز القوة تفقد مضمونها المدني وتتحول من إطار لحماية المواطنين وتنظيم مصالحهم إلى أداة لإدارة المجتمع وإخضاعه، وعندئذ ينقلب شعار “حماية الدولة” على غايته، إذ يصبح الدفاع عنها باسم القوة طريقاً إلى إضعافها، لأن الدولة لا تقوى بتهميش المجتمع ولا بإطلاق يد مؤسساتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، وإنما بتمثيل مواطنيها وسيادة قانونها وإخضاع جميع مؤسساتها بلا استثناء للمساءلة، فالدولة التي تحتاج إلى إضعاف المجتمع كي تبدو قوية ليست دولة قوية، والسلطة التي تحتاج إلى السلاح كي تثبت شرعيتها لا تعالج أزمة السياسة، وإنما تؤجل انفجارها.
نواصل،،،
محمد عبدالله إبراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.com
