علاء خيراوي
لم أعد أندهش كثيراً عندما يكذب أحد رموز النظام القديم أو المدافعين عنه؛ فقد تجاوز الأمر، منذ زمن طويل، حدود الكذبة التي يقولها السياسي لينجو من مأزق، أو يجمّل بها موقفاً، أو يتهرب بها من مسؤولية. نحن أمام مدرسة سياسية كاملة مارست الكذب حتى أصبح عندها منهجاً في الحكم، وأداة في الصراع، وطريقة في إعادة كتابة التاريخ؛ فإذا وقعت الجريمة أنكروها، وإذا تعذر إنكارها غيروا اسمها، وإذا حفظ الناس اسمها حاولوا تغيير تاريخ وقوعها، وإذا بقي التاريخ شاهداً عليها بحثوا عن ضحية يحملونها مسؤولية ما فعلوه هم. لكن أن يصل الأمر إلى منصة مجلس الأمن، وأن يقف مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس ليقول، في ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، إن القوات المسلحة السودانية لم تصل إلى السلطة بانقلاب في أكتوبر ٢٠٢١، وإن الحكومة المدنية استقالت طوعاً، فكان على الجيش أن يملأ الفراغ؛ فهنا نحن لا نكون أمام اختلاف في تفسير حدث سياسي، وإنما أمام محاولة لتغيير ترتيب الزمن نفسه. والزمن، لحسن الحظ، لا ينتمي إلى هذه الفئة الضاّلة.
والتواريخ لا تقبل إعادة التمكين. ففي ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ لم يكن عبدالله حمدوك رئيس وزراء مستقيلاً، ولم تكن حكومته قد تركت وراءها فراغاً دستورياً يبحث الجيش عمن يملؤه. كان حمدوك رئيس وزراء السودان. وفي فجر ذلك اليوم اعتقلته القوات العسكرية، واعتقلت عدداً من وزرائه والمسؤولين والسياسيين، ثم أعلن عبد الفتاح البرهان حالة الطوارئ، وحل مجلس السيادة ومجلس الوزراء، وعلق مواد أساسية من الوثيقة الدستورية. وقد وثقت الأمم المتحدة هذه الوقائع بالتفصيل، ووصفت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ما حدث في اليوم نفسه بأنه انقلاب عسكري. بل إن الأمين العام للأمم المتحدة أصدر في ٢٥ أكتوبر نفسه بياناً أدان فيه صراحة “الانقلاب العسكري الجاري في الخرطوم”، وطالب بالإفراج الفوري عن حمدوك والمسؤولين المعتقلين وإعادة الترتيبات الدستورية. وبعد ثلاثة أيام فقط، في ٢٨ أكتوبر، أصدر مجلس الأمن نفسه، نعم، المجلس الذي وقف الحارث أمامه اليوم، بياناً أعرب فيه عن قلقه الشديد من “الاستيلاء العسكري” في السودان، وذكر اعتقال حمدوك وتعليق المؤسسات الانتقالية، وطالب السلطات العسكرية بإعادة الحكومة الانتقالية المدنية. فأي فراغ هذا الذي ملأه الجيش؟ ومن الذي خلق الفراغ أصلاً؟ هل استقال حمدوك فخرج البرهان من القيادة العامة يبحث عن حكومة مفقودة؟ أم أن البرهان حل الحكومة، واعتقل رئيسها، وعطل أجزاء من الوثيقة الدستورية، ثم أصبح الفراغ الذي صنعه الانقلاب نفسه بعد خمس سنوات دليلاً على عدم وقوع الانقلاب؟
