في السودان، لم تعد العلاقة بين الإعلام والسلاح مجرد جدل مهني حول حدود التغطية الصحفية، بل تحولت إلى سؤال أخطر من يملك حق تعريف الواقع أثناء الحرب؟
ومع استمرار الصراع منذ أبريل 2023، يبدو أن المجال العام يُعاد تشكيله على إيقاع الفوهة لا الكلمة، وعلى منطق السيطرة لا المساءلة
في كل مرحلة من تاريخ السودان الحديث، كان الصحفي يُستدعى إلى قلب المعركة لا بوصفه مراقباً، بل بوصفه طرفاً يُراد ضبطه أو توظيفه أو إسكات صوته , من دارفور إلى ما بعد الثورة، وصولاً إلى الحرب الحالية، يتكرر المشهد نفسه بأدوات مختلفة تقييد الوصول، التضييق القانوني، حملات التخوين، ثم الانتقال السريع إلى الفضاء الرقمي حيث تصبح الرواية نفسها ساحة قتال
الخطير اليوم ليس فقط العنف المباشر ضد الصحفيين، بل التحول التدريجي في فكرة “المسموح به” داخل المجال العام؛ حيث يُنظر إلى السؤال بوصفه تهديداً، وإلى النقد بوصفه اصطفافاً، وإلى المهنة ذاتها بوصفها موقعاً مشتبهاً فيه
في هذه البيئة، لا يعود الخلاف حول المعلومة، بل حول حق إنتاجها من الأساس
ومع ذلك، فإن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن احتكار الرواية لم يعد ممكناً كما في السابق. الفضاء الرقمي كسر جزءاً من هذا الاحتكار، لكنه في المقابل فتح الباب أمام فوضى معلوماتية، تتداخل فيها الدعاية مع الخبر، والتحريض مع التوثيق، في مشهد يصعب ضبطه أو التحقق منه بسهولة
في النهاية، لا يبدو أن المعركة في السودان اليوم هي فقط بين أطراف مسلحة، بل أيضاً بين تصورين للدولة – دولة تُدار فيها الحقيقة عبر الكلمة، ودولة تُفرض فيها الحقيقة عبر القوة وبين هذين النموذجين، يبقى الصحفي في موقع هشّ، يحاول فقط أن يثبت أن الحقيقة ليست جريمة حرب.
zuhair.osman@aol.com