هذه ليست رواية سياسية. هذه محاولة لإجبار التاريخ على السير إلى الخلف. والأكثر إحراجاً أن الحارث لم يكن مضطراً حتى إلى مغادرة مبنى الأمم المتحدة للبحث عن الحقيقة؛ فأرشيف المؤسسة التي كان يخاطب مجلس أمنها يحمل الإجابة. بل إن الأمم المتحدة سجلت التسلسل كاملاً؛ وقع الانقلاب في ٢٥ أكتوبر، ثم أُعيد حمدوك إلى منصبه بموجب الاتفاق السياسي الموقع مع البرهان في ٢١ نوفمبر ٢٠٢١، ثم استقال حمدوك في ٢ يناير ٢٠٢٢ بعد فشل محاولاته للخروج من الأزمة السياسية. ٢٥ أكتوبر؛ انقلاب. ٢١ نوفمبر؛ عودة حمدوك. ٢ يناير؛ استقالة حمدوك. هذه ليست وجهة نظر قوى الحرية والتغيير. وليست رواية “صمود”. وليست منشوراً في فيسبوك. هذه تواريخ. فكيف تكون استقالة حدثت في ٢ يناير ٢٠٢٢ سبباً في استيلاء عسكري وقع في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١؟
هل اكتشف الكيزان أخيراً آلة للسفر عبر الزمن؟ وهذه ليست مجرد زلة لسان للحارث إدريس؛ لأن الزلة يمكن أن تقع في اسم أو رقم أو تاريخ. أما بناء رواية كاملة تقلب السبب والنتيجة فشيء آخر. المشكلة هنا أعمق من الرجل نفسه. إنها في العقل السياسي الذي ظل طوال عقود يتعامل مع الحقيقة باعتبارها مادة قابلة للتعديل بحسب مقتضيات اللحظة. فانقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ نفسه بدأ بكذبة. ذهب حسن الترابي إلى السجن وذهب عمر البشير إلى القصر، في واحدة من أشهر عمليات التمويه السياسي في تاريخ السودان الحديث؛ حتى لا يظهر منذ اللحظة الأولى أن الجبهة الإسلامية تقف خلف الانقلاب. كانت الكذبة هناك جزءاً من الخطة. ثم أصبح النظام بعد ذلك خبيراً في تغيير أسماء الأشياء. التمكين أصبح “الصالح العام”. الحرب أصبحت “جهاداً”. المليشيات أصبحت “قوات شعبية”. قمع الخصوم أصبح “حماية للمشروع الحضاري”. الفساد أصبح استهدافاً سياسياً عندما يُكشف. والانقلاب أصبح، اليوم، ملء فراغ. إنها اللغة نفسها وإن تغير المتحدثون.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لانقلاب ٢٥ أكتوبر. لم يكن حدثاً بروتوكولياً وقع داخل القصر الجمهوري وانتهى. خرج الناس إلى الشوارع رفضاً له، وسقط قتلى وجرحى، واعتقل ناشطون وسياسيون، وتوقف جانب كبير من الدعم الدولي للسودان، وتعطلت عملية الانتقال، ودخلت البلاد في أزمة سياسية وأمنية متصاعدة انتهت، ضمن عوامل أخرى، إلى البيئة التي انفجرت فيها حرب ١٥ أبريل. حتى الاتحاد الأفريقي علق عضوية السودان بعد استيلاء الجيش على السلطة، والأمين العام للأمم المتحدة قال في ديسمبر ٢٠٢١ بلا مواربة؛ نعم، حدث انقلاب في ٢٥ أكتوبر في السودان. والولايات المتحدة قالت يوم ٢٥ أكتوبر إن القوات العسكرية حلت الحكومة الانتقالية المدنية واعتقلت حمدوك، ووصفت ما جرى بأنه خيانة للثورة السودانية السلمية. فهل كل هؤلاء كانوا ينتظرون استقالة ستحدث بعد أكثر من شهرين؟ هذه هي المشكلة في الكذبة الكبيرة؛ أنها لا تستطيع الوقوف وحدها.
لكي تقول إن الجيش “ملأ الفراغ”، عليك أولاً أن تمحو اعتقال حمدوك. ثم تمحو حل مجلس الوزراء. ثم تمحو حل مجلس السيادة. ثم تمحو تعليق مواد الوثيقة الدستورية. ثم تمحو حالة الطوارئ. ثم تمحو بيان مجلس الأمن. ثم تمحو موقف الاتحاد الأفريقي. ثم تمحو المظاهرات. ثم تمحو القتلى. ثم تنقل استقالة حمدوك من يناير ٢٠٢٢ إلى ما قبل أكتوبر ٢٠٢١. وعندها فقط تصبح الرواية قابلة للحياة. أي أنك لا تحتاج إلى كذبة واحدة. تحتاج إلى تزوير مرحلة كاملة من تاريخ السودان. لماذا يكذبون على حدث شاهده العالم؟.وهنا السؤال الأهم. لماذا يحتاج ممثل السودان اليوم إلى إنكار انقلاب حدث أمام كاميرات العالم قبل أقل من خمس سنوات؟ لأن الاعتراف بانقلاب ٢٥ أكتوبر ليس مجرد خلاف حول الماضي. إنه يحمل سؤالاً خطيراً عن شرعية الحاضر.
إذا اعترفت بأن ٢٥ أكتوبر كان انقلاباً، فأنت تعترف بأن السلطة المدنية لم تستقل وتترك فراغاً؛ بل أُطيح بها. وإذا اعترفت بأنها أُطيح بها، يصبح السؤال مشروعاً؛ بأي أساس تحولت السلطة التي صنعتها القوة العسكرية بعد ذلك إلى “الشرعية” التي تطالب العالم اليوم بالدفاع عنها؟ ولهذا لا يجري الصراع على وصف أكتوبر من أجل التاريخ فقط. إنه صراع على شرعية السلطة التي نشأت بعده. ومن هنا نفهم لماذا تصبح إعادة كتابة الماضي ضرورة سياسية للحاضر. والأسوأ أن الكذبة قيلت في المكان الخطأ
يمكن للسياسي أن يكذب في ندوة في بورتسودان، وقد يصفق له أنصاره. ويمكن أن يكذب في مقابلة تلفزيونية، فيجد مذيعاً لا يراجعه. ويمكن أن يكتب التاريخ كما يشاء على صفحات أنصاره في وسائل التواصل..لكن مجلس الأمن له ذاكرة. والأمم المتحدة لها وثائق. وفي الأرشيف نفسه الذي سيحفظ كلمة الحارث إدريس اليوم توجد وثائق ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. وهذا ما يجعل المشهد مؤسفاً بالنسبة للسودان، لا بالنسبة للحارث وحده. فهو لم يكن يتحدث هناك باسمه الشخصي. كان يحمل صفة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة. وعندما يقف ممثل الدولة أمام أعلى مؤسسة دولية للأمن والسلم ويقدم رواية تستطيع وثائق المؤسسة نفسها تفنيدها في دقائق، فإن الضرر لا يقع على خصوم البرهان ولا على قوى الثورة. الضرر يقع على مصداقية السودان نفسه.
فالدبلوماسية لا تقوم فقط على البلاغة.
الدبلوماسية تقوم على المصداقية. وقد تستطيع أن تدافع عن موقف حكومتك، وأن ترفض العقوبات، وأن تهاجم الدعم السريع، وأن تتهم الإمارات، وأن تختلف مع أمريكا، وأن تقدم أقسى الحجج دفاعاً عن القوات المسلحة؛ فهذا كله من صميم عمل مندوب الحكومة..لكن لا تستطيع أن تطلب من العالم أن ينسى ما وثقه هو بنفسه.
الكذب عند الكيزان ليس عارضاً، ولهذا اخترت للمقال هذا العنوان. وأنا لا أقصد العقيدة هنا بالمعنى الديني؛ وإنما بمعنى الممارسة السياسية التي ترسخت حتى أصبحت جزءاً من طريقة التفكير. فالحقيقة عند هذه المدرسة ليست قيمة قائمة بذاتها. الحقيقة هي ما يخدم المشروع. فإن خدمته الواقعة استُخدمت، وإن أضرته أُعيد تفسيرها. وإن استعصى تفسيرها أُنكر وقوعها. وإن بقيت الوثائق، هوجمت الوثائق. وإن بقي الشهود، اتُهم الشهود. وإن بقي التاريخ نفسه، أُعيدت كتابة التاريخ. وهكذا يمكن للانقلاب أن يصبح “تصحيح مسار”. ثم يصبح بعد سنوات “ملء فراغ”. وربما إذا انتظرنا قليلاً سيقال لنا إن البرهان كان في ٢٥ أكتوبر يحاول فقط العثور على حمدوك ليطلب منه العودة إلى مكتبه!
المشكلة ليست في الماضي فقط ما يخيفني في هذه الرواية ليس أنها تكذب بشأن ٢٠٢١..ما يخيفني هو ما تقوله عن ٢٠٢٦ وما بعده. فنحن مقبلون على مفاوضات سلام، ورباعية، وخماسية، ومجلس أمن، وملفات جرائم وانتهاكات، وترتيبات انتقالية، وإعادة بناء جيش ودولة. وكل عملية سلام حقيقية تحتاج إلى حد أدنى من الاتفاق على الوقائع. كيف نبني دولة إذا كنا غير قادرين حتى على القول إن انقلاباً وقع عندما رأيناه يقع؟ كيف نتحدث عن العدالة إذا كان كل صاحب سلطة يستطيع تغيير اسم الجريمة؟.وكيف نكتب تاريخ الحرب الحالية إذا كان تاريخ حدث وقع قبل خمس سنوات فقط يجري تغييره أمام أعيننا؟ هذه ليست معركة لغوية..إنها معركة على ذاكرة السودان.
وأخيراً، يمكن للحارث إدريس أن يدافع عن القوات المسلحة كما يشاء. ويمكنه أن يعارض توسيع حظر السلاح الأمريكي، وأن يقول إن الجيش مؤسسة دولة وإن مساواته بالدعم السريع خطأ، وأن يقدم كل الحجج السياسية والقانونية التي يراها. هذا حقه، بل هو جزء من وظيفته. لكن الدفاع عن الجيش لا يحتاج إلى تغيير التقويم. ولا يحتاج إلى نقل يناير إلى أكتوبر. ولا يحتاج إلى تحويل المعتقل إلى مستقيل، والانقلاب إلى فراغ، ومن صنع الفراغ إلى من جاء لإنقاذ البلاد منه. ويجب على التاريخ ان يسجل للأجيال القادمة، انه؛ وفي ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ كان عبدالله حمدوك رئيساً للوزراء. اعتُقل. حُلّت حكومته. عُلقت مواد من الوثيقة الدستورية. وأُعلنت حالة الطوارئ. ثم عاد إلى منصبه في ٢١ نوفمبر. ثم استقال في ٢ يناير ٢٠٢٢. هذه هي الوقائع. ومن أراد أن يختلف في تقييم الانقلاب فليختلف. ومن أراد أن يبرره فليبرره ويتحمل مسؤوليته. لكن أن يُقال إن الاستقالة هي التي خلقت الفراغ الذي ملأه الجيش، فهذا ليس رأياً آخر. إنه قلب للتاريخ. وللكذب السياسي مشكلة واحدة لا يستطيع حتى أكثر الناس مهارة في صناعته حلها؛ أنه يستطيع أن يربك الذاكرة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع أن يغير التاريخ الذي سجلته الوثائق. لقد اعتاد الكيزان أن يكتبوا روايتهم ثم يطلبوا من السودانيين أن ينسوا ما رأته أعينهم. لكن هذه المرة وقف مندوبهم أمام مؤسسة تحتفظ في أرشيفها بمحضر الجريمة وتاريخها وتسلسل أحداثها، ثم حاول أن يقنعها بأن الضحية غادرت المنزل أولاً، وأن الذين اقتحموه لم يفعلوا سوى ملء الفراغ. تلك ليست دبلوماسية. وليست اختلافاً في قراءة التاريخ. إنها ببساطة شديدة؛ الكذبة القديمة نفسها، لكنها هذه المرة قيلت أمام أرشيف الحقيقة.
